أكذوبة المرجعية والتقليد: كيف صُنعت الأعلمية لخدمة الخمس والسلطة
يبيّن المقال أن مصطلح المرجع الأعلى قد اعترف منظرو الشيعة أنفسهم بأنه اختراع سياسي حديث، وُلد في سياق مواجهة أنظمة سياسية معينة، ثم تحوّل إلى أداة لتجميع السلطة الدينية والمالية بيد شخص واحد، تُدار باسمه شبكات الوكلاء، وتُجمع الأموال، ويُقصى المخالفون.
وتكشف الصفحات التالية حجم التناقض والاضطراب في تعريف الأعلمية، واختلافهم الحاد في معاييرها، وعجز العامة عن معرفتها، مع اعترافهم بأن المال، لا العلم ولا التقوى، هو العامل الحاسم في صناعة المرجع، وتسويقه، وتمكينه من السيطرة على عقول الأتباع وأموالهم.
إن هذه المقالة لا تناقش مسألة فقهية جزئية، بل تفضح منظومة كاملة استُخدمت فيها المصطلحات الدينية لتكريس النفوذ، وإضفاء قداسة مصطنعة على مؤسسة لم يعرفها الإسلام، ولم يأمر بها الله، ولم يعمل بها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا صحابته، وإنما نشأت في بيئة فكرية منحرفة، واتخذت من الدين ستارًا لحطام الدنيا.
يقول: وملاك الأعلمية أن يكون أقدر من بقية المجتهدين على معرفة حكم الله تعالى، واستنباط التكاليف الإلهية من أدلتها، ومعرفته بأوضاع زمانه، بالمقدار الذي له مدخلية في تشخيص موضوعات الأحكام الشرعية، وفي إبداء الرأي الفقهي المقتضي لتبيين التكاليف الشرعية التي لها دخل في الاجتهاد أيضاً[1].
وقائل: المراد بالأعلمية من بقية المجتهدين أن يكون المرجع المقلد أقدر منهم في استنباط الأحكام[2].
أو: أن يكون المجتهد الذي يقلده أعلم، أي أقدر من كل مجتهدي زمانه في فهم أحكام الله تعالى[3].
وقالوا: المراد من الأعلم من كان أحسن استنباطاً من غيره لكونه أقوى نظراً في تنقيح قواعد المسألة ومداركها، وأكثر خبرة في كيفية تطبيقها على مواردها، وأجود فهماً للأخبار في استنباط المسائل الفرعية من مضامينها مطابقة والتزاماً وإشارة وتلويحاً، وأكثر اطلاعاً بمدارك المسألة ونظائرها، كما يرشد إليه قوله عليه السلام: «أنتم أعلم الناس إن عرفتم معاني كلامنا» (نعم) لا عبرة بكثرة الاستنباط والإحاطة بالفروع الفقهية (لأن) ذلك يجامع مع ضعف الملكة أيضاً[4].
ولا أدري كيف للعوام معرفة الأعلم؟! ورسائلهم العلمية مليئة بهكذا أسئلة من المقلدين، انظر مثلاً إلى سائل يسأل: بالنسبة للإنسان البعيد عن أجواء الحوزات العلمية كيف يمكنه أن يعلم بأن فلاناً من العلماء من أهل الخبرة أم لا، حتى يعتمد عليه في معرفة الأعلم من المجتهدين؟ فكان الجواب: الخوئي: لا بد من إحراز خبرويته كإحراز صلاحية أصل المرجع، ولو بالشياع المفيد للعمل أو الاطمئنان[5].
فكيف للعامي البناء على الشياع والأمر فيه مضطرب وتدخل فيها المصالح؟
ولم يقنع آخرين بهذا المنهج لمعرفة الأعلم، إذ ربما يعتبر البعض أن المعيار في الأعلمية وعدمها هو السرعة في استباط الأحكام الشرعية، فمن كان سريعاً فيه فهو أعلم ممن كان بطيئاً، وهو معيار خاطىء، فربما كان المجتهد بطيئاً في عملية الاستباط، لكنه دقيق فيها، فيأتي رأيه أعمق من المجتهد الذي يكون أسرع منه، ولكن دون دقة في العمل.
وكذلك القول في كثرة الاستنباط إذا لم تترافق مع دقة كبيرة في استخراج الأحكام لا تكون دليلاً على الأعلمية.
وهكذا في معيار الحضور الذهني، وكثرة المؤلفات، وكثرة حضور دروس عدد كبير من الأساتذة، والسن مما يطول شرحه.
ثم أن الآيات والروايات الخاصة بجواز التقليد مطلقة. ولا يفهم منها اشتراط الأعلمية في المرجع.
وربما يوجد في أذهان البعض معيار آخر في هذا الأمر، هو كون الشخص من السادة، لكن المتتبع يرى أن مقاليد المرجعية والإفتاء كانت بيد غير السادة منذ عصر الغيبة الكبرى، أي: مع بداية مرجعية العالم الكبير أبو القاسم جعفر بن محمد بن جعفر بن موسى بن قَولَوَيه (229 هـ)، وحتى نهاية زعامة الميرزا الشيرازي (1053 هـ). كذلك فإنه لا يمكن أن يكون لبلد خاص، أو مدينة بعينها، دور في تحديد هذا الأمر، فالمعيار الصحيح للأعلم هو التمكن التام من أصول الفقه الاجتهادي والقدرة على إعادة الفروع إلى الأصول، والتطبيق الكلي على مصاديقه الخارجية، وأن يكون أقل خطأ من غيره في هذه الأمور، سواء كان في النجف، أو في قم، أو في مكان آخر. من هنا فإن ما يدعو إليه بعض الوكلاء الانتهازيين والنفعيين من ضرورة وجود المرجع خارج إيران، إن هو إلا خطة واضحة الأهداف، ونحن نمسك عن ذكر هذه الأهداف في الوقت الحاضر، مراعاة للمصلحة العامة.
وهنا ننبه العلماء الكبار إلى أن عليهم التصدي لمثل هؤلاء الأشخاص، والقيام بأنفسهم بالدعوة إلى المرجع الكفء، ليتسنى للناس تقليده حيثما كان، وعليهم بالإضافة إلى تقويم تقوى الفقهاء وبعدهم الديني والعلمي أن يقوّمواقدرتهم الإدارية وسعة أفقهم ونظرتهم إلى شؤون العالم المعاصر، فغيرخافٍ على أحد ما لهذه الأمور من أهمية بالغة في شخصية القيادة الإسلامية[6].
ففي الماضي عند وفاة المرجع يبادر بعض الأساتذة إلى عقد مؤتمرات واجتماعات التوعية لمساعدة الناس في انتخاب الأحسن كما فعل المطهري، والبهشتي والطالقاني عند وفاة البروجردي. والآن ليس لهذه السيرة وجود.
وقبلهم كان تشخيص الأعلم في المراحل السابقة يتم بواسطة كبار الفقهاء، بل إن التاريخ يذكر لنا أن المجتهد الأعلم والمرجع في كل زمن يقوم بتحديد الأعلم من بعده لمعرفته به أكثر من غيره، ثم يعرّف الناس به.
فمن الأشخاص الذين حددوا المراجع من بعدهم، يمكن أن نذكر:
- الوحيد البهبهاني (ت 1205هـ).
- جعفر كاشف الغطاء (ت 1228 هـ).
- الميرزا أبو القاسم القمي (ت 1227 هـ).
- محمد حسن النجفي (ت 1226 هـ).
- سعيد العلماء المازندراني (ت 1270 هـ).
- مرتضى الأنصاري (ت 1281 هـ).
- الميرزا حبيب الله الرشتي (ت 1312 هـ).
- الميرزا محمد حسن الشيرازي(ت1312 هـ).
- محمد كاظم اليزدي (ت 1337 هـ).
- علي الجواهري حفيد صاحب الجواهر.
- الميرزا محمد تقي الشيرازي (ت 1338 هـ).
- أبو الحسن الأصفهاني (ت 1365 هـ).
- حسين الطباطبائي البروجردي (ت 1380 هـ).
والآن بات الأمر أكثر وضوحاً فالمسألة كلها متعلقة بالخمس، وليس لأكذوبة الأعلمية التي اخترعوها أي علاقة بالدين أو الشرع، إنما هي لعبة أتقنها أصحابها في إزاء ضحاياهم حسنُو النية.
بل جوزوا للأتباع تقسيم الخمس بين اثنين إذا لم يتنازل أحدهما للآخر في مسألة الأعلمية، فليس همهم اضطراب الأمور الدينية على الأتباع، المهم الخمس وحسب.
يسأل أحدهم: (إذا تعذر على المكلف معرفة الأعلم في العصر الحاضر، وقلد أحد الموجودين بناء على أنه مبرء للذمة، فلمن يدفع الخمس؟ وإذا دفعه لأحد العلماء الذي يحمل إجازة من غير مقلد (المكلف) هل يصح ذلك؟
فيجد الجواب: يجب الفحص عن الأعلم والدفع إليه، وإذا لم يتبين الأعلم بعد الفحص يستأذن من أحد المحتملين للأعلمية ويدفع إلى الآخر، ومع عدم إذنهم يقسط بينهم)[7].
ويعترف أحدهم قائلاً: (إن الأمر -أي: اختيار الأعلم- قد فُوض إلى خطباء المنابر والأشخاص الذين يكون معيارهم في انتخاب المرجع إعطاء الوكالة والإجازة في أخذ الحقوق، أي: الخمس، فشمر هؤلاء عن سواعدهم وطفقوا يدعون لموكليهم في كل محفل ومجلس، دون أن يعيروا اهتماماً لخصائص المرجع الجامع للشرائط، وبذلك تركوا الناس في ضياع وحيرة من أمرهم)[8].
ويقول آخر: (أن المال يلعب دوراً كبيراً فيعملية انتخاب المرجع الأعلى، ومع أن أساس المرجعية يفترض أن يقوم على العلموالتقوى إلا أن المال هو الذي يحسم عادة انتخاب شخص معين من بين الفقهاء العدولالأتقياء، ولا يكفي أن يكون الشخص فقيهاً وعادلاً لكي يصبح مرجعاً، إذا لم يكن يمتلكقوة مالية ترشحه لسدة المرجعية وتجلب الوكلاء إليه، ولا يعني هذا أن شخصاً جاهلاً أوفاسقاً يستطيع بسهولة أن يرتقي سدة المرجعية الدينية، ولكن لا يمكن إغفال دور المالفي ارتقاء شخص أو سقوط شخص آخر. وهذا ما يفسر سيطرة العنصر الفارسي لعشرات السنينعلى سدة المرجعية، وذلك نظراً لعلاقات المراجع الإيرانيين مع بني قومهم في إيرانالذين يقدمون التبرعات السخية إليهم عادة ولا يقدمونها إلى العرب أو العراقيين حتىلو كانوا أكثر علماً وتقوى منهم، بسبب عدم معرفتهم بهم أو عدم القدرة على التواصلاللغوي معهم.
وعندما تتكدس أموال هائلة لدى مرجع معين يستطيعأن يحدد بواسطتها المرجع الذي يخلفه، وذلك بضمان ضخ قدر كاف من المال لإدارةمرجعية خليفته حتى يشتهر ويستقطب الطلبة والوكلاء الذين سوف ينهالون عليه ويرشحونهعامة الناس باعتباره المرجع الأفقه والأورع والأتقى، فتدور عندها عجلة المرجعيةلذلك المرجع ويقوم باستيفاء الخمس من المؤمنين. وهذا ما يفسر بروز مراجع معينينفجأة بعد وفاة مرجع سابق لمجرد قدرتهم على توزيع الرواتب للطلبة والوكلاء في كلمكان، من دون أن يعرفوا بنظريات فقهية معينة أو يحتفظوا بسجل جهادي أو يقوموا بأيدور قيادي في الأمة.
ومن المعروف في الأوساط الحوزوية أن درجة شعبية أيمرجع تعرف عادة من خلال حجم الراتب الشهري الذي يوزعه على طلبة العلوم الدينية فيالنجف وقم ومشهد، فالمرجع الذي يوزع أعلى راتب بعد وفاة المرجع الأعلى السابق يعنيأنه أصبح المرجع الأعلى الجديد، وذلك لدلالة كمية المال على حجم التقليد الشعبي، بالرغم من عدم واقعية أو صحة هذا المؤشر مع احتمال حدوث تلاعب أو قيام جهات مشبوهةبضخ أموال هائلة لأغراض سياسية.ولكن ذلك، على أي حال، يشد حركة الوكلاءإلى المرجع الجديد لأخذ الوكالة منه والدعوة إلى تقليده وجباية الخمس باسمه وتسليمهإليه بعد أخذ حصتهم منه. وعادة ما تتراوح النسبة التي يأخذها الوكلاء بين الربعوالثلث والنصف من الخمس[9].
[1] أجوبة الاستفتاءات، للخامنئي (1/9).
[2] توضيح المسائل، لمحمد تقي بهجت (8)، منتخب الاحكام، للخامنئي (10).
[3] الأحكام الشرعية، للمنتظري (6).
[4] نهاية الأفكار، تقرير بحث آقا ضياء، للبروجردي (5/254).
[5] صراط النجاة، للميرزا جواد التبريزي (2/10).
[6] آراء في المرجعية الشيعية (96).
[7] صراط النجاة، للميرزا جواد التبريزي (1/503).
[8] آراء في المرجعية الشيعية (17).
[9] المرجعية الدينية الشيعية.. دولة في الدولة، لأحمد الكاتب.