يُعدّ الخمس عند الشيعة الإمامية من أكثر التشريعات إثارةً للجدل والاضطراب، لا من حيث أصل مشروعيته فحسب، بل من حيث تطوّره التاريخي، وتحوله من دعوى فقهية محدودة إلى منظومة مالية مغلقة، تُدار باسم “النيابة عن الإمام الغائب”، ثم انتهت في صورتها المعاصرة إلى حصرٍ كاملٍ للتصرف في جميع أموال الخمس بيد الولي الفقيه وحده.
ففي المراحل الأولى من الفكر الإمامي، دار الخلاف حول حكم الخمس زمن الغيبة: بين القول بالتحليل، أو الادخار، أو العزل، أو الصرف في وجوه البر بدعوى العلم برضا الإمام. غير أن أنصار نظرية ولاية الفقيه المطلقة لم يكتفوا برفض هذه الأقوال، بل تجاوزوها إلى تقرير أصل جديد، مؤداه أن الخمس – بسهميه معًا – ليس ملكًا للأصناف المذكورة في آية الخمس، ولا حتى للإمام باعتباره شخصًا، وإنما هو مالٌ سياسيٌّ خالصٌ متعلق بمنصب الإمامة والحكم، ومن ثم لا يجوز التصرف فيه إلا من قِبل الحاكم المتصدّي للولاية العامة.
وقد صرّح الخميني في معرض نقده للأقوال السابقة بأن دعوى القطع برضا الإمام في مصارف معيّنة “لا تخلو من مجازفة”، وأنه لا يجوز لأحد التصرف في سهم الإمام إلا مع القطع الشخصي برضاه، وهو أمر متعذّر، مما يستلزم عمليًا سحب يد جميع الفقهاء والمكلفين من الخمس، وحصره في يد الولي الفقيه وحده، بوصفه الممثل الشرعي للحكومة والإمامة.
ثم جاء من بعده منظّرو الولاية، كمنتظري، ليؤصّلوا لهذا المسار تنظيرًا فقهيا صريحًا، فقرروا أن الخمس بأجمعه “حق وحداني” لمنصب الإمامة والحكومة، لا ينقسم بطبيعته إلى نصفين، ولا يملكه الهاشميون، وإنما يُصرف لهم بقدر الحاجة بوصفهم موردًا من موارد الصرف، لا شركاء في الملك. وبذلك أُعيد تفسير آية الخمس، والروايات الواردة فيها، تفسيرًا سياسيًا محضًا، يُفضي إلى جعل الخمس ميزانيةً سياديةً للدولة الدينية.
واكتمل هذا المسار بفتاوى صريحة، كفتوى الخامنئي بوجوب تسليم الخمس إلى “ولي أمر الخمس”، لا إلى مرجع التقليد إن كان غيره، وهو ما يكشف بوضوح أن المسألة لم تعد فقهية محضة، بل مرتبطة بالسلطة والمال، وبالصراع على من يملك حق التصرف في الموارد المالية الضخمة التي تُجبى باسم الدين.
أنصار ولاية الفقيه يوجبون حصر التصرف في سهم الإمام في الولي الفقيه:
ثم جاء أنصار ولاية الفقيه وقالوا بوجوب حصر التصرف في سهم الإمام في الولي الفقيه وليس الفقهاء.
فهذا الإمام الخميني في معرض رده على الأقوال السابقة يقول بأنهم تشبثوا فيه بأمور غير مرضية، وادعى بعضهم العلم برضا الإمام عليه السلام بتلك المصارف المعهودة لحفظ الحوزات العلمية ونحوها. وليت شعري كيف يحصل القطع بذلك! أفلا يحتمل أن يكون الصرف في بعض الجهات أرجح في نظره الشريف عليه السلام، كالصرف في رد الكتب الضالة الموجبة لانحراف المسلمين، ولا سيما شبانهم، وكالصرف في الدفاع عن حوزة الإسلام... إلى غير ذلك مما لا علم لنا به؟! فدعوى القطع لا تخلو من مجازفة. ثم لو فرض قطع الفقيه بالرضا لكنه لا يفيد ذلك لغيره; فإن كل آخذ لا بد له في صحة تصرفه من القطع برضاه، وليس الأمر مربوطاً بالتقليد ونحوه كما هو ظاهر.
ولكن الشأن في ثبوت المالكية لهم (عليهم السلام)، والذي يظهر لي من مجموع الأدلة في مطلق الخمس - سواء فيه سهم الإمام عليه السلام أو سهم السادة كثر الله نسلهم الشريف - غير ما أفادوا: بيان مصرف سهم السادة أما في سهم السادة، فلأنه لا شبهة في أنهم مصرف له، لا أنهم مالكون لجميع السهام الثلاثة; ضرورة أن الفقر شرط في أخذه، والمراد به عدم وجدية مؤونة سنته حسب المتعارف.
وبعبارة أخرى:
إنه على الوالي أن يعطي السادة مؤونة سنتهم من السهام الثلاثة، فلو زادت عن مؤونتهم كانت للوالي، ولو نقصت عنها كان عليه جبران النقص من سائر ما في بيت المال، كما دل عليه الدليل، ولا شبهة في أن نصف الخمس يزيد عن حاجة السادة بما لا يحصى[1].
ويقول منتظري:
(وأما عصر الغيبة فالقاعدة تقتضي أن يكون المتصدي لها هو الفقيه الجامع لشرائط الحكم والولاية)[2]
وقال بعد أن ذكر أقوال الشيعة في حكم الخمس في عصر الغيبة: (وضعف بعضها واضح كالقول بوجوب دفن الجميع أو حصة الإمام إلى أن يظهر الإمام ويستخرجه، أو عزله وحفظه وإيداعه إلى أن يصل إليه ونحو ذلك مما يوجب ضياع المال وتلفه حرمان مستحقيه وتعطيل مصارفه الضرورية، وكالقول بالتحليل المطلق لا سيما بالنسبة إلى سهام الأصناف مع حرمانهم عن الزكاة أيضاً.
ولا يخفى ابتناء أكثر هذه الأقوال على كون الخمس بالطبع منصفاً بنصفين، وكون النصف ملكاً للأصناف الثلاثة والنصف الآخر لشخص الإمام المعصوم ومن أمواله الشخصية بحيث يجب أن يحفظ ليوصل إليه أو يتصدق به عنه أو يتصرف فيما أحرز رضاه به. ولكن قد مر بنا مراراً أن الخمس بأجمعه حق وحداني جعل لمنصب الإمامة والحكومة الحقة، فهو مال للإمام بما أنه إمام لا لشخصه، وحيثية الإمامة لوحظت تقييدية لا تعليلية، ونحوه الأنفال أيضاً والمتصدي لأخذهما وصرفهما في شؤون الإمامة والحكومة من له حق الحكم، وهو النبي (صلى الله عليه وسلم) في عصره الشريف، بعده للإمام المعصوم، وفي غيبته للفقيه العادل العالم بمصالح الإسلام والمسلمين. وإن شئت قلت: إنهما أموال عامة جعلتا شرعاً في اختيار ممثل المجتمع ومن له حق الحكم عليهم، وإذنه وإجازته مصححان للمعاملات الواقعة عليهما، فمعنى كونهما للإمام هو أن الإمام ولي التصرف فيهما وبيده اختيارهما، ومصرفهما المصالح العامة على يشخصها الإمام العادل. ومن أهم المصالح إدارة عائلة شخص الإمام أيضاً حفظ شؤونه، كما أن تموين الأصناف الثلاثة أيضاً من أظهر وظائفه، فتدبر)[3].
ويقول الخامنئي في رد على سؤال:
(إذا كان الحاكم شخصاً ومرجع التقليد شخصاً آخر، فإلى أيهما يجب دفع الخمس؟ فرد: يجب تسليم الخمس إلى ولي أمر الخمس، وهو الذي يلي أمور المسلمين)[4].
ثم لخص أصحاب هذه النظرية (ولاية الفقيه) حججهم في التالي:
1- لو أمعنا النظر في الأهداف السامية للإسلام وفي سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والأئمة عليهم السلام وفي الغاية من تشريع هذه الحقوق، لأدركنا دون عناء أن الهدف من هذ الأموال هو سد حاجة الناس ورفع العوز عنهم، وتحقيق الأهداف السامية للإسلام والنظام الإسلامي، ومن ثم فإن العقل والحكمة يقضيان بأن هذ الأموال ليست ملكاً شخصياً للإمام؛ إذ كيف يعقل أن تكون هذه الأموال (الخمس، الأنفال، الفيء...) على وسعتها مالاً شخصياً للإمام؟ وما يؤيد ذلك ما ورد في بعض الروايات: أن الدنيا وما فيها للإمام، إذ لا يمكن أن يعقل بأن الدنيا كلها ملك شخصي له. ومن جانب آخر، لا يمكن أن يختص نصفه الخمس بالهاشميين، إذ لا يعقل أن تتعلق هذه الثروة الهائلة بجماعة قليلة من الناس، فالزكاة - حسب آراء الفقهاء - ذات مساحة ضيقة جداً، فهل يمكن بها وحدها رفع حاجات المجتمع، ودفع غائلة الفقر عن المحتاجين؟ من هنا فإن العقل يحكم بتعلق جميع الخمس، بل وجميع الحقوق الشرعية بإمام المسلمين باعتبار ولايته، وبأنها ليست ملكاً شخصياً للإمام والهاشميين.
ومن الأدلة الأخرى التي تثبت أن الخمس متعلق بمقام الولاية والقيادة وليس بشخص الإمام، آية الخمس. وعند التمعن في مفاد الآية ندرك أن الخمس بأجمعه مختص بالحكومة، لأن اللام هنا تفيد التخصيص، وقد وردت هذه اللام في ثلاثة موارد من الموارد الستة، بينما لم ترد في الموارد الثلاثة الأخرى. ومعنى ذلك أن جميع الخمس لله وللرسول وللإمام، أما الجماعات الثلاث الأخرى فهي موارد للصرف وحسب.
من هنا، فإن جميع الخمس لله تعالى، وفوّض هذا الحق لرسوله، ثم لخلفائه من بعده، وهم الأئمة المعصومين. ويقوم على هذا الأمر في عصر الغيبة الفقيه الجامع للشرائط، الذي يتصدى لإدارة شؤون المسلمين، بينما ليس للجماعات الثلاث الأخرى التي وردت في الآية دون لام التخصيص أي حق في تملك هذه الأموال، فاليتامى والمساكين وأبناء السبيل هم موارد للصرف، أي يؤّمنون معاشهم من هذه الحقوق بصورة عادلة.
إضافة إلى ذلك، فإن كلمة (لله) في الآية الكريمة وردت مقدمة على كلمة (خمسه)، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، بمعنى أن جميع الخمس منحصر بالحاكم، وهو ميزانية للحكومة. خصوصاً، وأن هناك روايات كثيرة تفيد بأن سهم الله لرسوله، وسهم الرسول للأئمة من بعده.
يقول عمران بن موسى:
قرأت على الإمام الكاظم آية الخمس فقال: ما كان لله فهو للرسول، وما كان لرسوله فهو لنا.. ثم قال: والله لقد يسر الله على المؤمنين أرزاقهم بخمسة دراهم، جعلوا لربهم واحداً وأكلوا أربعة أحلاء.
الخمس لله وأمره مفوض لرسوله وللأئمة من بعده، وهم الحكام على المسلمين. وفي هذه الرواية يجعل الإمام جميع الخمس حقاً لله (جعلوا لربهم واحداً) ولا نرى فيها تقسيماً للخمس إلى أقسام.
من هنا، فإن هذه الآية التي تعتبر أهم سند لتشريع الخمس تفيد بوجوب دفع الخمس إلى الحاكم الإسلامي.
وإذا كان المشهور بين فقهاء الشيعة تبعاً لظاهر الروايات يفيد بأن (اليتامي والمساكين وابن السبيل) في الآية الكريمة هم الهاشميون، فإن بعض فقهاء الشيعة، وكذلك مفسري وعلماء أهل السنة لا يرون ذلك، بل يقولون: إن المراد هو مطلق اليتامى والفقراء وأبناء السبيل وليس الهاشميين وحسب.
وقد دلت صحيحة ربعي بن عبد الله دلالة واضحة على هذا الأمر، إلا أن فقهاء الشيعة لم يستدلوا بها، وحملوها على التقية. ويستفاد هذا المعنى أيضاً من رواية الإمام الصادق المنقولة في تحف العقول.
2- تفيد الروايات الكثيرة الواردة بهذا الشأن بأن الشرع جعل الخمس متعلقاً بمقام الإمامة والقيادة وتحت تصرف الحاكم الإسلامي، وليس ملكاً شخصياً للإمام.
ينقل الكليني عن الإمام الرضا أنه سئل عن آية الخمس، فقيل له: (فما كان لله فلمن هو؟ فقال: لرسول الله، وما كان لرسول الله فهو للإمام. فقيل له: أفرأيت إن صنف من الأصناف أكثر وصنف أقل ما يصنع به؟ قال: ذلك إلى الإمام، أرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يصنع، أليس إنما كان يعطي على ما يرى، كذلك الإمام)[5].
وهذه الرواية تدل دلالة واضحة على أن الخمس حق لمقام الولاية، وإن أمره مفوض إلى الحاكم الإسلامي، ولو كان الخمس مالاً شخصياً للنبي لتعين انتقاله إلى ورثته بعد وفاته، كما هو شأن أمواله الأخرى، بينما تصرح الرواية بانتقال سهم الرسول إلى الإمام من بعده، وليس إلى ذريته وورثته.
إضافة إلى ذلك، فإن هذه الرواية تدل على أن اليتامى والمساكين وابن السبيلفي الآية الكريمة هم من موارد الصرف، وليسوا مالكين لنصف الخمس، ولذلك فإن الإمام حين سثل: أفرأيت إن كان صنف من الأصناف أكثر وصنف أقل ما يصنع به؟ قال: ذلك إلى الإمام.
ويقول أبو علي بن راشد:
(قلت للإمام الهادي: يأتينا بعض أصحابنا بمال يقولون: هو لأبي جعفر، فما نصنع به؟ فقال: ما كان لأبي بسبب الإمامة فهو لي، وما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب الله وسنة نبيه)[6].
والرواية هذه واضحة الدلالة، فهي تقسم الأموال التي تركها الإمام الجواد إلى قسمين:
◘ أمواله وممتلكاته الشخصية، مثل: المنزل والأثاث، وما إلى ذلك، وهي تقسم بين الورثة حسب الشريعة الإسلامية، ولهم جميعاً الحق فيها.
◘ الأموال التي كان يحتفظ بها باعتبار مقام الولاية والإمامة، مثل الخمس والحقوق الشرعية الأخرى. وهي ليست أموالاً شخصية لتنتقل إلى الورثة، إنما متعلقة بمنصب الإمامة والولاية، أم هو مال شخصي؟ ثم يجيب ويبين حكم كل قسم من القسمين.
يقول الإمام الكاظم:
(وله (يعني الإمام) نصف الخمس كاملاً ونصف الخمس الباقي بين أهل بيته، فسهم ليتاماهم، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم، يقسم بينهم على الكتاب والسنة ما يستغنون به في سنتهم، فإن فضل عنهم شيء فهو للوالي، فإن عجز أو نقص عن استغنائهم كان على الوالي أن ينفق من عنده بقدر ما يستغنون به، وإنما صار عليه أن يمونهم لأن له ما فضل عنهم)[7].
ولو أمعنا النظر في صدر هذه الرواية وذيلها، رأينا أن هذه الأموال تتعلق بمصب الإمامة، وتكون تحت تصرف الحكومة الإسلامية، ففي صدرها يقول الإمام: (فسهم الله وسهم رسول الله لأولي الأمر من بعد رسول الله).
وفي هذه العبارة يصرح الإمام بأن هذه الأموال تؤول إلى أولي الأمر، فمن آلت الخلافة والزعامة إليه، كانت هذه الأموال تحت تصرفه، وفي ذيل الرواية يقول الإمام في مقام الاستدلال على عدم تعلق الزكاة بأموال الخمس: «وليس في مال الخمس زكاة، ولذلك لم يكن على مال النبي والوالي زكاة».
وواضح أن المراد هو الأموال المتعلقة بمقام الإمامة، وإلا فإن أموال الحاكم غير مستثناة من الأحكام الشرعية، وبالتالي تتعلق بها الزكاة. وحين يقول الإمام: «ليس في مال الخمس زكاة» ولذلك لم يكن على مال النبي والوالي زكاة، فإن ذلك يدل على أن الخمس متعلق بمقام الولاية وأنه ليس ملكاً شخصياً للنبي والوالي كما هو واضح.
وينقل السيد المرتضى عن الإمام علي رضي الله عنه في (رسالة المحكم والمتشابه) نقلاً عن تفسير النعماني أنه قال: (وأما ما جاء في القرآن من ذكر معايش الخلق وأسبابها فقد أعلمنا سبحانه ذلك من خمسة أوجه: وجه الإمارة.. فأما وجه العمارة فقوله: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾ فجعل لله خمس الغنائم)[8].
وهنا يصف أمير المؤمنين رضي الله عنه الخمس بأنه وجه الإمارة، ويجعله جميعاً حقاً للحكومة ومتعلقاً بمقام الولاية، ويستدل على ذلك بآية الخمس.
وحين يسأل ابن شجاع النيسابوري الإمام الجواد عن رجل اجتمع عنده مقدار من القمح، فما سهمك فيه؟ قال الإمام: «لي منه الخمس مما يفضل من مؤونته»[9].
وفي ذلك دلالة واضحة على أن الخمس حق للإمامة.
وينقل عن أبي علي بن راشد، وكيل الإمام الهادي أنه قال للإمام: (أمرتني أن أجمع حقك، وأبلغك أمرك إلى أصحابك، فسألني بعضهم: ما حق الإمام (في أموالنا)؟ ولم أدرِ ما أجيبهم؟ قال الإمام: يجب عليهم الخمس).
الخلاصة:
ونلخص من خلال هذه الروايات وروايات أخرى إلى أمرين:
◘ إن الخمس ليس ملكاً شخصياً للإمام، إنما هو متعلق بمقام ومنصب الإمامة، ويمثل ميزانية خاصة بالحكومة تكون تحت تصرف الحاكم الإسلامي لينفقها حيث تقتضي المصلحة كتقوية الحكومة الإسلامية والنظام الإسلامي وحفظ مصالح الإسلام والمسلمين، أو نشر ثقافة الدين وفكره وتعاليمه، أو غير ذلك.
◘ يفيد ظاهر بعض الروايات بتقسيم الخمس إلى ستة أقسام، وتخصيص نصفه للأيتام والفقراء وأبناء السبيل من الهاشميين إلا أن التمعن في هذه الروايات يوصلنا إلى النتيجة التالية: إن جميع الخمس متعلق بالإمام، وليس الهاشميون إلا أوضح الموارد للصرف وذلك لورود ذكرهم في الآية الكريمة، ولإشارة الروايات إليهم. ويكون من واجب الحاكم الإسلامي أن يوفر لهم حاجاتهم من هذه الأموال.
إضافة إلى الأدلة المستقاة من الكتاب والسنة والعقل، يمكن الإفادة من القرائن والأدلة التالية في تأييد هذا الأمر:
◘ إن الشرع وحكمة التشريع يوجبان أن تكون مثل هذه الأموال الطائلة متعلقة بمقام الإمامة وليس شخص الإمام.
◘ أورد ثقة الإسلام الكليني كتاب الخمس في كتاب الحجة من أصول الكافي، ولم يورده في الكتب الفقهية، ويفهم من ذلك أن محدثاً وفقيهاً كبيراً كالكليني يرى أن الخمس من شؤون الحكومة والإمامة وأنه متعلق بمقام ومنصب الحاكم الإسلامي.
◘ لم يرد في التاريخ أن الرسول صلى الله عليه وسلم والأئمة رحمهم الله قد عزلوا صندوقاً خاصاً لسهم الهاشميين.
◘ يجمع الفقهاء على أن الفيء متعلق بالحكومة ويقع تحت تصرف القائد والحاكم الإسلامي، مع العلم أن آية الفيء ورد فيها ذكر ستة موارد للصرف كما هو شأن آية الخمس.
ففي الآيتين ذكرت الموارد الثلاثة الأولى محلاة باللام، والموارد الثلاثة الأخرى دون لام. من هنا فإن وحدة السياق تقتضي أن يكون حكم الخمس هو حكم الفيء ذاته، وأنه متعلق بالحاكم الإسلامي.
◘ هناك روايات عديدة في باب الخمس تقضي بتحليله في زمن الغيبة، وقد حملها الفقهاء على التقية أو غير ذلك، وقال بعضهم: إن الأئمة قد أباحوا الخمس لشيعتهم؛ لاقتضاء المصلحة ذلك.
وإباحة الأئمة لهذه الحقوق دليل على تعلقها كلها بهم، وإلا فكيف يبيحون النصف المتعلق بالهاشميين؟!
◘ لو كان الخمس ملكاً شخصياً للإمام لكان أمير المؤمنين عليه السلام قد طالب بسهمه من غنائم المسلمين في مختلف الغزوات باعتباره سهم ذي القربى؛ لأن جميع المفسرين يعتقدون أن المراد بذي القربى هو الإمام، بينما لا نرى نحن في التاريخ حتى مورداً واحداً يشير إلى مطالبة الإمام بهذا السهم، إنما كان الخمس كله تحت تصرف الرسول، ما دام هو على قيد الحياة.
◘ لو كان نصف الخمس سهماً للهاشميين، لكان هذا المال يدفع إليهم بصورة مستقلة في صدر الإسلام، بينما لم يذكر أحد أن الرسول صلى الله عليه وسلم أو الأئمة رحمهم الله كانوا يستخرجون سهماً خاصاً للهاشميين ويدفعونه إليهم.
◘ قال البعض في معرض الحديث عن معنى الخمس وتاريخه: كان العرب متعارفين قبل الإسلام على دفع ربع الغنائم التي يصيبونها في غزواتهم إلى قائدهم ليتصرف بها حسب رأيه. ثم تغير الربع إلى الخمس بعد ظهور الإسلام. ويظهر هذا الأمر أن جميع الخمس حق للإمارة بمقتضى التشريع، وأنه يجب أن يكون تحت تصرف قائد المسلمين.
◘ كان هناك العديد من الصحابة المتفقهين في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن لم ينقل عن أي منهم أنه تصرف بالحقوق الشرعية، وفي زمن أمير المؤمنين رضي الله عنه لم يذكر ولو لمرة واحدة أن الإمام الحسن أو الإمام الحسين تصرف بشيء منها. وهذا يفيد بحصر هذه الأموال بالحاكم الإسلامي وجعلها تحت اختياره. وإذا كان خمس أرباح المكاسب غير موجود في صدر الإسلام وعصر الرسول صلى الله عليه وسلم فإن أموالاً كثيرة كانت موجودة آنذاك، وهي متعلقة بمقام الحكومة والإمامة، ومنها خمس غنائم الحرب والفيء والأنفال.
والمعروف أن إمام المسلمين ووليهم الفقيه يتولى القيام بمسؤوليات مهمة، منها: تجهيز جيش المسلمين لصد الأعداء والمتآمرين، حفظ الإسلام ومقدساته، إجراء الحدود والديات، إدارة شؤون المجتمع الإسلامي، متابعة أوضاع الفقراء والمساكين.. إلخ.
فكيف يعقل أن تكون هذه الأمور بعض مسؤولياته، وليس له حق التصرف بالحقوق الشرعية أو بميزانية الدولة؟
إن هذه الحقوق الشرعية لا بد أن تكون متعلقة بمن يتحمل كل هذه المسؤوليات المهمة، ثم إن الحاكم يعتبر برأي النظام الإسلامي بمثابة الأب، والمؤمنون هم عياله.
ففي أحاديث المعصومين وصف الولي الفقيه بأنه (وارث الأنبياء)، و(أمين الأنبياء)، و(أحصن الإسلام)، و(الحجة على الناس)، و(الحاكم)، و(القاضي)، و(مرجع الناس وملجأهم)، و(مسؤول الرعية وكفيلها...) وما إلى ذلك، وهذه الأوصاف تبين أنه يشغل محل الإمام في زمن غيبته وينهض بجميع واجبات الحكومة الإسلامية، وهو الشخص الذي يعرض عليه الناس مشاكلهم، ويتخذون منه ملجأ لهم وملاذاً في جميع قضاياهم ومشاكلهم.
إن من أوضح صلاحيات الحاكم الإسلامي التصرف بهذه الحقوق، واستعمالها في تأمين مصالح المسلمين وتحقيق الأهداف السامية للنظام الإسلامي وفي رفع حاجات الناس، وطبيعي أنه لا يستطيع أن يقوم بشيء من هذه الأمور دون توفر الأموال اللازمة.
من هنا فإن نهوض ولي الفقيه في نظام الجمهورية الإسلامية بكل هذه الواجبات الخطيرة والمسؤوليات الثقيلة يقتضي أن تدفع له جميع الحقوق الشرعية وخصوصاً الخمس الذي هو (وجه الإمارة) وميزانية الدولة، ليصرفها في الموارد الضرورية ويؤمن بها حياة الفقراء والمساكين ولا سيما الهاشميين منهم. فإذا لم تكفِ هذه الحقوق لسد الحاجات عمد حينئذ إلى فرض ضرائب أخرى بحكم ولايته.
وليس من الصواب في شيء أن تكون هذه الأموال بيد شخص أو مجموعة من الأشخاص، ينفقونها حسب آرائهم، في الوقت الذي يكون حاكم المسلمين ووليهم الفقيه آخذاً على عاتقه إدارة المجتمع، ومسؤولاً عن الكثير من المشاكل في هذا المجتمع.
وما دام الفقيه الجامع للشرائط يتحمل في الدولة الاسلامية وظائف الأئمة وأعمالهم كافة (باستثناء ما يختص بهم)، فإن الأدلة المستقاة من الكتاب والسنة تقضي بدفع جميع هذه الحقوق إليه؛ ليتصرف بها حسب ما يراه، وليس لأحد حق التصرف بها دون رضاه أو إذن منه.
إذن فالأمر كله متعلق بالمال، حتى انقسم الفقهاء في تحديد صلاحيات الولي الفقيه والحاكم الإسلامي إلى قسمين، فمنهم من ذهب إلى حصرها في الموارد التي ورد فيها دليل شرعي صريح، وهي كالتالي:
1-الولاية على أموال الأيتام والسفهاء ومن في حكمهم.
2- الولاية على أموال الغائبين (الأشخاص الذين لا يد لهم على أموالهم لعدم حضورهم).
3- الولاية في بعض الأمور المتعلقة بالزواج (كتزويج السفهاء مثلاً).
4- الولاية على أموال الإمام عليه السلام (كنصف الخمس) والأموال المجهولة المالك، والإرث الذي لا وارث له.
ومنهم من اعتمد على الأدلة العامة في تعميم ولاية الفقيه، فجعل للولي الفقيه كل ما للرسول صلى الله عليه وسلم والإمام المعصوم إلا ما ورد فيه دليل خاص يستثني الفقية منه كإعلان الجهاد الابتدائي الذي يتعلق بالمعصوم وحده.
إذن المسألة في جُلها هي الأموال.
ولعل هذه التفاصيل قد وقف القارئ وخاصة الشيعي على علة هذا الصراع الكبير بين الشيعة في مسألة ولاية الفقيه، رغم أن أساس المذهب الشيعي مبني على نحو ما على هذا القول. فالمسألة كلها من أجل حطام الدنيا وحسب.
وقد دفع البعض من المراجع حياتهم ومنزلتهم في هذا الصراع بسبب معارضتهم لنظرية ولاية الفقيه، كآية الله حسن طباطبائي، والمنتظري، وجواد مغنية، ومحمد صادق الصدر، والمرعشي النجفي، وشريعتمداري، وهذا الأخير كاد أن يدفع حياته ثمناً لمعارضته هذه الفكرة، كما يقول الموسوي: (وعندما أصر الإمام الشريعتمداري على موقفه المعارض أرسل الخميني عشرة آلاف شخص من جلاوزته يحملون العصي والهراوات إلى دار الإمام يريدون قتله وقتل أتباعه وهم ينادون بصوت واحد ويشيرون إلى دار الإمام "وكر التجسس هذا لابد من حرقه" ودافع حرس الإمام لشريعتمداري دفاع الأبطال عن دار الإمام واستشهد رجلين من أتباعه في ذلك الهجوم البربري الذي شنه إمام قائم على إمام قاعد.
وهكذا أعطى الإمام الخميني درساً بليغاً للائمة الآخرين الذين أردوا الوقوف ضد ولايته ليعملوا أن مصير الإمام الشريعتمداري سيكون مصيرهم إذا ما أردوا الوقوف ضد رغبته) ا.هـ.
[1] كتاب البيع، للخميني (2/655).
[2] دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية، للمنتظري (3/218).
[3] دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية، للمنتظري (3/126).
[4] أجوبة الاستفتاءات، للخامنئي (1/316).
[5] الكافي للكليني (1/544)، تهذيب الأحكام للطوسي (4/126).
[6] الكافي للكليني (7/59)، من لا يحضره الفقيه للصدوق (2/43)، تهذيب الأحكام للطوسي (9/234).
[7] الكافي للكليني (1/540)، تهذيب الأحكام للطوسي (4/128)، جامع أحاديث الشيعة للبروجردي (8/564).
[8] نقله عنه: الحر العاملي في وسائل الشيعة (9/490)، والخميني في كتاب البيع (3/87).
[9] الاستبصار للطوسي (2/17)، مصباح الفقيه لآقا رضا الهمداني (3/66)، جامع أحاديث الشيعة للبروجردي (8/127).