احتكار الخمس بيد الفقيه عند الشيعة
تكشف نصوص المجلسي، والسبزواري، وصاحب الجواهر، ثم الخميني ومن بعده، عن تطور خطير في الفهم الفقهي للخمس، حيث جُعل مالًا من أموال بيت الدولة الدينية، يتولى الفقيه وحده النظر فيه، والتصرف به، وتحديد مصارفه، ومنع غيره من الاقتراب منه، بزعم النيابة العامة عن الإمام الغائب. ثم لم يكتفوا بذلك، بل ربطوا صحة الإبراء من الذمة بتسليم الخمس إلى الفقيه أو وكيله، وحكموا ببطلان تصرفات المكلفين فيه ولو كانت في أوجه البر الظاهرة، كإغاثة الفقراء، وبناء المساجد، ومعالجة المرضى، ما لم تصدر بإذن خاص.
والمفارقة الصارخة أن هؤلاء أنفسهم استندوا في بداية الأمر إلى دعاوى العلم برضا الإمام الغائب، واستدرار العواطف بوصفه رؤوفًا بمواليه، كريمًا بعياله، ليجيزوا التصرف في سهمه زمن الغيبة، ثم انقلب هذا الرضا المزعوم إلى احتكار فقهي صارم، لا يعترف برضا الإمام إلا إذا مرّ عبر توقيع المرجع وختمه. فإذا تعلق الأمر بعامة الشيعة قيل لهم: الإمام راضٍ، وإذا تعلق الأمر بالأموال قيل: لا رضا بلا إذن الفقيه.
وهكذا تحوّل الخمس من فريضة – على فرض ثبوتها – إلى أداة مالية مركزية بيد طبقة دينية محددة، تُدار بمنطق الوكالة والنيابة والولاية، لا بمنطق النص الشرعي المحكم. بل صار الخوف من “تسرّب الأموال” هاجسًا ظاهرًا في فتاوى المراجع، فشددوا في مسألة الاستئذان، وأبطلوا الإجازات بعد موت الفقيه، وربطوا الحقوق الشرعية بالمجتهد الحي، وجعلوا الخمس تابعًا للتقليد، لا للنص ولا لمصلحة الفقراء.
ويقول الأنصاري:
(وربما أمكن القول بوجوب الدفع إلى المجتهد، نظراً إلى عموم نيابته وكونه حجة الإمام على الرعية وأميناً عنه وخليفة له، كما استفيد ذلك كله من الأخبار)[1].
ويقول زين الدين:
(والأحوط له استحباباً أن يدفع المال إلى الفقيه الجامع للشرائط ليتولى صرفه في مصارفه، أو يكون الدفع إليهم بإذنه، أو بإرشاده وتوكيله)[2].
ويقول الفياض: (وقد تسأل: هل أنه ملك لشخص الإمام عليه السلام أو لمنصبه عليه السلام وهو الإمامة والزعامة؟
والجواب:
أنه ملك للمنصب، فمن أجل ذلك يكون أمره بيد الفقيه الجامع للشرائط في زمن الغيبة)[3].
ويقول: (يجوز نقل الخمس من بلده إلى غيره مع عدم وجود المستحق، بل مع وجوده إذا لم يكن النقل تساهلاً وتسامحاً في أداء الخمس، ولكن ذلك لابد أن يكون بإذن الفقيه الجامع للشرائط، أما سهم الإمام عليه السلام فعلى أساس أن أمره في زمن الغيبة يرجع إليه وهو يتصرف فيه حسب ما يراه، ولا يجوز لأي واحد التصرف فيه من دون إذنه وإجازته، فالمالك وإن كانت له الولاية على عزل الخمس وإفرازه إلا أن إيصاله إلى الفقيه إذا توقف على النقل، فلابد أن يكون ذلك بإذنه، فلو نقل من دون الإذن منه وتلف في الطريق ضمن)[4].
ويرد الگلپايگاني على سائل مستفسراً:
(هل تأذنون لطلبة العلوم الدينية التصرف في سهم الإمام (ع) أو في مقدار منه إذا كان يأخذه للاستفادة؟ فقال: بسمه تعالى: لا يجوز التصرف لغير من كان مأذوناً فيه، والله العالم)[5].
ولما سئل: (هل يجوز إخراج الخمس من بلده مع وجود المستحقين له سواء كانوا من السادة أو من طلبة العلم أو غيرهم؟ قال: بسمه تعالى: أما حق الإمام عليه السلام فأمره راجع إلى الفقيه الجامع للشرائط إن أذن جاز وإلا فلا)[6].
وقالوا: (إن الفقيه أقدر على معرفة مستحقي الخمس. وأنه الأعلم المطلع والمحيط بالجهات العامة)[7].
يقول الخوئي:
(النصف الراجع للإمام عليه وعلى آبائه أفضل الصلاة والسلام يرجع فيه في زمان الغيبة إلى نائبه وهو الفقيه المأمون العارف بمصارفه إما بالدفع أو الاستئذان منه، ومصرفه ما يوثق برضاه عليه السلام بصرفه فيه، كدفع ضرورات المؤمنين من السادات زادهم الله تعالى شرفاً وغيرهم)[8].
ويكرر آخرون القول نفسه دون أدنى تغيير مما يدل على أن الرسائل العملية مكررة مع تغيير أسماء المراجع فحسب[9].
ثم جاء الحصر في المقلَد فقالوا: (ويشكل دفعه إلى غير من يُقلده إلا إذا كان المصرف عنده هو المصرف عند مقلده كماً وكيفاً، أو يعمل على طبق نظره)[10].
ويقول الخوئي: (دفع الحقوق تابع لمن اتخذه مرجعاً لنفسه)[11].
وفي سؤال: (إذا سلم المكلف المقلد لكم الخمس لأحد الفقهاء المعاصرين هل تبرأ ذمته؟
فجاء الجواب:
بسمه تعالى: إذا كان المسلم إليه جامعاً لشرائط الفقاهة أو وكيلاً من قبلنا تبرأ ذمته إن شاء الله)[12].
وفي رد على سؤال: (هل من الضروري أخذ إجازة المجتهد المقلد من أجل صرف سهم الإمام عليه السلام في عمل الخير، مثلاً في الحوزة العلمية أو دار الأيتام، أو تكفي الإجازة من المجتهد مطلقا، وأساساً هل إجازة المجتهد ضرورية؟
فجاء من ضمن الجواب:
لا بد للمكلف من مراعاة فتوى المجتهد الذي يقلده هو في ذلك)[13].
وهذا من أعظم أسباب مسألة عدم جواز تقليد الميت عند الشيعة. وإليك أمثلة أخرى توضح هذا الأمر.
السؤال:
(إجازة الإذن في التصرف في مجهول المالك، أو بعض الاستثناءات التي أمضاها الفقيه لمقلديه، هل تلغى بعد موت الفقيه، وهل يوجد فرق بين ما إذا كانوا يعتقدون بأعلميته على الفقيه الحي، وهل هذه الإجازة تحتاج إلى إذن جديد من الفقيه الحي؟
الجواب:
الإجازات السابقة من الفقيه تلغى حين موته، وتحتاج إلى إذن جديد من الفقيه الحي)[14].
السؤال:
(المقلد للمرجع الميت الباقي على تقليده بفتوى المجتهد الحي هل يجوز له دفع الحقوق الشرعية إلى وكلاء الميت؟
الجواب:
بسمه تعالى: أمر الحقوق الشرعية يرجع فيها إلى المجتهد الحي، والله العالم)[15].
السؤال:
(إذا بقيت على تقليد المرجع الميت الأعلم بفتوى بعض المراجع (لعدم ثبوت الأعلمية في واحد لحد الآن) فهل يجوز دفع الحقوق الشرعية إلى أي مرجع من المراجع؟
الجواب:
اللازم إعطاءها لمن يحتمل فيه الأعلمية، وكذا يجب الرجوع إليه في البقاء على التقليد، والله العالم[16].
وهكذا أسئلة تشكل مبعث خوف للمراجع وهاجس يقلقهم مخافة انسياب الأموال من بين أيديهم، لذا تراهم يتشددون جداً في قضية عدم جواز التصرف في الخمس دون إذن المقلَد والمرجع، مهما كانت الأسباب أو الحاجة الملحة. وإليك شيء من هذا:
السؤال:
(هل يحق للسيد أو الهاشمي أن يأخذ من سهم الإمام من غير ضرورة؟
الجواب:
لا يجوز بدون الإجازة من المرجع)[17].
السؤال:
(هل تأذنون لطلبة العلوم الدينية التصرف في سهم الإمام (ع) أو في مقدار منه إذا كان يأخذه للاستفادة؟
الجواب:
بسمه تعالى: لا يجوز التصرف لغير من كان مأذوناً فيه، والله العالم)[18].
السؤال:
(هل يجوز صرف حق الإمام (ع) فيما يجزم به رضا الإمام (ع)، مثل الأنشطة الإسلامية والتدريس والاحتفالات الإسلامية وهداية المنحرفين وغيرها من الأمور الخيرية؟
الجواب:
بسمه تعالى: يتوقف ذلك على إذن من يقلده، والله العالم)[19].
السؤال:
(هل من الضروري أخذ إجازة المجتهد المقلد من أجل صرف سهم الإمام عليه السلام في عمل الخير، مثلاً في الحوزة العلمية أو دار الأيتام، أو تكفي الإجازة من المجتهد مطلقاً، وأساساً هل إجازة المجتهد ضرورية؟
الجواب:
أمر السهمين المباركين كلا راجع لولي أمر المسلمين، ومن كان في ذمته، أو في ماله شيء من حق الإمام عليه السلام، أو من سهم السادة يجب عليه تسليمهما إلى ولي أمرالخمس، أو إلى وكيله المجاز من قبله، وإذا أراد صرفهما في إحدى الموارد المقررة فيجب عليه الاستجازة قبل ذلك في هذا الموضوع، ولا بد للمكلف مع ذلك من مراعاة فتوى المجتهد الذي يقلده هو في ذلك)[20].
السؤال:
(هل تجيزون أن يقوم الأشخاص بأنفسهم بإعطاء سهم السادة إلى السادة المحتاجين؟
الجواب:
يجب على من عليه سهم السادة المبارك أن يستجيز في ذلك)[21].
السؤال:
(في مصرف الخمس هل يمكن لمقلديكم أن يعطوا حق السادة إلى السيد الفقير، أو يجب عليهم أن يسلموا مجموع الخمس، أي: سهم السادة وسهم الإمام عليه السلام، إلى وكيلكم لكي يصرفه في موارده الشرعية؟
الجواب:
لا فرق بين سهم السادة والسهم المبارك للإمام عليه السلام في هذا الشأن)[22].
السؤال:
(شخص لديه حق شرعي ويرغب في إعطاء قسم من الحق إلى فقراء البلدة وذلك بمناسبة شهر رمضان المبارك هل يجوز له ذلك أم لا؟
الجواب:
يجب أن يستجيز من الحاكم الشرعي إذا كان من سهم الإمام عليه السلام)[23].
رغم أن هناك من جوز ذلك قائلاً: (والظاهر عدم لزوم الاستيذان من الفقيه في عصر الغيبة بالنسبة إلى النصف من الخمس الذي هو سهم السادة)[24].
السؤال:
(شخص يرغب في التصرف بخمس أمواله كاملاً بنفسه على أن يقوم بصرفه في بلده ضمن الشرائط الشرعية المبرئة للذمة حيث إنه من السادة ولا يرغب في أن يطلع أحد على مقدار خمس أمواله ويريد ذلك من اطمئنان إن هو قام بصرفها بنفسه على المصارف الشرعية؟
الجواب:
لا يجوز له ذلك، وإنما يجوز صرف سهم السادة للسادة الفقراء، وأما سهم الإمام - عليه السلام - فلا بد من إيصاله إلى الحاكم الشرعي أو الصرف بإذنه)[25].
السؤال:
(كثر في هذه الأيام الذين يطلبون الإغاثة للزواج أو لسد فقرهم أو غير ذلك من شؤون الحياة المهمة، كما أن هناك بعض المساجد والحسينيات التي بحاجة للإعانة المادية، فهل يصح أن أصرف لهم حق الإمام أو بعضاً منه في ذلك؟
الجواب:
لا بد من الاستجازة مع ذكر المقدار)[26].
السؤال:
(هل يجوز صرف حق الإمام في إحياء مواليد الأئمة عليهم السلام ووفياتهم إذا لم يكن هنالك من يقوم بهذا الأمر وأدى ذلك إلى ضعف الاعتقاد بهم سلام الله عليهم؟
الجواب:
يجوز بالإذن من الحاكم الشرعي)[27].
السؤال:
(يذكر الفقهاء إن حق الإمام يصرف في ترويج الدين، ومن ترويج الدين نشر الكتاب بين المؤمنين، فإذا تطلب نشر الكتاب إلى أموال كبيرة لغرض شراء آلة الطباعة وباقي المتطلبات فهل يجوز الصرف من حق الإمام في مثل هذا المورد دون أخذ الإجازة من الفقيه؟ وإذا فرض وجود الإجازة من مجتهد آخر لا يرى وجوب الإجازة من المقلد فهل هذا مبرء للذمة؟ وإذا كان الجواب بعدم الجواز فهل يأذن لنا سماحة السيد في مثل هذا العمل؟
الجواب:
يجوز بإذن الحاكم، ولا بد من ذكر المورد والمقدار حتى نستجيز من سماحته)[28].
السؤال:
(هل يجوز استثمار أموال الإمام - عليه السلام - في مشروع ما تكون عوائده لسهم الإمام - عليه السلام -؟ وكذلك في سهم السادة الكرام؟
الجواب:
سهم الإمام عليه السلام والسادة فأمرهما موكول إلى المرجع، ونحن لا نأذن في استثمارها)[29].
السؤال:
(هل يجوز لغير الوكيل (المجاز) أن يستلم الأخماس من العوام، وهل تبرء ذمتهم بالتسليم لمثل هذا الشخص أم لا؟
الجواب:
لا تبرأ ذمتهم إلا بالأداء للحاكم الشرعي، أو وكيله، والله العالم)[30].
السؤال:
(هل يجوز دفع سهم الإمام عليه السلام إلى قضايا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
الجواب:
صرف سهم الإمام عليه السلام يحتاج إلى الإجازة في كل مورد، ولا يجوز التصرف فيه إلا بالاستجازة الشخصية ممن يرجع إليه في التقليد، والله العالم)[31].
السؤال:
(هل يجوز استخدام حق الإمام من الخمس في شراء أدوات طبية لاستخدامها في المستشفى لعلاج المرضى حيث أن هذه الأجهزة ضرورية ويمكن عن طريقها إنقاذ المرضى علماً بأن أكثر المرضى الذين يراودون المستشفى هم من أبناء المذهب؟
الجواب:
لا يجوز إذا كان هناك مورد آخر يمكن صرفه في ذلك، وعلى تقدير الجواز فلا بد من ذكر المبلغ لنستجيز من سماحته)[32].
بل طال خوف المراجع حتى من وكلائهم. فهذا سائل يسأل: (هل يجوز للوكيل المطلق أو من هو دونه أن يتصرف في بيع سهم اشتراه من أموال الإسلام - كالخمس والزكوات والهبات - للمساهمة في مؤسسة تجارية ويرجع ريعه للإسلام وبدون إذن الحاكم الشرعي مع العلم بأن هذه المؤسسة تدر أرباحاً ليست بسيطة كل عام؟
الجواب:
لا نعرف ملابسات الموضوع، ولم يسبق منا الإذن لأي من وكلائنا بشراء سهم في المؤسسات التجارية من الحقوق الشرعية، وإذا كان قد حصل شيء من هذا القبيل على عهد المراجع الماضين - قدس الله أسرارهم - فبيع السهم المشترى يلزم أن يتم بإذن من له الولاية الشرعية)[33].
والأمر في الباب يطول.
[1] كتاب الخمس، للأنصاري (337).
[2] كلمة التقوى، لمحمد أمين زين الدين (2/291).
[3] منهاج الصالحين، لمحمد إسحاق الفياض (2/84).
[4] منهاج الصالحين، لمحمد إسحاق الفياض (2/86).
[5] إرشاد السائل، للگلپايگاني (63).
[6] إرشاد السائل، للگلپايگاني (56).
[7] الفتاوى الميسرة، للسيستاني (239).
[8] منهاج الصالحين، للخوئي (1/348).
[9] انظر مثلاً: منهاج الصالحين، لمحمد الروحاني (1/368)، منهاج الصالحين، للسيستاني (1/411)، منهاج الصالحين، لمحمد صادق الروحاني (1/372)، منهاج الصالحين، لمحمد إسحاق الفياض (2/85)، منهاج الصالحين، للوحيد الخراساني (2/388).
[10] تحرير الوسلية، للخميني (1/366)، هداية العباد، للگلپايگاني (1/332).
[11] صراط النجاة، للميرزا جواد التبريزي (2/190).
[12] إرشاد السائل، للگلپايگاني (69).
[13] أجوبة الاستفتاءات، للخامنئي (1/315).
[14] صراط النجاة، لميرزا جواد التبريزي (3/354).
[15] إرشاد السائل، للگلپايگاني (56).
[16] صراط النجاة، للميرزا جواد التبريزي (2/463).
[17] منية السائل، للخوئي (58).
[18] إرشاد السائل، للگلپايگاني (63).
[19] إرشاد السائل، للگلپايگاني (71).
[20] أجوبة الاستفتاءات، للخامنئي (1/315).
[21] أجوبة الاستفتاءات، للخامنئي (1/320).
[22] أجوبة الاستفتاءات، للخامنئي (1/320).
[23] استفتاءات، للسيستاني (122).
[24] انظر مثلاً: الخمس، لمرتضى الحائري (509).
[25] استفتاءات، للسيستاني (308).
[26] استفتاءات، للسيستاني (333).
[27] استفتاءات، للسيستاني (538).
[28] استفتاءات، للسيستاني (538).
[29] استفتاءات، للسيستاني (693).
[30] صراط النجاة، للميرزا جواد التبريزي (3/352).
[31] صراط النجاة، للميرزا جواد التبريزي (2/494).
[32] استفتاءات، للسيستاني (90).
[33] استفتاءات، للسيستاني (594).