الخمس في زمن الغيبة عند الشيعة: الأرض وما خرج منها كله للإمام وأحاديث باطلة
مسألة الخمس في زمن غيبة الإمام المهدي عند الشيعة تمثل واحدة من أبرز القضايا الخلافية في فقههم، إذ يزعمون أن الأرض وما فيها كله ملك للأئمة عليهم السلام من آل محمد صلى الله عليه وسلم، وأن جميع الغنائم والمعادن والفيء والأرباح والمكاسب تعود لهم ولشيعتهم وحدهم، مستندين في ذلك إلى روايات متعددة في كتبهم، مع تفسير أن كل ما في أيدي شيعتهم من مال حلال لهم، وأن التحليل يشمل الشاهد والغائب والميت والحي.
وتكشف هذه الأخبار عن استخدام الشيعة لأحاديث مشكوك فيها أو باطلة لتبرير سياسات مالية محددة، وهو ما يوضح انحراف هذه الطائفة عن المذهب الصحيح، واعتمادها على روايات ملفقة لتحقيق أغراضهم الضيقة، مما يميزهم كفرقة ضالة عن المسلمين. ويبين المقال هنا كيف استُغلّت هذه الروايات في تبرير التصرفات المالية وإباحة المال دون وجه حق للآخرين.
في ما دل على أن الأرض وما خرج منها كله للإمام عليه السلام:
ومنها ما رواه في الكافي عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلق الله آدم وأقطعه الدنيا قطيعة، فما كان لآدم فلرسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهو للأئمة عليهم السلام من آل محمد صلى الله عليه وسلم»[1].
وما رواه فيه عن يونس بن ظبيان أو المعلي بن خنيس قال:
قلت لأبي عبد الله عليه السلام: «ما لكم من هذه الأرض؟ فتبسم ثم قال: إن الله تعالى بعث جبرئيل وأمره أن يخرق بإبهامه ثمانية أنهار في الأرض: منها سيحان وجيحان وهو نهر بلخ والخشوع وهو نهر الشاش ومهران وهو نهر الهند ونيل مصر ودجلة والفرات، فما سقت أو استقت فهو لنا، وما كان لنا فهو لشيعتنا وليس لعدونا منه شيء إلا ما غصب عليه، وإن ولينا لفي أوسع في ما بين ذه إلى ذه، يعني: ما بين السماء والأرض. ثم تلا هذه الآية: ﴿قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 32] بلا غصب»[2].
وما رواه ثقة الإسلام في الكافي:
والشيخ في التهذيب في الصحيح عن أبي خالد الكابلي عن أبي جعفر عليه السلام قال: «وجدنا في كتاب علي عليه السلام أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الله الأرض ونحن المتقون والأرض كلها لنا، فمن أحيى أرضاً من المسلمين فليعمرها وليؤد خراجها إلى الإمام من أهل بيتي وله ما أكل منها، فإن تركها أو أخر بها وأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها وأحياها فهو أحق بها من الذي تركها يؤدي خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، وله ما أكل منها حتى يظهر القائم عليه السلام من أهل بيتي بالسيف في حويها ويمنعها ويخرجهم منها كما حواها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنعها، إلا ما كان في أيدي شيعتنا فإنه يقاطعهم على ما في أيديهم ويترك الأرض في أيديهم»[3].
ومنها ما تقدم في صحيحة عمر بن يزيد:
في حديث مسمع بن عبد الملك في حديث قال فيه: «إن الأرض كلها لنا فما أخرج الله منها من شيء فهو لنا». إلى أن قال فيه زيادة على ما تقدم: «حتى يقوم قائمنا فيجبيهم طسق ما كان في أيديهم ويترك الأرض في أيديهم، وأما ما كان في أيدي غيرهم فإن كسبهم من الأرض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا فيأخد الأرض من أيديهم ويخرجهم عنها صغرة»[4].
قال في الكافي: قال عمر بن يزيد:
فقال لي أبو سيار: «ما أرى أحداً من أصحاب الضياع ولا ممن يلي الأعمال يأكل حلالاً غيري إلا من طيبوا له ذلك»[5].
وما رواه في الكافي والفقيه في الصحيح:
عن حفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إن جبرئيل عليه السلام كرى برجله خمسة أنهار ولسان الماء يتبعه: الفرات ودجلة ونيل مصر ومهران ونهر بلخ، فما سقت أو سقي منها فللإمام، والبحر المطيف بالدنيا»[6].
وما رواه في الكافي عن محمد بن الريان قال:
«كتبت إلى العسكري عليه السلام: جعلت فداك! روي لنا أن ليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا إلا خمس؟
فجاء الجواب: أن الدنيا وما عليها لرسول الله صلى الله عليه وسلم»[7].
وما رواه فيه عن أحمد بن محمد بن عبد الله عليه السلام عن من رواه قال: «الدنيا وما فيها لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولنا، فمن غلب على شيء منها فليتق الله وليؤد حق الله وليبر إخوانه، فإن لم يفعل ذلك فالله ورسوله صلى الله عليه وسلم ونحن برآء منه»[8].
وما رواه فيه عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
قلت له: «أما على الإمام زكاة؟ فقال: أحلت يا أبا محمد، أما علمت أن الدنيا والآخرة للإمام يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشاء جائز له ذلك من الله، إن الإمام يا أبا محمد لا يبيت ليلة أبداً ولله في عنقه حق يسأله عنه»[9].
وما رواه فيه عن علي عن السندي بن الربيع قال:
«لم يكن ابن أبي عمير يعدل بهشام بن الحكم شيئاً وكان لا يغب إتيانه ثم انقطع عنه وخالفه، وكان سبب ذلك أن أبا مالك الحضرمي كان أحد رجال هشام وقع بينه وبين ابن أبي عمير ملاحاة في شيء من الإمامة. قال بن أبي عمير: الدنيا كلها للإمام على جهة الملك وأنه أولى بها من الذين هي في أيديهم. وقال أبو مالك: ليس كذلك، أملاك الناس لهم إلا ما حكم الله به للإمام من الفيء والخمس والمغنم فذلك له، وذلك أيضاً قد بين الله للإمام أين يضعه وكيف يصنع به. فتراضيا بهشام بن الحكم وصارا إليه، فحكم هشام لأبي مالك على ابن أبي عمير فغضب ابن أبي عمير وهجر هشاماً بعد ذلك»[10].
قال في الوافي بعد نقل الخبر: «لعل هشاماَ استعمل التقية في هذه الفتوى».
والظاهر أنه كذلك لما عرفت من الأخبار المذكورة؛ لأن عدم اطلاع هشام عليها بعيد جداً فالحمل على ما ذكره جيد، ومنها ما تقدم في أول أخبار القسم الثاني من كتاب الفقه الرضوي.
ويؤيد ذلك أيضاً ما تقدم من حديث أبي خالد الكابلي عنه عليه السلام قال: «إن رأيت صاحب هذا الأمر يعطي كل ما في بيت المال رجلاً واحداً، فلا يدخلن في قلبك شيء فإنه إنما يعمل بأمر الله»[11].
المقام الثاني:
في بيان المذاهب في هذه المسألة واختلاف الأصحاب فيها على أقوال متشعبة:
أحدها -عزله والوصية به من ثقة إلى آخر إلى وقت ظهوره عليه السلام وإلى هذا القول ذهب شيخنا المفيد في المقنعة حيث قال: «قد اختلف أصحابنا في حديث الخمس عند الغيبة، وذهب كل فريق منهم فيه إلى مقال، فمنهم من يسقط فرض إخراجه لغيبة الإمام بما تقدم من الرخص فيه من الأخبار، وبعضهم يذهب إلى كنزه ويتأول خبراً ورد أن الأرض تظهر كنوزها عند ظهور الإمام، وأنه عليه السلام إذا قام دله الله على الكنوز، فيأخذها من كل مكان. وبعضهم يرى صلة الذرية وفقراء الشيعة على طريق الاستحباب، وبعضهم يرى عزله لصاحب الأمر فإن خشي إدراك الموت قبل ظهوره وصَّى به إلى من يثق به في عقله وديانته حتى يسلم إلى الإمام عليه السلام، ثم إن أدرك قيامه وإلا وصَّى به إلى من يقوم مقامه في الثقة والديانة، ثم على هذا الشرط إلى أن يظهر إمام الزمان عليه السلام قال: وهذا القول عندي أوضح من جميع ما تقدمه، لأن الخمس حق وجب لصاحبه لم يرسم فيه قبل غيبته حتى يجب الانتهاء إليه، فوجب حفظه عليه إلى وقت إيابه والتمكن من إيصاله إليه أو وجود من انتقل بالحق إليه، ويجري ذلك مجرى الزكاة التي يعدم عند حلولها مستحقها فلا يجب عند عدم ذلك سقوطها، ولا يحل التصرف فيها على حسب التصرف في الأملاك، ويجب حفظها بالنفس أو الوصية إلى من يقوم بإيصالها إلى مستحقها من أهل الزكاة من الأصناف، وإن ذهب ذاهب إلى ما ذكرناه في شطر الخمس الذي هو خالص للإمام عليه السلام وجعل الشطر الآخر لأيتام آل محمد صلى الله عليه وسلم وأبناء سبيلهم ومساكينهم على ما جاء في القرآن لم يبعد إصابته الحق في ذلك بل كان على صواب. وإنما اختلف أصحابنا في هذا الباب لعدم ما يلجأ إليه من صريح الألفاظ، وإنما عدم ذلك لموضع تغليظ المحنة مع إقامة الدليل بمقتضى العقل في الأمر من لزوم الأصول في حظر التصرف في غير المملوك إلا بإذن المالك وحفظ الودائع لأهلها ورد الحقوق»[12]. انتهى.
وإنما أطلنا بنقله بطوله لدلالته:
(أولا) على أن الخلاف في هذه المسألة متقدم بين متقدمي الأصحاب
و(ثانياً) لاشتماله على سبب في الاختلاف والعلة في ما اختاره وذهب إليه (رضوان الله عليه).
الثاني -القول بسقوطه كما نقله شيخنا المتقدم في صدر عبارته، وهو مذهب سلار على ما نقله عنه في المختلف وغيره، قال بعد أن ذكر المنع من التصرف فيه زمن الحضور إلا بإذنه عليه السلام: «وفي هذا الزمان قد حللونا بالتصرف فيه كرماً وفضلاً لنا خاصة»[13]. واختار هذا القول الفاضل المولى محمد باقر الخراساني في الذخيرة وشيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني، وسيجيئ نقل كلامهما ومستندهم فيه أخبار التحليل المتقدمة وسيجيئ الكلام معهما فيه إن شاء الله تعالى، وهذا القول مشهور الآن بين جملة من المعاصرين.
الثالث - القول بدفنه كما تقدم في عبارة شيخنا المفيد. كذا نقله الشيخ في النهاية استناداً إلى الخبر المذكور في كلامهما.
الرابع -دفع النصف إلى الأصناف الثلاثة، وأما حقه عليه السلام فيودع كما تقدم من ثقة إلى ثقة إلى أن يصل إليه عليه السلام وقت ظهوره أو يدفن.
وهو مذهب الشيخ في النهاية، حيث قال (قدس سره):
«وما يستحقونه من الأخماس في الكنوز وغيرها في حال الغيبة فقد اختلف قول أصحابنا فيه، وليس فيه نص معين إلا أن كل واحد منهم قال قولاً يقتضيه الاحتياط، فقال بعضهم: إنه جار في حال الاستتار مجرى ما أبيح لنا من المناكح والمتاجر. وقال قوم: إنه يجب حفظه ما دام الانسان حياً، فإذا حضرته الوفاة وصَّى به إلى من يثق به من إخوانه ليسلمه إلى صاحب الأمر عليه السلام إذا ظهر ويوصي به حسبما وصى به إليه إلى أن يصل إلى صاحب الأمر.
وقال قوم: يجب دفنه لأن الأرض تخرج كنوزها عند قيام الإمام عليه السلام.
وقال قوم: يجب أن يقسم الخمس ستة أقسام: فثلاثة للإمام عليه السلام تدفن أو تودع من يوثق بأمانته، والثلاثة الأخر تفرق على مستحقيه من أيتام آل محمد صلى الله عليه وسلم ومساكينهم وأبناء سبيلهم. وهذا مما ينبغي أن يكون العمل عليه؛ لأن هذه الثلاثة الأقسام مستحقها ظاهر وإن كان المتولي لتفريق ذلك فيهم غير ظاهر، كما أن مستحق الزكاة ظاهر وإن كان المتولي لقبضها وتفريقها ليس بظاهر، ولا أحد يقول في الزكاة أنه لا يجوز تسليمها إلى مستحقها. ولو أن انساناً استعمل الاحتياط وعمل على الأقوال المتقدم ذكرها من الدفن أو الوصاية لم يكن مأثوماً، فأما التصرف فيه على ما تضمنه القول الأول فهو ضد الاحتياط، والأولى اجتنابه حسبما قدمناه»[14]. انتهى. ويفهم من فحوى كلامه تجويز القول الأول على كراهة.
وبمثل هذا الكلام صرح في المبسوط إلا أنه منع من الوجه الأول وقال: لا يجوز العمل عليه، وقال في الوجه الأخير: «وعلى هذا يجب أن يكون العمل وإن عمل عامل على واحد من القسمين الأولين من الدفن أو الوصاية لم يكن به بأس»[15]. انتهى.
ومبنى كلامه وكذا كلام شيخنا المفيد على أن المسألة المذكورة وما يجب العمل به فيها زمن الغيبة غير منصوص، والاحتمالات فيها متعددة، فيؤخذ بكل ما كان أقرب إلى الاحتياط من تلك الاحتمالات. وستعرف إن شاء الله تعالى ما فيه، وقد تقدم في كلام الشيخ المفيد تصويب ما اختاره الشيخ هنا.
الخامس -كسابقه بالنسبة إلى حصة الأصناف وصرفها عليهم، وأما حقه عليه السلام فيجب حفظه إلى أن يوصل إليه، وهو مذهب أبي الصلاح وابن البراج وابن إدريس، واستحسنه العلامة في المنتهى، واختاره في المختلف. وشدَّد أبو الصلاح في المنع من التصرف في ذلك فقال: «فإن أخل المكلف بما يجب عليه من الخمس وحق الأنفال كان عاصياً لله سبحانه ومستحقاً لعاجل اللعن المتوجه من كل مسلم إلى ظالمي آل محمد صلى الله عليه وسلم وآجل العقاب لكونه مخلاً بالواجب عليه لأفضل مستحق، ولا رخصة في ذلك بما ورد من الحديث فيها؛ لأن فرض الخمس والأنفال ثابت بنص القرآن والإجماع من الأمة وإن اختلف في من يستحقه، ولإجماع آل محمد صلى الله عليه آله على ثبوته وكيفية استحقاقه وحمله إليهم وقبضهم إياه ومدح مؤديه وذم المخل به، ولا يجوز الرجوع عن هذا المعلوم بشاذ الأخبار»[16]. انتهى.
وقال العلامة في المختلف:
بعد نقل القول بالإباحة عن سلار وإيراد جملة من الأخبار الدالة على ذلك في زمن الحضور فضلاً عن زمن الغيبة ما صورته: «واعلم أن هذا القول بعيد من الصواب لضعف الأدلة المقاومة لنص القرآن، والإجماع على تحريم التصرف في مال الغير بغير إذنه. والقول بالدفن أيضاً بعيد. والقول بإيصائه بالجميع إلى من يوثق به عند إدراك المنية لا يخلو من ضعف لما فيه من منع الهاشميين من نصيبهم مع شدة حاجتهم وكثرة فاقتهم وعدم ما يتعوضون به من الخمس. والأقرب في ذلك قسمة الخمس نصفين؛ فالمختص باليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل محمد صلى الله عليه وسلم يفرق عليهم على حسب حاجتهم، والمختص بالإمام عليه السلام يحفظ إلى أن يظهر عليه السلام فيسلم إليه إما بإدراكه أو بالإيصاء من ثقة إلى ثقة إلى أن يصل إليه عليه السلام.
وهل يجوز قسمته في المحاويج من الذرية كما ذهب إليه جملة من علمائنا؟
الأقرب ذلك لما ثبت بما تقدم من الأحاديث إباحة البعض للشيعة حال حضورهم، فإنه يقتضي أولوية إباحة أنسابهم عليهم السلام مع الحاجة حال غيبة الإمام، ولاستغنائه عليه السلام واحتياجهم، ولما سبق من أن حصتهم لو قصرت عن حاجتهم لكان على الإمام عليه السلام الإتمام من نصيبه حال حضوره، فإن وجوب هذا حال ظهوره يقتضي وجوبه حال غيبته عليه السلام، فإن الواجب من الحقوق لا يسقط بغيبة من عليه الحق خصوصا إذا كان لله تعالى»[17]. انتهى.
السادس - ما تقدم أيضاً بالنسبة إلى حصة الأصناف، وأما حصته عليه السلام فتقسم على الذرية الهاشمية، وقد استقربه في المختلف كما تقدم في عبارته ونقله عن جماعة من علمائنا، وهو اختيار المحقق في الشرائع والشيخ علي في حاشيته على الكتاب، وهو المشهور بين المتأخرين كما نقله شيخنا الشهيد الثاني في الروضة، ونقل عن شيخنا الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني أنه اختاره أيضاً، ووجهه معلوم مما سبق في كلام المختلف، وعلله المحقق في الشرائع بالتعليل الأخير في كلام المختلف، ومرجع هذا القول إلى قسمة الجميع في الأصناف إلا أنهم قد خصوا تولي قسمة حصة الإمام عليه السلام بالفقيه النائب عنه عليه السلام كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
السابع - صرف النصف إلى الأصناف الثلاثة أيضاً، وأما حصته عليه السلام فيجب إيصالها مع الإمكان وإلا فتصرف إلى الأصناف، ومع تعذر الإيصال وعدم حاجة الأصناف تباح للشيعة، وهو اختيار المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي في الوسائل.
الثامن - ما تقدم من صرف حصة الأصناف عليهم، وأما حصته عليه السلام فيسقط إخراجها لإباحتهم عليهم السلام ذلك للشيعة. وهو ظاهر السيد السند في المدارك حيث قال: «والأصح إباحة ما يتعلق بالإمام عليه السلام من ذلك للأخبار الكثيرة الدالة عليه.. ثم ساق بعضاً من الأخبار التي في التحليل.. إلى أن قال: وكيف كان فالمستفاد من الأخبار إباحة حقوقهم عليهم السلام من جميع ذلك. والله تعالى أعلم»[18]. انتهى.
وهو مذهب المحدث الكاشاني في المفاتيح.
والعجب من شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني في كتاب منية الممارسين أنه نقل أن مذهبه وكذا مذهب الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي صرف الجميع على الأصناف الثلاثة، وتعجب منهما في خروجهما عن أخبار التحليل واطراحها رأساً مع أنهما من الأخباريين، ولا ريب أن مذهب الشيخ الحر يرجع بالآخرة إلى ما ذكره كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى، وأما مذهب المحدث الكاشاني فهو ما ذكرناه لا ما توهمه (قدس سره) نعم جعل ما ذكره طريق الاحتياط.
قال في كتاب المفاتيح:
بعد الإشارة إلى جملة من أقوال المسألة: «أقول: والأصح عندي سقوط ما يختص به عليه السلام لتحليله معليهم السلام ذلك لشيعتهم، ووجوب صرف حصص الباقين إلى أهلها لعدم مانع منه». ثم قال: «ولو صرف الكل إليهم لكان أحوط وأحسن»[19]. انتهى.
ومثله كلامه في الوافي أيضاً حيث قال بعد ذكر الكلام في زمن الحضور: «وأما في مثل هذا الزمان حيث لا يمكن الوصول إليهم عليهم السلام فيسقط حقهم رأساً دون السهام الباقية لوجود مستحقيها، ومن صرف الكل حينئذ إلى الأصناف الثلاثة فقد أحسن واحتاط. والعلم عند الله». انتهى. وهذا القول عندي هو الأقرب على تفصيل فيه كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
التاسع -كسابقه إلا أنه خص صرف حصته عليه السلام بمواليه العارفين وهو منقول عن ابن حمزة، قال: «والصحيح عندي أنه يقسم نصيبه على مواليه العارفين بحقه من أهل الفقر والصلاح والسداد»[20]. انتهى.
العاشر -تخصيص التحليل بخمس الأرباح فإنه للإمام عليه السلام دون سائر الأصناف، وأما سائر ما فيه الخمس فهو مشترك بينهم عليهم السلام وبين الأصناف، وهو اختيار المحقق الشيخ حسن ابن شيخنا الشهيد الثاني في كتاب منتقى الجمان حيث قال في ذيل صحيحة الحارث النصري المتقدمة ما هذا لفظه: «لا يخفى قوة دلالة هذا الحديث على تحليل حق الإمام عليه السلام في خصوص النوع المعروف في كلام الأصحاب بالأرباح، فإذا أضفته إلى الأخبار السابقة الدالة بمعونة ما حققناه على اختصاصه عليه السلام بخمسها عرفت وجه مصير بعض قدمائنا إلى عدم وجوب إخراجه بخصوصه في حال الغيبة، وتحققت أن استضعاف المتأخرين له ناشئ من قلة الفحص عن الأخبار ومعانيها والقناعة بميسور النظر فيها»[21]. انتهى. وأشار بقوله: «بمعونة ما حققناه» إلى ما ذكره في الجواب عن الإشكالات الواردة في صحيحة علي بن مهزيار كما قدمنا نقله عنه، وأشرنا إلى ما فيه، وسيأتي مزيد إيضاح لضعفه إن شاء الله تعالى.
الحادي عشر - عدم إباحة شيء بالكلية حتى من المناكح والمساكن والمتاجر التي جمهور الأصحاب على تحليلها بل ادعى الإجماع على إباحة المناكح، وهو مذهب ابن الجنيد فإنه قال: «وتحليل من لا يملك جميعه عندي غير مبرئ من وجب عليه حق منه لغير المحلل، لأن التحليل إنما هو في ما يملكه المحلل لا في ما لا يملك وإنما إليه ولاية قبضه وتفريقه في الأهل الذين سماه الله لهم»[22].
الثاني عشر - قصر أخبار التحليل على جواز التصرف في المال الذي فيه الخمس قبل إخراج الخمس منه بأن يضمن الخمس في ذمته، وهو مختار شيخنا المجلسي (قدس سره) كما سيأتي نقل كلامه إن شاء الله تعالى.
الثالث عشر - صرف حصة الأصناف عليهم والتخيير في حصته عليه السلام بين الدفن والوصية على الوجه المتقدم وصلة الأصناف مع الإعواز بإذن نائب الغيبة وهو الفقيه، وهذا مذهب الشيخ الشهيد في الدروس، ووجهه معلوم مما سبق في الأقوال المتقدمة.
الرابع عشر - صرف النصف إلى الأصناف الثلاثة وجوباً أو استحباباً وحفظ نصيب الإمام عليه السلام إلى حين ظهوره، ولو صرفه العلماء إلى من يقصر حاصله من الأصناف كان جائزاً، وهو اختيار الشهيد في البيان، ووجهه أيضاً يظهر مما سبق)[23].
[1] الكافي للكليني (1/409).
[2] الكافي للكليني (1/409).
[3] الكافي للكليني (1/407)، تهذيب الأحكام للطوسي (7/153).
[4] الكافي للكليني (1/408)، الاستبصار للطوسي (3/108)، بحار الأنوار للمجلسي (52/39).
[5] الكافي للكليني (1/408)، جواهر الكلام (16/137).
[6] الكافي للكليني (1/409)، الخصال للصدوق (291)، فقه الرضا لعلي بن بابويه (293)، جواهر الكلام (16/132).
[7] الكافي للكليني (1/409)، جامع أحاديث الشيعة (8/118)، فقه الصادق للروحاني (7/332) (ش).
[8] الكافي للكليني (1/408).
[9] الكافي للكليني (1/409).
[10] الكافي للكليني (1/410).
[11] تهذيب الأحكام للطوسي (4/148)، غنائم الأيام (4/366)، وسائل الشيعة للحر العاملي (6/363).
[12] تهذيب الأحكام للطوسي (4/147).
[13] مختلف الشيعة للحلي (3/340).
[14] النهاية للطوسي (200).
[15] المبسوط للطوسي (1/264).
[16] مختلف الشيعة للحلي (3/340).
[17] مختلف الشيعة للحلي (3/354).
[18] مدارك الأحكام (5/424) (ش).
[19] مفاتيح الشريعة (229) مفتاح رقم (260).
[20] جواهر الكلام للجواهري (16/175)، مستمسك العروة لمحسن الحكيم (9/580) (ش)، الينابيع الفقهية لعلي أصغر (5/259).
[21] منتقى الجمان (2/443).
[22] مختلف الشيعة للحيلي (3/340).
[23] الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني (12/419-444)