الخمس في زمن الغيبة عند الشيعة: التحليل والإباحة وأحاديث باطلة
تعد مسألة الخمس في زمن غيبة الإمام المهدي عند الشيعة من أكثر المسائل المثيرة للجدل والارتباك الفقهي، حيث أوردت كتبهم روايات عديدة تدعي تحليل وإباحة الخمس لمصلحة شيعتهم، بما يشمل الغنائم والمعادن والكنوز والفوائد التجارية والزراعية. وقد ركزت هذه الروايات على وجوب إخراج الخمس لهم وحدهم، مع تفسير أن كل ما في أيدي شيعتهم من المال حلال لهم، وأن التحليل يشمل الشاهد والغائب والميت والحي، وأن الولادة والذرية لهم طيبة بهذا الحق.
وتوضح هذه الأخبار أن الشيعة يستخدمون أحاديث غير صحيحة أو مشكوك فيها لإضفاء الشرعية على تصرفات مالية محددة، وهو ما يعكس موقفًا واضحًا من التحايل على النصوص الدينية لتحقيق أغراضهم الخاصة، ويثبت أن هذه الطائفة فرقة ضالة تبني أحكامها على روايات ملفقة لخدمة مصالحها الضيقة، مع استبعاد عامة المسلمين من هذه الحقوق.
في ما يدل على التحليل والإباحة مطلقاً:
وهي أخبار مستفيضة متكاثرة، منها:
ما رواه في الكافي والتهذيب بسنده:
في الأموال إلى محمد بن سنان في الثاني بسنده إلى حكيم مؤذن بني عبس قال: «سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تعالى: «وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى» فقال عليه السلام: هي والله الإفادة يوماً بيوم، إلا أن أبي جعل شيعتنا من ذلك في حل ليزكوا»[1].
ومنها صحيحة الحارث النصري:
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «قلت له: إن لنا أموالاً من غلات وتجارات ونحو ذلك وقد علمت أن لك فيها حقاً؟ قال: فلم أحللنا إذاً لشيعتنا إلا لتطيب ولادتهم، وكل من والى آبائي فهو في حل مما في أيديهم من حقنا فليبلغ الشاهد الغائب»[2].
ومنها ما رواه الصدوق في الفقيه عن يونس بن يعقوب قال:
«كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فدخل عليه رجل من القماطين فقال: جعلت فداك! يقع في أيدينا الأرباح والأموال وتجارات نعرف أن حقك فيها ثابت وإنا عن ذلك مقصرون؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: ما أنصفناكم إن كلفناكم ذلك اليوم»[3].
ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح:
عن أبي بصير وزرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: «هلك الناس في بطونهم وفروجهم؛ لأنهم لم يؤدوا إلينا حقنا، ألا وإن شيعتنا من ذلك وآباءهم في حل»[4]. ورواه الصدوق في كتاب العلل وفيه: «وأبناءهم »[5] عوض «وآباءهم» ولعله الأصح.
منها ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن مهزيار قال:
«قرأت في كتاب لأبي جعفر عليه السلام من رجل يسأله أن يجعله في حل من مأكله ومشربه من الخمس فكتب بخطه: من أعوزه شيء من حقي فهو في حل»[6]. وظاهره أخص مما ذكر من هذه الأخبار.
ومنها ما رواه في التهذيب عن الثمالي قال:
سمعته يقول: «من أحللنا له شيئا أصابه من أعمال الظالمين فهو له حلال، وما حرمناه من ذلك فهو حرام»[7]وظاهره أعم من الخمس، ولكنه أخص بالنسبة إلى الخمس من المدعى لاختصاص التحليل بمن حللوه لا مطلقا.
وما رواه الصدوق في كتاب العلل في الصحيح:
عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إن أمير المؤمنين عليه السلام حللهم من الخمس - يعني الشيعة - لتطيب مواليدهم»[8].
وما رواه الشيخ في التهذيب:
في الحسن عن سالم بن مكرم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رجل وأنا حاضر: «حلل لي الفروج. ففزع أبو عبد الله عليه السلام، فقال له رجل: ليس يسألك أن يعترض الطريق إنما يسألك خادماً يشتريها أو امرأة يتزوجها أو ميراثاً يصيبه أو تجارة وشيئاً أعطيه. فقال: هذا لشيعتنا حلال، الشاهد منهم والغائب، والميت منهم والحي، وما يولد منهم إلى يوم القيامة، فهو لهم حلال، أما والله لا يحل إلا لمن أحللنا له، ولا والله ما أعطينا أحدا ذمة وما عندنا لأحد عهد ولا لأحد عندنا ميثاق»[9].
وما رواه الصدوق في الفقيه:
عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليه السلام قال: «إن أشد ما فيه الناس يوم القيامة أن يقوم صاحب الخمس فيقول: يا رب خمسي. وقد طيبنا ذلك لشيعتنا لتطيب ولادتهم وليزكوا أولادهم»[10].
وما رواه الشيخ في الصحيح عن عمر بن أذينة قال:
«رأيت أبا سيار مسمع بن عبد الملك بالمدينة وقد كان حمل إلى أبي عبد الله عليه السلام مالاً في تلك السنة فرده عليه، فقلت له: لم رد عليك أبو عبد الله عليه السلام المال الذي حملته إليه؟ فقال: إني قلت له حين حملت إليه المال: إني كنت وليت الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهم وقد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم وكرهت أن أحبسها عنك أو أعرض لها وهي حقك الذي جعله الله لك في أموالنا؟ فقال: وما لنا من الأرض وما أخرج الله منها إلا الخمس؟ يا أبا سيار الأرض كلها لنا فما أخرج الله منها من شيء فهو لنا. قال: قلت له: أنا أحمل إليك المال كله. فقال لي: يا أبا سيار! قد طيبناه لك وأحللناك منه فضم إليك مالك وكل ما في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون ويحل لهم ذلك إلى أن يقوم قائمنا..»[11] الحديث. وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى في القسم الرابع.
وما رواه الشيخ في الموثق:
عن الحارث بن المغيرة النصري قال: «دخلت على أبي جعفر عليه السلام فجلست عنده فإذا نجية قد استأذن عليه، فأذن له فدخل فجثى على ركبتيه ثم قال: جعلت فداك أريد أن أسألك عن مسألة والله ما أريد بها إلا فكاك رقبتي من النار. فكأنه رق له فاستوى جالساً فقال: يا نجية! سلني فلا تسألني اليوم عن شيء إلا أخبرتك به. قال: جعلت فداك ما تقول في فلان وفلان؟ قال: يا نجية إن لنا الخمس في كتاب الله ولنا الأنفال ولنا صفو المال، وهما والله أول من ظلمنا حقنا في كتاب الله وأول من حمل الناس على رقابنا، ودماؤنا في أعناقهما إلى يوم القيامة، وإن الناس ليتقلبون في حرام إلى يوم القيامة بظلمنا أهل البيت. فقال نجية: إنا لله وإنا إليه راجعونثلاث مرات، هلكنا ورب الكعبة. قال: فرفع فخذه عن الوسادة فاستقبل القبلة فدعا بدعاء لم أفهم منه شيئاً إلا أنا سمعناه في آخر دعائه وهو يقول: اللهم إنا قد أحللنا ذلك لشيعتنا»[12].
وما رواه الصدوق في كتاب إكمال الدين وإتمام النعمة:
عن محمد بن عصام الكليني قال: حدثنا محمد بن يعقوب الكليني عن إسحاق بن يعقوب قال: «سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل إلي كتاباً قد سألت فيه مسائل أشكلت على، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عليه السلامأما ما سألت عنه..» إلى أن قال: «وأما المتلبسون بأموالنا فمن استحل منها شيئاً فأكله فإنما يأكل النيران، وأما الخمس فقد أبيح لشيعتنا وقد جعلوا منه في حل إلى وقت ظهورنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث»[13].
وما رواه في الكافي:
عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام في حديث قال: «إن الله جعل لنا أهل البيت سهاماً ثلاثة في جميع الفيء..» إلى أن قال: «فنحن أصحاب الخمس والفيء وقد حرمناه على جميع الناس ما خلا شيعتنا..»[14] الحديث.
وما رواه الشيخ في التهذيب:
عن ضريس الكناسي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: «أتدري من أين دخل على الناس الزنى؟ فقلت لا أدري. فقال: من قبل خمسنا أهل البيت إلا لشيعتنا الأطيبين فإنه محلل لهم ولميلادهم»[15].
وما رواه في الكافي:
عن عبد العزيز بن نافع قال: «طلبنا الإذن على أبي عبد الله عليه السلام وأرسلنا إليه فأرسل إلينا: ادخلوا اثنين اثنين. فدخلت أنا ورجل معي، فقلت للرجل: أحب أن تستأذنه بالمسألة. فقال: نعم. فقال له: جعلت فداك! إن أبي كان ممن سباه بنو أمية وقد علمت أن بني أمية لم يكن لهم أن يحرموا ولا يحللوا، ولم يكن لهم مما في أيديهم قليل ولا كثير، وإنما ذلك لكم، فإذا ذكرت الذي كنت فيه دخلني من ذلك ما يكاد يفسد على عقلي ما أنا فيه؟ فقال له: أنت في حل مما كان من ذلك وكل من كان في مثل حالك من ورائي فهو في حل من ذلك. قال: فقمنا وخرجنا فسبقنا معتب إلى النفر القعود الذين ينتظرون إذن أبي عبد الله عليه السلام، فقال لهم عبد العزيز بن نافع بشيء ما ظفر بمثله أحد قط. فقيل له: وما ذاك؟ ففسره لهم فقام اثنان فدخلا على أبي عبد الله عليه السلام فقال أحدهما: جعلت فداك إن أبي كان من سبايا بني أمية، وقد علمت أن بني أمية لم يكن لهم من ذلك قليل ولا كثير، وأنا أحب أن تجعلني من ذلك في حل. فقال: وذلك إلينا؟ ما ذلك إلينا، ما لنا أن نحل ولا أن نحرم. فخرج الرجلان وغضب أبو عبد الله عليه السلام فلم يدخل عليه أحد في تلك الليلة إلا بدأه أبو عبد الله عليه السلام فقال: ألا تعجبون من فلان يجيني فيستحلني مما صنعت بنو أمية كأنه يرى أن ذلك إلينا. ولم ينتفع أحد في تلك الليلة بقليل ولا كثير إلا الأولين فإنهما عنيا بحاجتهما»[16].
وما رواه الصدوق في الفقيه:
عن داود الرقي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: «الناس كلهم يعيشون في فضل مظلمتنا إلا أنا أحللنا شيعتنا من ذلك»[17].
وما رواه في التهذيب عن علباء الأسدي قال:
«وليت البحرين فأصبت بها مالاً كثيراً، فأنفقت واشتريت ضياعاً كثيرة واشتريت رقيقاً وأمهات أولاد وولد لي، ثم خرجت إلى مكة فحملت عيالي وأمهات أولادي ونسائي وحملت خمس ذلك المال، فدخلت على أبي جعفر عليه السلام فقلت له: إني وليت البحرين فأصبت بها مالاً كثيراً واشتريت متاعاً واشتريت رقيقاً واشتريت أمهات أولاد وولد لي وأنفقت وهذا خمس ذلك المال وهؤلاء أمهات أولادي ونسائي قد أتيتك به. فقال: أما إنه كله لنا، وقد قبلت ما جئت حللتك من أمهات أولادك ونسائك وما أنفقت وضمنت لك علي وعلى أبي الجنة»[18]. وهذا الحديث قد عده في الوافي في باب الأحاديث الدالة على تحليل الخمس، إلا أنه ليس بظاهر في ذلك بل ربما ظهر في خلاف ذلك، فإن ظاهر قوله: قبلت ما جئت به" هو أخذ ما جاء به من الخمس وحله من الباقي، حيث أنه أخبره أن الكل له، هذا ما يظهر من الخبر.
وما رواه في الكتاب المذكور عن الفضيل قال:
قال أبو عبد الله عليه السلام: قال أمير المؤمنين عليه السلام لفاطمة عليها السلام: «أحلى نصيبك من الفيء لآباء شيعتنا ليطيبوا»، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: «إنا أحللنا أمهات شيعتنا لآبائهم ليطيبوا»[19].
وما رواه فيه أيضاً عن معاذ بن كثير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «موسع على شيعتنا أن ينفقوا مما في أيديهم بالمعروف، فإذا قام قائمنا حرم على كل ذي كنز كنزه حتى يأتوه به يستعين به»[20].
ورواه في الكافي بزيادة «يستعين به على عدوه»[21].
وما رواه الإمام العسكري عليه السلام:
في تفسيره عن آبائه عليهم السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال لرسول الله صلى الله و عليه وآله: «قد علمت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيكون بعدك ملك عضوض وجبر فيستولي على خمسي من السبي والغنائم ويبيعونه ولا يحل لمشتريه لأن نصيبي فيه، وقد وهبت نصيبي منه لكل من ملك شيئاً من ذلك من شيعتي لتحل لهم منافعهم من مأكل ومشرب ولتطيب مواليدهم ولا يكون أولادهم أولاد حرام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تصدق أحد أفضل من صدقتك، وقد تبعك رسول الله صلى الله عليه وسلم في فعلك، أحل للشيعة كل ما كان فيه من غنيمة أو بيع من نصيبه على واحد من شيعتي ولا أحلها أنا ولا أنت لغيرهم»[22].
[1] الكافي للكليني (1/544)، تهذيب الأحكام للطوسي (4/121).
[2] تهذيب الأحكام للطوسي (4/143).
[3] من لا يحضره الفقيه، للصدوق (2/44).
[4] تهذيب الأحكام، للطوسي (4/137).
[5] علل الشرائع، للصدوق (2/377).
[6] تهذيب الأحكام للطوسي (4/143).
[7] تهذيب الأحكام للطوسي (4/138).
[8] علل الشرائع للصدوق (2/377).
[9] تهذيب الأحكام للطوسي (4/138).
[10] من لا يحضره الفقيه، للصدوق (2/43).
[11] الكافي للكليني (1/408).
[12] تهذيب الأحكام للطوسي (4/145).
[13] كمال الدين وإتمام النعمة (485).
[14] الكافي للكليني (8/285).
[15] تهذيب الأحكام للطوسي (4/136).
[16] الكافي للكليني (1/546).
[17] من لا يحضره الفقيه لابن بابويه القمي (2/45).
[18] تهذيب الأحكام للطوسي (4/137).
[19] تهذيب الأحكام للطوسي (4/143).
[20] تهذيب الأحكام للطوسي (4/144).
[21] الكافي للكليني (4/61).
[22] تفسير الإمام العسكري (87).