أكذوبة المرجعية والتقليد: كيف صُنعت الأعلمية لخدمة الخمس والسلطة
لم يعرف تاريخ الإسلام – في عصر النبوة ولا في عهد الصحابة ولا في القرون المفضلة – ما يُسمّى بمؤسسة المرجعية الدينية، ولا نظام التقليد القائم على حصر الدين في أشخاصٍ بعينهم يُلزَم الناس باتباعهم في كل صغيرة وكبيرة، وتُربط صحة العبادة والمعاملة والذمة الشرعية باسم شخص يُنصَّب مرجعًا أعلى، ويُقدَّم بوصفه الأعلم والأفقه والأورع بلا نصٍّ ولا إجماعٍ ولا معيارٍ منضبط.
وإنما ظهر مصطلحا التقليد والمرجعية في الفكر الشيعي المتأخر بوصفهما أدوات تنظيمية وسياسية ومالية، لا بوصفهما أحكامًا شرعية ثابتة بنص من كتاب أو سنة، بل باعتراف كبار منظري الشيعة أنفسهم، الذين أقرّوا بأن هذه المصطلحات مستحدثة، لا أصل لها في النصوص، وأنها صُنعت لخدمة واقع معين، ثم تحولت مع الزمن إلى مسلمات دينية لا يجوز النقاش فيها.
وقد تكشف هذه الدراسة أن فكرة تقليد الأعلم لم تكن معروفة بهذا الإطلاق ولا بهذا الإلزام عند متقدمي فقهاء الشيعة، وأن اشتراط الأعلمية لم يكن إلا توصيفًا أفضليًا عند بعضهم، ثم تطور إلى عقيدة ملزمة تُستعمل لحسم الصراع على الأموال الشرعية، وعلى رأسها الخمس، الذي صار هو المحرك الحقيقي لمعركة المرجعية.
أكذوبة مصطلح تقليد ومصطلح مرجعية:
والغريب بل والطريف في الأمر أن مصطلح تقليد أو مصطلح مرجعية ما هي إلا أكذوبة اخترعها المتأخرون لغايات لا أظن أنها تخفى على أحد. وقد اعترف الشيعة بذلك.
يقولشمس الدين: (مصطلح تقليد ومصطلح مرجعية هذانالمصطلحان وما يرادفهما ويناسبهما غيرموجودين في أي نص شرعي، وإنما همامستحدثان، وليس لهما أساس من حيث كونهماتعبيران يدلان على مؤسسة تقليد هي مؤسسةومرجعية هي مرجعية التقليد، يعني مؤسسة منحيث كونهما اثنين لمؤسسة، ليس لهما منالأخبار والآثار فضلاً عن الكتاب والكريمعلماً ولا أثراً. كل ما هو موجود بالنسبةلمادة قلّد خبر ضعيف لا قيمة له من الناحيةالاستنباطية إطلاقاً، وهو المرسل الشهير عنأبي الحسن، عن أبي محمد الحسن العسكري (رض)، ومتداول على ألسنة الناس: من كان من الفقهاءصائناً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمرمولاه، فللعوام أن يقلدوه. مادة قلّد موجودفقط بهذا النص، ولكن لا يعتمد عليه إطلاقاً.هذا تقليد، ومقلّدومُقلّد لا أساس له.ومرجع لا أساس له)[1].
أقول: والرواية مكذوبة كما قال شمس الدين، فهي من مرويات التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري لأن التفسير لم يثبت بطريق قابل للاعتماد عليه؛ فإن في طريقه جملة من المجاهيل كمحمد بن القاسم الاسترآبادي، ويوسف بن محمد بن زياد، وعلي بن محمد بن سيار. وقد ذكر الخوئي أن التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السلام إنما هو برواية هذين الرجلين، وكلاهما مجهول الحال، ولا يعتد برواية أنفسهما عن الإمام عليه السلام، اهتمامه عليه السلام بشأنهما، وطلبه من أبويهما إبقاءهما عنده، لإفادتهما العلم الذي يشرفهما الله به. هذا مع أن الناظر في هذا التفسير لا يشك في أنه موضوع، وجل مقام عالم محقق أن يكتب مثل هذا التفسير، فكيف بالإمام عليه السلام[2].
ويقول شمس الدين أيضاً: (هذا المصطلح (مرجع أعلى) لا أساس له إطلاقاً بالشرع، ولا أساس له قبل الشرع الإسلامي في الفكر الإسلامي، أصلاً لا يوجد في الفكر الإسلامي، ولا الشرع الإسلاميخارج نطاق المعصومين، خارج نطاق النبي صلى الله عليه وسلم، ولا المعصومين الأئمة عليهم السلام، لا يوجد مرجع أعلى على الإطلاق. وأقول للتاريخ: إننا في عهد الشهيد السيد محمد باقر الصدر نحن مجموعة من الناس، وأنا واحد منهم رحم الله من توفاه، وحفظ الله من بقي حياً، نحن اخترعنا هذا المصطلح. في النجف اخترعنا مصطلح مرجع أعلى. وقبل مرحلة الستينات لا يوجد في أدبيات الفكر الإسلامي الشيعي هذا المصطلح على الإطلاق. هذا المصطلح نحن أوجدناه: السيد محمد باقر الحكيم، السيد محمد مهدي الحكيم، السيد محمد بحر العلوم، ولعله يمكن أن أقول بنحو المصادفة: إن جانب السيد الشهيد (رض) كان من الرعيل الأول، وهو أعلاهم وأسماهم. والداعي أنا محمد مهدي شمس الدين كنا مجموعة نعمل في مواجهة نظام عبدالكريم قاسم المؤيد للشيوعية في نطاق جماعة العلماء، وفي نطاق مجلة الأضواء، وأردنا أن نوجه خطاباً سياسياً للخارج، سواء كانت مرجعية السيد الحكيم هي المرجعية البارزة وليست الوحيدة، أو كانت مرجعية السيد البروجردي في إيران هي المرجعية البارزة. اخترعنا هذا المصطلح واستعملناه، وآسف إذا أصبح مصطلحاً رائجاً، وهو لا أساس له على الإطلاق، استخدمناه وأفادنا كثيراً، ولكن نحن استخدمناه كآلية لا نريده، ولا نريده غلاً، ولا نريده عائقاً)[3].
وكانوا قبلها قد مهدوا لأطروحة لزوم تقليد الأعلم، رغم أن المتقدمين[4] من علماء الشيعة لم يتطرقوا إلى هذه المسألة بالصورة التي نراها الآن، فشيخ الطائفة الطوسي مثلاً لم يتطرق لتقليد الأعلم عندما تكلم في ذكر صفات المفتي في كتابه عدة الأصول، بل خلص إلى القول أنه يجوز للعامي الذي لا يقدر على البحث والتفتيش تقليد العالم[5].
نعم نُسب هذا القول إلى المرتضى، ولكن عندما نقرأ قوله في المسألة في سياقه العام لا نراه يشترط هذا، بل يراه أولى. يقول: (وإن كان بعضهم عنده أعلم من بعض أو أورع وأدين، فقد اختلفوا: فمنهم من جعله مخيراً، ومنهم من أوجب أن يستفتي المقدم في العلم والدين، وهو أولى)[6]. وأخطأ من نسب إليه دعوى الإجماع في هذه المسألة.
وقد أقر الشيعة بذلك كما يؤكد محمد مجاهد وهو شيخ الأنصاري (ت1281هـ) بأنه لم يصلهم أي تعريف أو شرح لمعنى الأعلم[7].
ويُذكر أن كاشف الغطاء (ت1228هـ) أول من بيَّن أسس لزوم تقليد الأعلم، ولكن يبدو أن اختيار ابنه موسى كاشف الغطاء من بعده يدل على حصر الأعلمية في نطاق المدينة حيث كان ذلك في النجف فحسب.
ثم بدأت عبارات وجوب تقليد الأعلم تظهر بوضوح عند المعاصرين[8].
بل وأخذوا يضعون عبارات من أمثال (سيد الفقهاء والمحققين وأعلم العلماء والمجتهدين وحجة الإسلام والمسلمين) على رسائلهم العلمية[9].
الاختلاف في مفهوم الأعلمية وتحديدها:
ثم اختلفوا في مفهوم الأعلمية وتحديدها:
فمن قائل: المراد من الأعلم من يكون أعرف بالقواعد والمدارك للمسألة، وأكثر اطلاعاً لنظائرها وللأخبار، وأجود فهماً للأخبار، والحاصل أن يكون أجود استنباطاً، والمرجع في تعيينه أهل الخبرة والاستنباط[10].
وقائل: المراد من الأعلم: عمدة ما يلاحظ فيه الأعلمية أمور ثلاثة: «الأول» العلم بطرق إثبات صدور الرواية، والدخيل فيه علم الرجال وعلم الحديث بما له من الشؤون كمعرفة الكتب ومعرفة الرواية المدسوسة بالاطلاع على دواعي الوضع... ومعرفة النسخ المختلفة وتمييز الأصح عن غيره والخلط الواقع بين متن الحديث وكلام المصنفين ونحو ذلك...«الثاني» فهم المراد من النص بتشخيص القوانين العامة للمحاورة وخصوص طريقة الأئمة عليهم السلام في بيان الأحكام ولعلم الأصول والعلوم الأدبية والاطلاع على أقوال من عاصرهم من فقهاء العامة دخالة تامة في ذلك.«الثالث» استقامة النظر في مرحلة تفريع الفروع على الأصول[11].
وقائل: المراد من الأعلم من كان أحسن استنباطاً من غيره لكونه أقوى نظراً في تنقيح قواعد المسألة ومداركها، وأكثر خبرة في كيفية تطبيقها على مواردها، وأجود فهماً للأخبار في استنباط المسائل الفرعية من مضامينها مطابقة والتزاماً وإشارة وتلويحاً، وأكثر اطلاعاً بمدارك المسألة ونظائرها، كما يرشد إليه قوله (ع): «أنتم أعلم الناس إن عرفتم معاني كلامنا»، نعم لا عبرة بكثرة الاستنباط والإحاطة بالفروع الفقهية، لأنذلك يجامع مع ضعف الملكة أيضاً[12].
وقائل: الأعلم من كان أقوى ملكة وأشد استنباطاً بحسب القواعد المقررة، ونعني به من أجاد في فهم الأخبار مطابقة والتزاماًوإشارة وتلويحاً، وفي فهم أنواع التعارض، وتميز بعضها عن بعض، وفي الجمع بينهما بإعمال القواعد المقررة لذلك مراعياً للتقريبات العرفية ونكاتها، وفي تشخيص مظان الأصول اللفظية والعملية، وهكذا إلى سائر وجوه الاجتهاد. وأما أكثر الاستنباط وزيادة الاستخراج الفعلي مما لا مدخلية له[13].
وقائل: ليس المراد من الأعلم من هو أكثر اطلاعاً على الفروع الفقهية وحفظاً لمداركها من الآيات والروايات وغيرهما، بل المراد به من يكون استنباطه أرقى من الآخر بأن يكون أجود فهماً للأخبار والآيات، وأدق نظراً في تنقيح المباني الفقهية من القواعد الأصولية، وفي تطبيقها على المصاديق[14].
وقائل: أن المراد بالأعلم هل هو أقدر من غيره على تنقيح القواعد التي يستنبط منها الأحكام الفرعية كالقواعد الأصولية، فإذا كان أحد المجتهدين أكثر اقتداراً من غيره على تشييد القواعد الأصولية فهو أعلم ممن لا يكون مثله في الاقتدار المزبور؟ أم المراد بالأعلم من يحصل له الجزم بالحكم بأن يستنبط الحكم من الأدلة بنحو الجزم واليقين، بخلاف غيره ممن يستنبطه من تلك الأدلة بنحو الظن، فكيفية الاستنباط لا تختلف، والاختلاف إنما هو في الإدراك، لأنه في أحدهما قطعي وفي الآخر ظني.
أم المراد بالأعلم من هو أسرع استنباطاً من غيره، كما إذا فرض أن الأعلم يستنبط حكم مسألة في نصف ساعة، وغيره يستنبطه في ساعة مثلاً، فالمراد بالأعلم حينئذ من هو أسرع استنباطاً من غيره.
أم المراد به من هو أكثر استنباطاً من غيره، كما إذا فرض أنه استنبط حكم ألف مسألة، وغيره استنبط حكم تسعمائة مسألة، فمن استنبط الألف فهو أعلم ممن استنبط أقل من ذلك، فالمدار في الأعلمية حينئذ على أكثرية عدد الأحكام المستنبطة فعلاً.
أم المراد به من يكون أشد مهارة من غيره في تطبيق الكبريات على صغرياتها، وتشخيص موارد الأصول حتى لا يجري أصل البراءة مثلا في مورد قاعدة الاشتغال وبالعكس. ولا يجري الأصل المسببي مع وجود الأصل السببي، وهكذا. لا سبيل إلى ما عدا الأخير، إذ في الأول: أن المدار في الاجتهاد إنما هو على الاستنباط الفعلي من الأدلة، دون تشييد المباني وتنقيح القواعد مع عدم الاقتدار على تطبيقها على الفروع، فإنه اجتهاد في مقدمات الاستنباط، وليس اجتهاداً في نفس الفروع، فالأصولي الذي يستفرغ وسعه في تحرير القواعد الأصولية وتهذيبها، ولكنه قاصر عن تطبيقها على الفروع، ليس بأعلم ممن يقدر على التطبيق المزبور وإن لم يكن مثله في تحرير القواعد الأصولية[15].
[1] المرجعية والتقليد عند الشيعة، لمحمد مهدي شمس الدين في محاضرة ألقيت في ذكرى مقتل محمد باقر الصدر عام (1994م).
[2] معجم رجال الحديث، للخوئي (13/157).
[3] المرجعية والتقليد عند الشيعة، لمحمد مهدي شمس الدين.
[4] عصر المتقدمين يبدأ من الغيبة الكبرى (329هـ) إلى زمن العلامة الحلي المتوفى عام (726هـ).
[5] انظر: عدة الأصول، للطوسي (2/272).
[6] الذريعة، للسيد المرتضى (2/801).
[7] مفاتيح الأصول، لمحمد مجاهد (632).
[8] انظر مثلاً: مستند الشيعة، للنراقي (17/46)، القضاء والشهادات، للأنصاري (57)، العروة الوثقى، لليزدي (1/18، 37، 74، 75) (ش)، تحرير العروة الوثقى، لمصطفى الخميني (1/13) (2/12، 28)، الاجتهاد والتقليد، للخميني (99)، الرسائل، للخميني (2/141)، كتاب الاجتهاد والتقليد، للخوئي (107) (ش) (134)، مصباح الفقاهة، للخوئي (3/288)، تعاليق مبسوطة، لمحمد إسحاق الفياض (1/11) (ش)، تعليقة على العروة الوثقى، للسيستاني (1/11)، فقه الصادق (ع)، لمحمد صادق الروحاني (5/172) (ش)، تحرير الوسيلة، للخميني (1/6)، إرشاد السائل، للگلپايگاني (39)، هداية العباد، للگلپايگاني (1/8)، المسائل المنتخبة، للروحاني (10)، منها: الصالحين، للروحاني (1/5)، أجوبة الاستفتاءات، للخامنئي (1/16)، استفتاءات، للسيستاني (274)، العروة الوثقى، للروحاني (1/6)، المسائل المنتخبة، للروحاني (10)، توضيح المسائل، لمحمد تقي بهجت (8)، صراط النجاة، للميرزا جواد التبريزي (1/20) (2/101)، هداية العباد، للطف الله الصافي (1/5)، المحكم في أصول الفقه، لمحمد سعيد الحكيم (6/349)، زبدة الأصول، للروحاني (3/385).
[9] انظر مثلاً: جامع عباسى (فارسي) البهائي العاملي (1)، الغاية القصوى (فارسي)، لليزدي (2/344).
[10] العروة الوثقى، السيد اليزدي (1/21)، مستمسك العروة، لمحسن الحكيم (1/36)، كتاب الاجتهاد والتقليد، للخوئي (203)، تعاليق مبسوطة، لمحمد إسحاق الفياض (1/15)، تعليقة على العروة الوثقى، للسيستاني (1/13)، العروة الوثقى، لمحمد صادق الروحاني (1/6).
[11] تعليقة على العروة الوثقى، للسيستاني (1/13).
[12] نهاية الأفكار، لآقا ضياء العراقي (4 ق) (2/254)، نهاية الأفكار، تقرير بحث آقا ضياء، للبروجردي (5/254).
[13] منتهى الدراية، للشوشتري (8/589).
[14] مصباح الأصول، تقرير بحث الخوئي، للبهسودي (3/456).
[15] منتهى الدراية، لمحمد جعفر الشوشتري (8/587، 588).