موارد الخمس ومصارفه من السنة النبوية: التأصيل السني وكشف تحريف الشيعة وتشريعهم الباطل

تُعَدّ مسألة الخمس من أكثر القضايا التي تعرّضت للتحريف عند الشيعة، حيث حُوِّلت من حكمٍ شرعيٍّ محدود الورود في القرآن والسنة إلى منظومة مالية واسعة تُفرض على المكاسب والأرباح بلا دليل صحيح. وقد بُني هذا التوسّع على روايات ضعيفة أو موضوعة، وتأويلات باطلة للنصوص، أُريد بها إضفاء المشروعية على مورد مالي دائم باسم الدين وآل البيت.

إن المنهج السني القائم على الاحتجاج بالنصوص الثابتة بفهم السلف الصالح يقرر بوضوح أن الخمس لم يرد في السنة إلا في موردين اثنين لا ثالث لهما: مغانم الحروب، والركاز...

 كما في الحديث الصحيح المتفق عليه:

«في الركاز الخمس».

ولم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن الخلفاء الراشدين ولا عن الصحابة رضي الله عنهم شيء يدل على إيجاب الخمس في الأرباح أو المكاسب أو الرواتب، كما لم يعرف أهل السنة بابًا مستقلًا للخمس في كتب الفقه؛ لانتفاء أسبابه العملية، وندرة موارده، ووضوح أحكامه.

وفي المقابل، نجد تطورًا لافتًا في المدونة الشيعية المتأخرة، حيث أُفردت للخمس مؤلفات ورسائل مطوّلة بلغت المئات من الصفحات، وهو ما يكشف عن انتقال الخمس من حكم شرعي محدود إلى تشريع مذهبي مقصود يخدم أغراضًا مالية وعقدية، لا تخفى على من تأملها.

ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال الذي يهدف إلى بيان موارد الخمس ومصارفه من السنة النبوية، وشرح معنى الركاز وحكمه، وسبب غياب باب مستقل للخمس في كتب أهل السنة، مع التمهيد لنقد التصور الشيعي وما بُني عليه من بدع وتشريعات محدثة.

موارد الخمس ومصارفه من السنة:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿في الرِّكَازِ الْخُمُسُ[1]، أخرجه الشيخان؛ وأصحاب السنن؛ والإمام مالك وأحمد، وغيرهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

وهذا الحديث هو كل ما ورد في السنة من ذكر موارد الخمس سوى مغانم الحروب، وحينئذٍ يكون الكلام في بيان معنى الركاز.

معنى الركاز:

ذكر أهل اللغة أن الركاز هو ما ركزه الله، أي: أحدثه في المعادن ودفين أهل الجاهلية وقطع الذهب والفضة من المعدن.

وهو مشتق من ركز يركز: إذا خفى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أو تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً[مريم: 98]، أي صوتاً خفياً.

وذكر بعضهم أن الركاز عند أهل الحجاز كنوز الجاهلية المدفونة في الأرض، وعند أهل العراق المعادن. والقولان تحتملهما اللغة؛ لأن كلاً منهما مركوز في الأرض، أي: ثابت.

وقال آخرون: وتسمية المعدن بالركاز إن لم توجد في أصل اللغة، فهي شائعة من طرق المقاييس اللغوية.

وفرَّق البعض في ذلك فقالوا بأن الركاز دفين الجاهلية، وأن المعدن دفين أهل الإسلام، وأن المعدن جزء من الأرض من أصل الخلقة، بينما الركاز ليس جزءاً من الأرض وإنما هو دفين مودع فيها بفعل الانسان.

ويرى جمهور العلماء أن الركاز يشمل كل مال رُكِزَ ودفن في الأرض، وخصه الشافعي بالذهب والفضة، وذكروا الفرق بينه وبين اللقطة بالعلامات الدالة عليه من كونها من دفن الجاهلية أو الإسلام[2].

وخلاصة القول: بعد الذكر الموجز للخلاف، أن الركاز لغة: هو المعدن والمال المدفون كلاهما، وشرعاً: هو دفين الجاهلية، وهو ما حققة العلامة الألباني رحمه الله في رسالته أحكام الركاز[3].

مصارف الركاز:

 والخلاف الآخر في مسألة الركاز هو مصارفه، فحيث أن الحديث لم يحدد ذلك فقد اختلف الفقهاء فيه: فمذهب الشافعي وأحمد في رواية عنه أن مصرفه مصرف الزكاة. ومذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في رواية أخرى عنه والجمهور على أن مصرفه كالفيء[4].

علة عدم وجود باب للخمس في الكتب الفقهية عند أهل السنة:

مما سبق يتبين أن جُلَّ ما يُستدل به على مشروعية الخمس آية واحدة، وحديث واحد صحيح، والغنيمة والركاز ليس لهما وجود فِعلي في زماننا هذا فضلاً عن الأزمنة الغابرة غير القريبة يوم أن انتفى أسباب وجودهما. لذا تجد أن مصادر أهل السنة في الفقه وما يتعلق به لا تخصص باباً أو كتاباً مستقلاً في مسألة الخمس، وإنما تجد ذكره عند بيان أحكام الغنائم في إحدى تفريعات أبواب الجهاد أو فيما يتعلق بأحد موارد الزكاة عند الكلام عن أحكام الركاز والمعادن، وهو لا يتجاوز صفحات قليلة.

وكذلك كان حال بعض المتقدمين من الشيعة، فكتاب الكافي للكليني -وهو أعظم كتب الإمامية والذي صنف في عصر الغيبة الصغرى عندهم- لا تجد فيه كتاباً أو باباً مستقلاً في الخمس بل أدرج ما ورد من أخبار الخمس وأحكامه في مواضع متفرقة من الكتاب. وكذلك أغفل بعض قدامى فقهاء الشيعة ذكر سهم الإمام وموارد صرفه كالصدوق وبن زهرة والحلي.بينما تجد عند الشيعة بعد ذلك أبواب خاصة بالخمس في مصنفاتهم تبلغ مئات الصفحات، إلى أن انتهى بهم الأمر إلى وضع مصنفات ورسائل مستقلة في الباب ككتاب الخمس للأنصاري، وكتاب الخمس للحائري، وكتاب الخمس للزنجاني، وكتاب الخمس لأحمد بن محمد القمي، ورسالة الخمس للبهبهاني الحائري، ورسالة الخمس للخوانساري، ورسالة الخمس لمحمد حسن بن الشيخ باقر صاحب الجواهر، وكتاب الخمس للكاظمي، ورسالة الخمس للخاتون آبادي، ورسالة الخمس للمرعشي الحائري الشهير بالشهرستاني، وكتاب الخمس لأبي القاسم الدهقان، ورسالة الخمس للسيد شبر الحويزي، ورسالة الخمس للأصفهاني، ورسالة الخمس لمحسن الأردبيلي، وكتاب الخمس لمحمد بن الحاج الميرزا حسين الطهراني، ورسالة الخمس للميرزا محمود الشهابي، وغيرها. وكل هذا لا يخفى مقاصده على القارئ اللبيب، ولنشرع الآن في الكلام في الخُمُس عند الشيعة.

 

[1] صحيح البخاري (1428)، صحيح مسلم (1710)، سنن أبي داود (3085)، سنن النسائي (2495)، جامع الترمذي (642)، سنن ابن ماجه (2509)، مسند أحمد (7120)، موطأ مالك (585).

[2] انظر: تهذيب اللغة (10/56)، لسان العرب (5/356).

[3] انظر: تمام المنة (376).

[4] انظر: المبسوط للسرخسي (2/211)، التمهيد لابن عبد البر (7/29-30)، المغني لابن قدامة (2/326-329)، المجموع للنووي (5/65).