المراد بالغنيمة في القرآن والسنة: بيان المفهوم الشرعي ورد تحريف الشيعة لمورد الخمس
تُعدّ مسألة الغنيمة من القضايا الشرعية التي تعمّد الشيعة تحريف معناها، توسيعًا لدائرة الخمس وتكريسًا لمورد مالي دائم يخدم مشروعهم المذهبي، مستندين في ذلك إلى فهم لغوي مجرد، أو إلى روايات باطلة لا تثبت عن النبي ﷺ، ولا يعرفها أهل الحديث ولا الفقه عند أهل السنة والجماعة.
إن المنهج السني القائم على الالتزام بدلالة النص الشرعي بفهم السلف الصالح يقرر أن الغنيمة مصطلح شرعي توقيفي، لا يجوز إخراجه عن معناه الذي قيده به الشرع، ولا حمله على عمومه اللغوي في مسائل العبادات والأحكام. وقد دلّ القرآن والسنة والإجماع العملي للصحابة على أن الغنيمة إنما تطلق على المال الذي يؤخذ من الكفار عنوةً حال قيام القتال، لا على مطلق المكاسب أو الأرباح كما زعم الشيعة.
وقد استغل الشيعة عموم لفظ ﴿غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾ ليُدخلوا فيه كل مال مكتسب، مخالفين بذلك سياق الآية، وسبب نزولها، واستعمال النبي ﷺ والصحابة لها، وهو ما يكشف بجلاء عن منهجهم القائم على ليّ أعناق النصوص لخدمة أغراض مذهبية ومالية، لا علاقة لها بالإسلام الذي جاء به محمد ﷺ.
ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال الذي يهدف إلى بيان المراد بالغنيمة شرعًا، وذكر الفرق بينها وبين الفيء، مع الاستدلال من السنة المطهرة، وتفنيد الدعوى الشيعية الباطلة التي وسّعت مفهوم الغنيمة بغير حق.
قالوا: إن المراد بقوله تعالى:
﴿غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾ مال الكفار إذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر. واللغة لا تقتضي هذا التخصيص، ولكن عرف الشرع قيد اللفظ بهذا النوع، وقد سمَّى الشرع الواصل من الكفار إلينا من الأموال باسمين: غنيمة وفيئاً. فالشيء الذي يناله المسلمون من عدوهم بالسعي وإيجاف الخيل والركاب يسمى غنيمة، وهذا الاسم قد لزم هذا المعنى حتى صار عرفاً.
والفيء ما كان عن صلح بغير قتال، كفيء بني النضير الذين نزلوا على حكم النَّبي صلى الله عليه وسلم ومكنَّوه من أنفسهم وأموالهم يفعل فيها ما يشاء لشدة الرعب الذي ألقاه الله في قلوبهم، ورضي لهم صلى الله عليه وسلم أن يرتحلوا بما يحملون على الإبل غير السلاح.
وعلى هذا اتفق أرباب سائر الكتب الفقهية واللغوية عند أهل السنة ومن نحا نحوهم من أن الغنيمة اصطلاحا هي ما نيل من أهل الشرك عنوة، أي: قهرًا أو غلبة والحرب قائمة، وحكمها أن تخمّس[1].
ولا عبرة بحمل الألفاظ على محاملها اللغوية في المسائل الشرعية التوقفية.
ويرى بعض المحققين من أهل الأصول من أن اللفظ العام قد يكون القصد به إلى معنى مخصوص بقرائن وإمارات ترشد إليه فيقتصر عليه، ولو كان اللفظ متناولاً لغيره، لذا نجد بعض المفسرين آثر عدم الكلام في الآية المذكورة بحجة أن موضوع الغنائم بجملته ليس واقعاًإسلامياً يواجهنا اليوم أصلاً وذلك لغياب الدولة المسلمة والإمامة المسلمة والأمة المسلمة التي تجاهد في سبيل الله، ثم تقع لهم غنائم تحتاج إلى التصرف فيها، مما يؤكد على حصر مورد الخمس في الآية بغنائم الحرب دون سواها.
وفي السنة المطهرة شواهد عدة على حمل مفهوم الغنيمة على ما ذكرناه، منها:
◘ قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ، وأحلت لي الغنائم، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة، وأعطيت الشفاعة"[2].
◘ وقوله صلى الله عليه وسلم: "لم تحل الغنائم لأحد من قبلنا ذلك بأن الله تبارك وتعالى رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا"[3].
وهذه الأحاديث وغيرها تدل على الحصر المذكور، فضلاً عن أن سياق الآية يدل على ذلك لكونها نزلت في غزوة بدر وما غنمه المسلمين فيها بالاتفاق، مع العلم أنها الآية الوحيدة في مسألة الخمس.
[1] انظر: أحكام القرآن لابن العربي (2/377)، تبيين الحقائق (9/298)، الكافي في فقه أهل المدينة (216).
[2] صحيح البخاري (427). وانظر الرواية من طرق الشيعة في: تذكرة الفقهاء، للعلامة الحلي (9/120)،بحار الأنوار (8/38)، منتهى المطلب، للعلامة الحلي (1/544)،ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، للشهيد الأول (3/116)،غنائم الأيام، للميرزا القمي (4/283)،الأمالي، للطوسي (484)،جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (3/53).
[3] صحيح مسلم (1747).