كيفية قسمة الغنائم والمراد بذوي القربى: التأصيل السني وفضح تحريف الشيعة لأحكام الخمس
تُعَدّ مسألة قسمة الغنائم وتحديد المراد بذوي القربى من أكثر أبواب الفقه التي تعرّضت للتحريف عند الشيعة، حيث استُغلت نصوص الخمس لتكريس امتيازات سلالية ومكاسب مالية دائمة لا تقوم على دليل صحيح من القرآن ولا السنة، بل على روايات موضوعة وتأويلات متكلفة تخالف فهم الصحابة والسلف الصالح.
إن المنهج السني القائم على الاحتكام إلى النصوص الثابتة بفهم الأئمة المعتبرين يبيّن أن الخمس حكمٌ شرعيٌّ محدد المورد والمصرف، وأن قسمة الغنائم خاضعة لنصوص واضحة وأقوال فقهية معتبرة، لا مجال فيها للهوى ولا للتوسّع اللغوي المبتور. وقد نقل أهل العلم أقوال الأئمة في قسمة خمس الغنيمة، واختلفوا اختلافًا فقهيًا سائغًا، دون أن يجعلوا الخمس موردًا دائمًا خارج سياق الحرب الشرعية.
وفي المقابل، عمد الشيعة إلى تحريف معنى ذوي القربى وحصره في أئمتهم وذرياتهم، ثم بنوا على ذلك استحقاقًا ماليًا دائمًا باسم الخمس، متجاهلين الخلاف الفقهي المعتبر، وسياق النص، وعمل النبي ﷺ والخلفاء من بعده، وهو ما يكشف عن منهج وضعي لا يمت إلى الإسلام بصلة.
ومن هنا تأتي هذه الدراسة لبيان كيفية قسمة الغنائم في الفقه السني، وشرح أقوال العلماء في المراد بذوي القربى، مع ردّ التحريف الشيعي وكشف مخالفته للكتاب والسنة والإجماع.
القول الأول:
الخمس يخمَّس؛ فسهم لرسول الله، وسهم لذوي قرباه، وثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل. وهذا القول هو القول المشهور.
وأما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فعند الإمام الشافعي رحمه الله: أنه يقسم على خمسة أسهم: سهم لرسول الله يصرف إلى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين، كعدة الغزاة من الكراع والسلاح، وسهم لذوي القربى من أغنيائهم وفقرائهم؛ يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، والباقي للفرق الثلاثة وهم: اليتامى، والمساكين، وابن السبيل.
وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله:
إن بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم سهمه ساقط بسبب موته، وكذلك سهم ذوي القربى، وإنما يعطون لفقرهم أسوة بسائر الفقراء، ولا يعطى أغنياؤهم، فيقسم على اليتامى والمساكين وابن السبيل.
وقال الإمام مالك:
الأمر في الخمس مفوض إلى رأي الإمام إن رأى قسمته على هؤلاء فعل، وإن رأى إعطاء بعضهم دون بعض فله ذلك.
والقول الثاني:
أن خمس الغنيمة يقسم على ستة أقسام:
فواحد منها لله، وواحد لرسول الله، والثالث لذوي القربى، والثلاثة الباقية لليتامى والمساكين وابن السبيل.وهذا القول هو قول أبي العالية.
قالوا: والدليل عليه أنه تعالى جعل خمس الغنيمة لله، ثم للطوائف الخمسة.
ثم القائلون بهذا القول منهم من قال: يصرف سهم الله إلى الرسول، ومنهم من قال: يصرف إلى عمارة الكعبة. وقال بعضهم: إنه عليه السلام كان يضرب يده في هذا الخمس، فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة، وهو الذي سمى لله تعالى.
والقائلون بالقول الأول أجابوا عنه: بأن قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ ليس المقصود منه إثبات نصيب لله، فإن الأشياء كلها ملك لله، وإنما المقصود منه افتتاح الكلام بذكر الله على سبيل التعظيم، كما في قوله: ﴿قُلِ الانفال لِلَّهِ والرسول﴾، واحتج القفال على صحة هذا القول بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لهم في غنائم خيبر: "مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم"[1]، فقوله: (مالي إلا الخمس) يدل على أن سهم الله وسهم الرسول واحد[2].
هذا هو الكلام في قسمة خمس الغنيمة، وأما الباقي وهو أربعة أخماس الغنيمة فهي للغانمين.
المقصود بذوي القربى:
فمن قائل أنهم قريش كلها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214] دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا فاجتمعوا، فعم وخص فقال: (يا بني كعب بن لؤي! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبدالمطلب! أنقذوا أنفسكم من النار)[3]الحديث.
ومن قائل: أنهم بنو هاشم. وهو قول مجاهد وعلي بن الحسين، ومالك والثوري والأوزاعي وغيرهم.
ومن قائل: هم بنو هاشم وبنو المطلب[4]. واحتج بما ثبت في البخاري والنسائي عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: (لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذي القربى بين بني هاشم وبني المطلب أتيته أنا وعثمان بن عفان فقلنا: يا رسول الله! هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله به منهم، أرأيت بني المطلب أعطيتهم ومنعتنا، فإنما نحن وهم منك بمنزلة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد. وشبَّك بين أصابعه)[5]. وهذا قول الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور ومجاهد وقتادة وابن جريج ومسلم بن خالد.
وقيل: هم آل علي، وجعفر، وعقيل، وآل عباس، وولد الحارث بن عبد المطلب. وهذا قول أبي حنيفة[6].
هذا ما كان من شأن ذكر الاستدلال على مشروعية الخمس من الكتاب وبيان موارده ومصارفه.
[1] سنن أبي داود (2755)، سنن النسائي (3688).
[2] انظر: التمهيد (14/68-69)، الحاوي الكبير (8/429)، المجموع للنووي (19/371-373)، المغني لابن قدامة (6/314).
[3] صحيح مسلم (204).
[4] (المطلب) هو أخو هاشم، عم عبد المطلب.
[5] موطأ مالك (585)، مسند أحمد (16787)، صحيح البخاري (1428)، صحيح مسلم (1710)، سنن أبي داود (2980)، سنن النسائي (4137)، جامع الترمذي (642)، سنن ابن ماجه (2509).
[6] انظر: المغني لابن قدامة (2/274)، بدائع الصنائع (2/157)، مواهب الجليل (2/345)، مغني المحتاج (3/112).