تحريف الروايات القرآنية عند الشيعة:

 كشف زيف ادعاءات خطأ المصاحف

في عالم مليء بالتحريفات والروايات الملفقة، برزت بعض الفرق التي تحاول الطعن في القرآن الكريم والإسلام الصحيح عبر نشر أحاديث باطلة أو محرفة لتحقيق أغراض سياسية ودينية ضيقة. ومن أبرز هذه الفرق الشيعة، الذين غالبًا ما ينسبون أقوالا للروايات النبوية والصحابة والتابعين بطريقة غير دقيقة أو مختلقة، مستغلين ضعف بعض الإسنادات أو الجهل بتاريخ الرواية. أن الهدف من هذه المقالة هو كشف زيف تلك الروايات التي يُزعم أنها تدل على خطأ أو لحن في القرآن الكريم، مثل الرواية التي نسبوها إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حول قوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ و﴿إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ. سنوضح الأدلة العقلية والنقلية التي تبين بطلان هذه الروايات، وتكشف عن محاولات الطعن في قدسية القرآن الكريم، مع التأكيد على أن كل هذا لا ينال من ثبوت القرآن وتواتره بين المسلمين عبر الأجيال، وأن الصحابة والتابعون رضي الله عنهم كانوا أقدر الناس على ضبط النص القرآني وفهمه وإيصاله بدون أي تحريف.

نص الروايات:

(1) شبهة أبو معاوية:

عن هشام بن عروة عن أبيه إنه سأل عائشة عن قوله والمقيمين الصلاة عن لحن القرآن ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والصائبون (المائدة69) والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة و﴿إن هذان لساحران (طه63) فقالت يا ابن أختي هذا عمل الكتاب أخطأوا في الكتاب» (الدر المنثور2/745 الإتقان1/536 تفسير الطبري6/25).

هذه الرواية قد طعن بها أكثر من عالم والرد على هذه الرواية من أقوال العلماء من عدة وجوه:

قال الأستاذ قدوري في "رسم المصحف":

 "وقد تحدَّث العلماء عن هذه الأخبار، وما قِيلَ في معناها، فضعَّف بعضهم روايتها، وردَّها لذلك، وتأوَّل بعضهم ما ورد فيها من معنى الخطأ واللحن.

يقول السيوطي:

وهذه الآثار مشكلة جدًّا، وكيف يظن بالصحابة أولًا أنهم يلحنون في الكلام فضلًا عن القرآن وهم الفصحاء اللُّذُّ.

ثم كيف يُظَنُّ بهم ثانيًا في القرآن الذي تلقَّوْه من النبي -صلى الله عليه وسلم- كما أنزل وحفظوه وضبطوه وأتقنوه!

ثم كيف يظن بهم ثالثًا اجتماعهم كلهم على الخطأ وكتابته!

ثم كيف يظن بهم رابعًا عدم تنبههم ورجوعهم عنه!

ثم كيف يظن بعثمان إنه ينهى عن تغييره!

ثم كيف يظن أن القراءة استمرَّت على مقتضى ذلك الخطأ وهو مروي بالتواتر خلفًا عن سلف!

هذا مما يستحيل عقلًا وشرعًا وعادة.

... وقد ردَّ أبو بكر الأنباري الأخبار المرويَّة عن عثمان بن عفان في ذلك -كما ينقل السيوطي- وهي عنده "لا تقوم بها حجة؛ لأنها منقطعة غير متصلة".

كذلك هو ينفي أن يكون معنى قوله: "أرى فيه لحنًا" أرى في خطه لحنًا، إذا أقمناه بألسنتا كان لحن الخط غير مفسد، ولا محرف من جهة تحريف الألفاظ، وإفساد الإعراب، لأن الخط منبئ عن النطق، فمَنْ لحن في كتبه فهو لاحن في نطقه، ولم يكن عثمان ليؤخِّر فسادًا في هجاء ألفاظ القرآن من جهة كتب ولا نطق.

ونقل السيوطي أيضًا:

 رأي ابن أشتة في الأخبار المروية عن عثمان، وما يذهب إليه في توجيهها، فيروي إنه قال: لعلَّ من روى تلك الآثار السابقة عنه حرَّفَها ولم يتقن اللفظ الذي صدر عن عثمان، فلزم منه ما لزم من الإشكال، فهذا أقوى ما يجاب عن ذلك.

ويقول السيوطي:

إن تلك الأجوبة لا يصلح منها شيء في الإجابة عن حديث عائشة، ثم ينقل ما قاله ابن أشتة في ذلك، وتبعه فيه ابن جبارة "أحمد بن محمد المقدسي ت728هـ" في شرح الرائية، بأن معنى قولها: "أخطأوا"، أي: في اختيار الأَوْلَى من الأحْرُف السبعة لجمع الناس عليه، لا أن الذي كتبوا من ذلك خطأ لا يجوز.

وتناول أبو عمرو الداني تلك الأخبار بالنقد والتوجيه، فقال عن الخبر الذي يروى عن عثمان: "هذا الخبر عندنا لا تقوم بمثله حجة.

ولا يصح به دليل من جهتين:

إحداهما: إنه مع تخليط في إسناده واضطراب في ألفاظه مرسَل؛ لأن ابن يعمر وعكرمة لم يسمعها من عثمان شيئًا ولا رأياه، وأيضًا، فإن ظاهر ألفاظه ينفي وروده عن عثمان -رضي الله عنه- لما فيه من الطَّعن عليه من محله من الدين، ومكإنه من الإسلام، وشدة اجتهاده في بذل النصيحة، واهتباله بما فيه الصلاح للأمة".

ثم يوجه معنى اللحن في الخبر -لو صحَّ- بأن المراد به التلاوة دون الرسم، إذ كان كثير منه لو تُلِيَ على حال رسمه لانقلب بذلك معنى التلاوة، وتغيَّرت ألفاظها من مثل: "أو لا أذبحنه" وما شاكله.

ويرى الداني في قول عثمان -رضي الله عنه- في آخر هذا الخبر: "لو كان الكاتب من ثقيف، والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه الحروف".

الثاني أن معناه: لم توجد فيه مرسومة بتلك الصور المبنية على المعاني دون الألفاظ المخالفة لذلك، إذ كانت قريش ومن ولي نسخ المصاحف من غيرها قد استعملوا ذلك في كثير من الكتابة، وسلكوا فيها تلك الطريقة، ولم تكن ثقيف وهذيل مع فصاحتهما يستعملان ذلك، فلو أنهما وليتا من أمر المصاحف ما وليه من تقدَّم من المهاجرين والأنصار لرسمتا جميع تلك الحروف على حال استقرارها في اللفظ، ووجودها في المنطق دون المعاني والوجوه، إذ أن ذلك هو المعهود عندهما، والذي جرى عليه استعمالها.

وتحدَّث الداني عن الخبر المروي عن أم المؤمنين عائشة وقال في تأويله: أن عروة لم يسأل عن حروف الرسم التي تزاد وتنقص، وإنما سألها عن حروف القراءة المختلفة الألفاظ، المحتمِلَة الوجوه على اختلاف اللغات، مما أذن الله -عز وجل- في القراءة به، ومن ثَمَّ فليس ما جاء في الخبر من الخطأ أو اللحن بداخل في معنى المرسوم، ولا هو من سببه في شيء، وإنما سَمَّى عروة ذلك لحنًا، وأطلقت عائشة على مرسومه الخطأ على جهة الاتساع في الأخبار، وطريق المجاز في العبارة" أ. هـ.

دراسات في علوم القران لمحمد بكر اسماعيل جزء 1 صفحة 130

قول ابن تيمية في "مجموع الفتاوى":

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى": 15 / 252 - 256: " وهذا الكلام ممتنع لوجوه:

منها: تعدد المصاحف واجتماع جماعة على كل مصحف، ثم وصول كل مصحف إلى بلد كبير فيه كثير من الصحابة والتابعين + يقرءون القرآن، ويعتبرون ذلك بحفظهم، والإنسان إذا نسخ مصحفا غلط في بعضه عرف غلطه بمخالفة حفظة القرآن وسائر المصاحف، فلو قدر إنه كتب كاتب مصحفا ثم نسخ سائر الناس منه من غير اعتبار للأول والثاني أمكن وقوع الغلظ في هذا، وهنا كل مصحف إنما كتبه جماعة، ووقف عليه خلق عظيم ممن يحصل التواتر بأقل منهم، ولو قدر أن الصحيفة كان فيها لحن فقد كتب منها جماعة لا يكتبون إلا بلسان قريش، ولم يكن لحنا، فامتنعوا أن يكتبوه بلسان قريش، فكيف يتفقون كلهم على أن يكتبوا: "إن هذان" وهم يعلمون أن ذلك لحن لا يجوز في شيء من لغاتهم، كما زعم بعضهم؟!...

 وأيضا: فإن القراء إنما قرأوا بما سمعوه من غيرهم، والمسلمون كانوا يقرءون سورة "طه" على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وهي من أول ما نزل من القرآن، وهي مكية باتفاق الناس.. فالصحابة لابد أن قرءوا هذا الحرف، ومن الممتنع أن يكونوا كلهم قرءوه بالياء كأبي عمرو، فإنه لو كان كذلك لم يقرأها أحد إلا بالياء فعلم أنهم أو غالبهم كانوا يقرءونها بالألف كما قرأها الجمهور... فهذا مما يعلم به قطعا أن عامة الصحابة إنما + قرءوها بالألف كما قرأ الجمهور، وكما هو مكتوب... ".

الأثر الثاني: عن أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: "سألتُ عائشة عن لحن القرآن: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ، وعن قوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ، وعن قوله: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ؛ فقالت: يا ابن أُختي هذا عمل الكُتَّاب أخطأوا في الكتاب ".

وهذا القولُ الذي أشارت إليه الروايتان وأمثالهما، ممّا يفيد أن في القرآن لحناً، ونحو ذلك، قد عرض له علماؤنا - قديما وحديثا - ووجّهوا إليه سهام نقدهم من جهات متعذد -.

فهذه الروايات اتخذها أعداءُ الإسلام ذريعة للطعن فيه، والقدماء عندما ذكروها ما قصدوا الطعن في القرآن الكريم.