لا وأيم الله أن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها (قول زيد بن أرقم)

تُعدّ مسألة تحديد من هم “أهل بيت النبي ﷺ” من القضايا التي كثر حولها الجدل، خاصة مع اعتماد بعض الطروحات على فهم جزئي لبعض الروايات، أو الاستدلال بنصوص محتملة دون جمعها مع غيرها من الأدلة الصحيحة. وقد أدى ذلك إلى ظهور تفسيرات غير دقيقة، بل أحيانًا متناقضة، في فهم هذا المفهوم الشرعي المهم.

ومن أبرز النصوص التي يُستدل بها في هذا الباب حديث الصحابي زيد بن أرقم رضي الله عنه في صحيح مسلم، والذي ورد فيه كلام قد يُفهم منه حصر أهل البيت في أقارب النبي ﷺ من جهة النسب دون زوجاته، بينما جاءت نصوص أخرى صحيحة وصريحة تثبت دخول زوجات النبي ﷺ في أهل بيته.

وتكمن أهمية هذا الموضوع في ضرورة فهم النصوص الشرعية فهمًا متكاملًا، يجمع بين الروايات ولا يضرب بعضها ببعض، وفق منهج أهل الحديث في الجمع والترجيح، لا الانتقاء والاستدلال الجزئي.

في هذا المقال، سنعرض حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه، ونحلل ألفاظه، ونبين كيفية الجمع بينه وبين بقية الأحاديث الصحيحة من صحيح صحيح البخاري وصحيح مسلم، مع توضيح المعنى الصحيح لمفهوم “أهل البيت” في ضوء النصوص الشرعية.

عن يزيد بن حيان قال:

«انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم فلما جلسنا إليه قال له حصين لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت خلفه لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا ابن أخي والله لقد كبرت سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فما حدثتكم فاقبلوا وما لا فلا تكلفونيه ثم قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال أما بعد إلا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي فقال له حصين ومن أهل بيته؟ يا زيد أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده قال وهم؟ قال هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس قال كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال نعم».

رواه مسلم4/1873 رقم2408 وفي رواية عند مسلم أيضًا:

«فقلنا من أهل بيته؟ نساؤه؟ قال لا وايم الله أن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده».

قد يبدو ظهور شيء مما يوهم التناقض في كلام زيد. ولعل قوله (لا) كما في الرواية الأخرى لا يعني النفي المطلق. بدليل قوله في الرواية الأخرى (نساؤه من أهل بيته). وإنما اراد نفي أن يفهم منه النساء فقط. ولذلك أتبع كلامه بإضافة آل العباس وجعفر وآل عقيل.

وعلى كل حال فهذا كلام قاله زيد بن الأرقم في وقت كبر فيه ونسي. ولا يكون هذا القول منه حجة نقدمها تلزمنا مع مخالفتها لما ورد في القرآن والسنة.

وقوله (إن المرأة تكون مع الرجل...) هذا في حال طلقها. فإن لم يطلقها فإنها تبقى من أهله ما دامت على عهدته. وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يطلق عائشة ولا حفصة ولا أم حبيبة. بل مات وهو عنهن راض.

فلا تقوم الحجة بقول غير المعصوم مما يظهر تناقضه.

وتبقى الحجة في هذه الأقوال النبوية الواضحة:

قال رسول الله e في حادثة الإفك «من يعذرنا من رجل بلغني إذاه في أهل بيتي فوالله ما أعلم عن أهل بيتي إلا خيرا» (رواه البخاري رقم2494).

وكان رسول الله e يقول لعائشة «السلام عليكم أهل البيت»

(البخاري7/1575).

وفي رواية أنس أن رسول الله e جعل يمر على نسائه فيسلم على كل وأحدة منهن ويقول «سلام عليكم كيف أنتم يا أهل البيت فيقولون بخير يا رسول الله»

(صحيح مسلم رقم1428).

5273- حدثنا عثمان حدثنا جرير عن منصور عن إبراهيم ثم قلت للأسود هل سألت عائشة أم المؤمنين عما يكره أن ينتبذ فيه فقال نعم قلت يا أم المؤمنين عم نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن ينتبذ فيه قالت نهانا في ذلك أهل البيت أن ننتبذ في الدباء والمزفت»

(صحيح البخاري رقم5273 ومسلم رقم1995).

قالت عائشة: «إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة» (حسن الحافظ في الفتح3/356 والهيثمي (مجمع الزوائد3/90) إسناده.

وقالها الرسول من قبل للحسن بن علي (مسلم1069) وهذا يرد قول زيد (على فرض تناقض قوله).

وعلمنا r أيضًا أن نقول «اللهم صل على محمد وآل محمد» وفي لفظ «اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته» (البخاري).