حكم منكري القياس في الإسلام: مناقشة علمية لكلام إمام الحرمين وردّ الإمام الذهبي

يُعدّ القياس أحد الأصول الاجتهادية المهمة في علم أصول الفقه، وقد اعتمد عليه جمهور العلماء في استنباط الأحكام الشرعية في النوازل التي لا نص فيها. ومع ذلك، ظهرت بعض الاتجاهات التي أنكرت القياس أو قلّلت من شأنه، ومن أبرزها ما نُقل عن بعض أتباع المدرسة الظاهرية.

وقد تناول هذه المسألة عدد من العلماء، من أبرزهم أبو المعالي الجويني، حيث قرر أن منكري القياس لا يُعدّون من علماء الأمة، معتبرًا أن كثيرًا من الشريعة يعتمد على الاجتهاد والقياس. إلا أن هذا القول لم يمر دون مناقشة، حيث علّق عليه الذهبي مبينًا أن المسألة اجتهادية، وأن الحكم بتخطئة المخالف لا يعني إخراجه من دائرة العلم أو الدين.

كما أن علماء آخرين مثل ابن الصلاح وابن باز، تناولوا هذه المسألة بميزان دقيق، فقرروا أن القياس الصحيح معتبر عند جمهور الأمة، لكنه لا يُلجأ إليه إلا عند عدم وجود النصوص، وإنه لا يجوز إطلاق الأحكام الجازمة التي تؤدي إلى إقصاء المخالف دون تفصيل.

يهدف هذا المقال إلى عرض هذه المسألة عرضًا علميًا، وبيان أقوال العلماء فيها، ومناقشة الشبهة، مع توضيح الفرق بين الخلاف الاجتهادي والأحكام القطعية في العقيدة.

الشبهة:

وقال إمام الحرمين أبو المعالي: الذي ذهب إليه أهل التحقيق:

أن منكري القياس لا يعدون من علماء الأمة، ولا من حملة الشريعة؛ لأنهم معاندون مباهتون فيما ثبت استفاضة وتواترا، لأن معظم الشريعة صادر عن الاجتهاد، ولا تفي النصوص بعشر معشارها، وهؤلاء ملتحقون بالعوام.

سير اعلام النبلاء / تاريخ الإسلام للذهبي

الجواب:

قال الإمام الذهبي:

قلت: قول أبي المعالي رحمه الله فِيهِ بعض ما فِيهِ، فإنّما قاله باجتهاد، ونَفْيهم للقياس أيضًا باجتهاد، فكيف يُرَدّ الاجتهاد بِمِثْلِهِ؟ نعم، وأيضًا فإذا لم يُعْتَدّ بخلافهم لزمنا أن نقول: إنهم قد خرقوا الإجماع، ومن خالف الإجماع يُكَفَّر وَيُقْتَل حدا لعناده، فَإِن قلتم: خالفوا الإجماع بتأويل سائغ، قُلْنَا: فهذا هُوَ المجتهد، فلا نقول يجوز تقليده، إنما يحكى قوله، مع أن مذهب القوم إنه لا يحلّ لأحد أن يقلّدهم ولا أن يقلّد غيرهم، فلأن نحكي خلافهم ونعدُّه قولًا أهْوَن وأسلم من تكفيرهم.

ونحن نحكي قول ابنِ عَبَّاس فِي الصرف، والمُتْعَة، وقول الكوفيين فِي النّبيذ، وقول جماعة من الصّحابة فِي ترك الغُسْلِ من الْجِماع بلا إنزال، ومع هَذَا فلا يجوز تقليدهم فِي ذلك.

فهؤلاء الظاهرية كذلك، نعتد بخلافهم، فإنْ لم نفعل صار ما تفرّدوا به خارقًا للإجماع، ومن خرق الإجماع المتيقَّن فقد مَرَقَ مِن المِلَّة. لكنّ الإجماع المتيقَّن هُوَ ما عُلِم بالضرورة من الدّين: كوُجُوب رمضان، والحجّ، وتحريم الزِّنا والسَّرِقة، والرِّبا، واللِّواط.

والظاهرية فلهم مسائل شنيعة، لكنّها لا تبلغ ذلك، والله أعلم.

وقال الإمام أبو عمرو ابن الصلاح: الذي اختاره الأستاذ أبو منصور وذكر إنه الصّحيح من المذهب إنه يعتبر خلاف داود.

قال ابن الصلاح: وهذا هو الذي استقر عليه الأمر آخرا كما هُوَ الأغلب الأعرف من صَفْو الأئمّة المتأخرين الذين أوردوا مذهب دَاوُد فِي مصنّفاتهم المشهورة، كالشيخ أبي حامد، والماوَرْديّ، وأبي الطّيّب، فلولا اعتدادهم به لَمَا ذكروا مذهبه فِي مصنَّفاتهم.

قال: وأرى أن يُعتبر قوله إلا فيما خالف فِيهِ القياس الجليّ، وما أجمع عليه القياسون من أنواعه، أو بناه على أصوله الّتي قام الدليل القاطع على بطلانها، فاتفاق من سواه إجماع منعقد، كقوله في التَّغَوُّط فِي الماء الرّاكد، وتلك المسائل الشنيعة، وقوله لا ربا إلا في الستة المنصوص عليها، فخلافه فِي هَذَا ونحوه غير مُعْتَدّ به، لإنه مبنيّ على ما يقطع ببطلانه، والله أعلم.

تاريخ الإسلام ج 6 ص 327

قال ابن باز رحمه الله:

فإن الأدلة الشرعية في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ثم إجماع سلف الأمة، ثم القياس الصحيح الذي تتوافر فيه الشروط، فالجمهور على أن القياس الصحيح الذي تتوافر فيه الشروط يعتمد إذا لم يوجد دليل من الكتاب والسنة والإجماع، وهذه المسائل مسائل عبادة تتلقى عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، ليست محل القياس، القياس في مسائل الأحكام في الفروع، أما العبادات فهي محل توقيف ليست محل قياس.

فتاوى نور على الدرب 13 ص 359