تُثار أحيانًا شبهات حول علم الصحابة رضي الله عنهم، ومن ذلك الادعاء بأن بعضهم لم يكن على دراية ببعض الأحكام الشرعية، ويُستدل على ذلك بما نُقل عن الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه في مسألة الكلالة. غير أن هذه القضية تحتاج إلى دراسة علمية دقيقة، بعيدًا عن التعميم أو الفهم المجتزأ للنصوص.
فقد ثبت في كتب السنة أن أبا بكر رضي الله عنه اجتهد في مسألة الكلالة، وبيّن رأيه فيها قائلاً: “فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي”، وهو منهج يدل على الورع والاجتهاد العلمي لا على الجهل بالحكم. وقد قرر العلماء أن الصحابة كانوا يجتهدون في المسائل التي لم يرد فيها نص صريح، وكانوا يتفاوتون في الاجتهاد، مع بقاء مكانتهم العلمية والدينية رفيعة.
وقد علّق عدد من أهل العلم على هذه الروايات، ومنهم البيهقي والألباني، موضحين أن مثل هذه الروايات لا تُفهم على إنها طعن في علم الصحابة، بل هي دليل على منهجهم في الاجتهاد والتثبت.
ويهدف هذا المقال إلى توضيح حقيقة هذه الشبهة، وبيان موقف أهل السنة من اجتهادات الصحابة، مع تحليل علمي لمسألة الكلالة، وبيان الفرق بين الاجتهاد والخطأ في الفروع، بأسلوب يناسب الباحثين وطلاب العلم.
أن أبا بكر كان يجهل حكم الكلالة وغيرها من أحكام الشرع:
أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا يحيى بن أبي طالب نا يزيد بن هارون نا عاصم الأحول عن الشعبي قال سئل أبوبكر عن الكلالة؟ فقال إني سأقول فيها برأي فإن يكن صواباً فمن الله وإن يكن خطاً فمني ومن الشيطان أراه ما خلا الولد والوالد فلما إستخلف عمر قال إني لأستحي الله أن أرد شيئاً قاله أبوبكر»
إسناده صحيح.
رواه البيهقي في (السنن الكبرى6/223). وصححه الألباني (سلسلة الضعيفة رقم4653).
ومسألة الجد الذي جعله أبو بكر أبا يمنع الأعمام كما أن الأب يمنع الإخوة هو قول صحيح. لا سيما وأن المسلمين قد اتفقوا على أن الجد الأعلى يقدم الأعمام، فكذلك الجد الأدنى يقدم على الإخوة. لأن نسبة الإخوة إلى الجد الأدنى كنسبة الأعمام إلى الجد الأعلى.
وكذلك مسألة الكلالة لا تدل على عدم علم أبي بكر، بل هذا التفحص والتحقيق يدل على أن أبا بكر الصديق كان يراعي في أحكام الدين كمال الاحتياط ويعمل في قواعد الشريعة بشرائط الاهتمام التام. ولهذا لما أظهر المغيرة مسألة الجدة سأله: هل معك غيرك؟ وإلا فليس التعدد شرطاً في الرواية، فهذا الأمر في الحقيقة منقبه عظمى له.
بل هو من أعظم علمه. فإن الرأي الذي رآه في الكلالة متفق عليه بين جماهير العلماء، فإنهم أخذوا في الكلالة بقول أبي بكر، وهو من لا ولد له ولا والد، والقول بالرأي هو معروف عن سائر الصحابة، كأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وابن مسعود وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل، لكن الرأي الموافق للحق هو الذي يكون لصاحبه أجران، كرأي الصدِّيق، فإن هذا خير من الرأي الذي غاية صاحبه أن يكون له أجر وأحد. وقد قال قيس بن عُبَاد لعليّ: «أرأيت مسيرك هذا: ألعهد عهده إليك رسول الله أم رأى رأيته؟ فقال: بل رأى رأيته».
(مسند أحمد1271 وصححه الأرناؤوط).
فالنبي قد اجتهد وهو الذي يتنزل عليه الوحي من السماء.
فالأقوال التي خولف فيها الصديق بعد موته قوله فيها أرجح من قول من خالفه بعد موته وطرد ذلك الجد والإخوة فإن قول الصديق وجمهور الصحابة وأكابرهم إنه يُسقط الإخوة. وهو قول طوائف من العلماء.
وهو القول الراجح الذي تدل عليه الأدلة الشرعية من وجوه كثيرة
والذين قالوا بتوريث الإخوة مع الجد كعلي وزيد وابن مسعود اختلفوا اختلافا معروفا وكل منهم قال قولا خالفه فيه الآخر وانفرد بقوله عن سائر الصحابة. وقد شبهوا مشاركة الإخوة للجد بأصل شجرة خرج منها فرع، خرج منه غصنان. ومضمون هذه الحجة أن الإخوة أقرب إلى الميت من الجد.
وهذا التشبيه لا يقاوم قول أبي بكر، فإنها لو كانت صحيحة لكان بنو الأخ أولى من الجد، ولكان العم أولى من جد الأب. فإن نسبة الأخوة من الأب إلى الجد أبي الأب: كنسبة الأعمام بني الجد إلى الجد الأعلى - جد الأب – فلما أجمع المسلمون على أن الجد الأعلى أولى من الأعمام كان الجد الأدنى أولى من الإخوة. وهذا ما يرجح قول أبي بكر على من خالفه.
ولا ننسى أن المنكرين على أبي بكر هم الرافضة المتوسعين في الرأي في مقابل النصوص وهم الذين يقدمون العقل على النقل.