دراسة نقدية لروايات بعث أبي بكر في خيبر: تحليل الأسانيد وبيان اضطراب النقل في كتب الحديث

تُعد دراسة الروايات التاريخية والحديثية المتعلقة بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموضوعات التي حظيت باهتمام كبير عند المحدثين، حيث حرصوا على التثبت من كل ما يُنسب إلى الصحابة رضوان الله عليهم، باستخدام منهج علمي دقيق يقوم على نقد السند والمتن.

ومن بين هذه الروايات ما ورد في أحداث غزوة خيبر، والتي ارتبطت بعدد من الأخبار التي تتحدث عن مواقف بعض الصحابة، ومنهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه. وقد تنوعت طرق هذه الروايات واختلفت ألفاظها، مما دفع العلماء إلى فحص أسانيدها ومقارنتها، للكشف عن درجة صحتها أو ضعفها.

ويهدف هذا المقال إلى دراسة الروايات المنسوبة إلى بعث أبي بكر رضي الله عنه في هذه الغزوة، مع تحليل أسانيدها وفق قواعد الجرح والتعديل، وبيان أقوال أئمة الحديث في رواتها، إضافة إلى مقارنة الطرق المختلفة، للكشف عن وجود اضطراب أو اختلاف مؤثر في النقل.

أن النبي بعث أبا بكر فرجع منهزما:

حدثنا عباد بن يعقوب قال: «ثنا عبد الله بن بكير قال: نا حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر أحسبه: أبا بكر فرجع منهزما ومن معه فلما كان من الغد بعث عمر فرجع منهزما يجبن أصحابه ويجبنه أصحابه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله لا يرجع حتى يفتح الله عليه. فثار الناس فقال: أين علي؟ فإذا هو يشتكي عينه فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينه ثم دفع إليه الراية فهزها ففتح الله عليه»

الحكم على الرواية:

هذا إسناد موضوع وفيه علتان.

(الأولى) عبد الله بن حكيم بن جبير. قال أبو زرعة «ترك حديثه» وقال أبو حاتم: «ذاهب الحديث» وقال أبو أحمد الحاكم «ليس بالقوي عندهم» وقال الحاكم «روى عن أبي خالد والأعمش والثوري أحاديث موضوعة» (لسان الميزان3/278).

(الثانية): حكيم بن جبير قال إبراهيم بن يعقوب السعدى «كذاب» وقال الدارقطنى «متروك» وقال أبو داود «ليس بشيء» وقال يحيى بن معين «ليس بشيء» وضعفه يعقوب بن شيبة وقال النسائي «ليس بالقوي» وضعفه العقيلي في آخرين».

الرواية الثانية:

عن ابن أبي ليلى قال: «قلت لعلي وكان يسمر معه: أن الناس قد أنكروا منك أن تخرج في الحر في الثوب المحشو وفي الشتاء في الملاءتين الخفيفتين. فقال: علي أولم تكن معنا؟ قلت بلى. قال فإن النبي e دعا أبا بكر فعقد له لواءا ثم بعثه فسار بالناس فانهزم حتى إذا بلغ ورجع فدعا عمر فعقد له لواءا فسار ثم رجع منهزما بالناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله له ليس بفرار فأرسل فأتيته وأنا لا أبصر شيئا فتفل في عيني فقال اللهم اكفه ألم الحر والبرد فما إذاني حر ولا برد بعد».

رواه ابن أبي شيبة في (المصنف6/367 ح32080) والحاكم في (المستدرك3/39/4338) بإسناد ضعيف.

ورواه الهيثمي وقال «رواه البزار وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو سيئ الحفظ وبقية رجاله رجال الصحيح» في (مجمع الزوائد9/124).

وإن ورود ذِكْر (أبي بكر وعمر) فيه يعتبر منكرا لاضطراب ابن أبي ليلى فيه، وإليك البيان:

قال الهيثمي عقب هذا الحديث (9/124) وقال الحافظ ابن حجر فيه (6081) «صدوق سيئ الحفظ جداً».

وأخرجه عبد الله بن أحمد (فضائل الصحابة) (2/637 ح1084) بدون لفظ أبي بكر وعمر:

«حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني ابن زنجويه ومحمد بن إسحاق وغيرهما قالوا أنا عبيد الله بن موسى عن ابن أبي ليلى عن الحكم والمنهال عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه إنه قال لعلي وكان يسمر معه أن الناس قد أنكروا منك انك تخرج في البرد في ملاءتين وفي الحر في الحشو وفي الثوب الثقيل فقال له أو لم تكن معنا بخيبر فقال بلى قال فإن رسول الله e قال لأعطين الراية رجلا يحبه الله ورسوله».

فلم يرد في هذه الرواية أي ذكر لأبي بكر وعمر. مع إنها جاءت من نفس طريق البزار.

فقد قال البزار (2/135-136/496) «حدثنا يوسف بن موسى قال نا عبيد الله بن موسى قال نا ابن أبي ليلى عن الحكم والمنهال عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه قال: قلت لعلي وكان يسمر معه أن الناس قد أنكروا منك أن تخرج في الحر في الثوب الثقيل المحشو وفي الشتاء في الملاءتين الخفيفتين فقال علي أو لم تكن معنا قلت بلى قال فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعى أبا بكر فعقد له اللواء ثم بعثه فسار بالناس فانهزم حتى إذا بلغ ورجع دعى عمر فعقد له لواء فسار ثم رجع منهزماً بالناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله له ليس بفرار فأرسل إلي فدعاني فأتيته وأنا أرمد لا أبصر شيئا فتفل في عيني وقال اللهم اكفه ألم الحر والبرد فما إذاني حر ولا برد بعد».

وأخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف6/367 ح32080) عن علي بن هاشم عن ابن أبي ليلى به، والحاكم في المستدرك (3/39/4338) من طريق علي بن هاشم، وهو صدوق شيعي عن ابن أبي ليلى مختصراً مع اختلاف في اللفظ.

وبمقارنة رواية البزار وابن أبي شيبة والحاكم مع رواية عبد الله بن أحمد نجد الآتي:

إنه لم يرد ذكر أبي بكر وعمر في طريق عبد الله بن أحمد بينما ورد في طريق البزار وابن أبي شيبة والحاكم، وكلاهما رواه من طريق عبيد الله بن موسى.

فيكون الجواب: أن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قد اضطرب فيه فيرويه مرة هكذا ومرة هكذا، وهو سيئ الحفظ جداً.