مكانة أهل البيت عند الإمام محمد بن عبد الوهاب

شبهات التقصير في حق آل النبي ﷺ

تُعدّ مسألة مكانة أهل بيت النبي ﷺ من القضايا التي كثر فيها الجدل، خاصة مع استغلال بعض الفرق لهذه القضية لبناء روايات وأفكار لا تثبت عند التحقيق العلمي، بل قد تعتمد على أحاديث ضعيفة أو موضوعة. ومن هنا تبرز أهمية الرجوع إلى كلام أئمة الإسلام المحققين، الذين جمعوا بين محبة أهل البيت وتعظيمهم، وبين الالتزام بالمنهج الصحيح في الاستدلال.

ويأتي في مقدمة هؤلاء العلماء الإمام محمد بن عبد الوهاب، الذي يُتهم أحيانًا – بغير حق – بالتقصير في حق آل بيت النبي ﷺ، بينما تكشف نصوصه الصريحة خلاف ذلك تمامًا. فقد قرر بوضوح وجوب محبتهم، وتعظيم حقهم، وزيادة موالاتهم على غيرهم، مستندًا في ذلك إلى نصوص الشريعة وكلام ابن تيمية.

وفي الوقت نفسه، فإن المنهج العلمي الذي سار عليه هذا الإمام يقوم على التمييز بين المحبة الشرعية الثابتة، وبين الغلو المبني على روايات لا تصح، وهو ما أدى إلى رد كثير من الأحاديث المنتشرة التي لا تثبت عند أهل الحديث.

يهدف هذا المقال إلى إبراز الصورة الحقيقية لموقف الإمام محمد بن عبد الوهاب من أهل البيت، من خلال نصوصه الصريحة، مع بيان المنهج السني في الجمع بين المحبة والاتباع، والتحذير من الاعتماد على الروايات غير الصحيحة.

مكانة أهل البيت عند الإمام محمد بن عبد الوهاب:

قال الإمام محمد بن عبد الوهاب في مسائل لخصها من كلام شيخ الاسلام ابن تيمية: "(74) لآله صلى الله عليه وسلم على الأمة حق لا يشركهم فيه غيرهم،

ويستحقون من زيادة المحبة والموالاة ما لا يستحق سائر قريش، وقريش يستحقون ما لا يستحق غيرهم من القبائل، كما إن جنس العرب يستحقون من ذلك ما لا يستحقه سائر أجناس بني آدم.

على هذا دلت النصوص: تفضيل الجملة على الجملة لا يقتضي تفضيل كل فرد، كالقرن الأول على الثاني، والثاني على الثالث "

مسائل لخصها الشيخ محمد بن عبد الوهاب من كلام بن تيمية - ص 51

وقد ذكر حديث المنزلة في مختصر الزاد قائلا:

" واستخلف عليّ بن أبي طالب على أهله، فقال: تخلّفني مع النّساء والصّبيان؟، فقال: "أمّا ترضى إن تكون مني بمنْزلة هارون من موسى غير إنه لا نبي بعدي"

مختصر زاد المعاد – محمد بن عبد الوهاب –ص 276

وذكر مكانة فاطمة رضي الله تعالى عنها عند رسول الله صلى الله عليه واله وسلم واكرامه لها، فقال: "وقد كان صلّى الله عليه وسلّم يقوم لفاطمة رضي الله عنها سروراً بها "

مختصر زاد المعاد – محمد بن عبد الوهاب – ص 296

وذكر إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه واصحابه أقرب إلى الحق من معاوية رضي الله عنه واصحابه فقال: "وأن علي بن أبي طالب وأصحابه: أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه. وأن الفريقين كلهم لم يخرجوا من الإيمان "

مختصر السيرة – محمد بن عبد الوهاب – ص 321

وفي كلام ابن عبد الوهاب رحمه الله الامتثال الكامل لكلام رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، لما ثبت في الإمام مسلم: "حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبي ثَابِتٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ الْمِشْرَقِيِّ، عَنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثٍ ذَكَرَ فِيهِ «قَوْمًا يَخْرُجُونَ عَلَى فُرْقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، يَقْتُلُهُمْ أَقْرَبُ الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الْحَقِّ» "

صحيح مسلم – بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ وَصِفَاتِهِمْ - ج 2 ص 745

وقال أيضًا في اعتقاده بأفضلية علي رضي الله عنه على جميع الصحابة ما عدا الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم الذين سبقوه، وسماه بالمرتضى.

فقال: "وأومن بأن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته؛ وأن أفضل أمته أبو بكر الصديق؛ ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضي، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر....."

الرسائل الشخصية – محمد بن عبد الوهاب – ص 1 – 3

ومن محبة أهل البيت رضوان الله عليهم عند الشيخ فقد سمى ثلاثة من اولاده بعلي، والحسن، والحسين، واحدى بناته فاطمة، قال الشيخ عبد الله آل بسام في ترجمة الإمام محمد بن عبد الوهاب: "وقد رزق الشيخ محمد بن عبد الوهاب ستة ابناء هم: علي وعبد الله وحسين وحسن وعبد العزيز وابراهيم.............وأما بناته فاربع، احداهن: فاطمة بنت الشيخ محمد، وأخبرني معالي الشيخ ابراهيم بن محمد بن ابراهيم آل الشيخ وزير العدل سابقا بانها كانت عالمة مطلعة "

علماء نجد – عبد الله بن عبد الرحمن بن صالح آل بسام – ج 1 ص 154

وقال الشيخ عبد الرحمن عبد اللطيف بن عبد الله في ترجمة الإمام محمد بن عبد الوهاب: "وقد أنجب الشيخ رحمه الله تعالى ستة أبناء علماء فضلاء هم المشايخ علي وحسين وعبد الله وحسن وإبراهيم وعبد العزيز رحم الله الشيخ ورضي عنه وأرضاه وجعل جنة الخلد منزله ومأواه "

مشاهير علماء نجد وغيرهم - عبد الرحمن عبد اللطيف بن عبد الله - ص 27

وقال في مبادرة علي رضي الله عنه إلى الاسلام:

"وبادر إلى الإسلام عليّ بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ، وكان ابن ثمان سنين، وقيل: أكثر؛ إذ كان في كفالة رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، أخذه من عمه"

مختصر السيرة - محمد بن عبد الوهاب - ص 78

وقال عن فداء علي رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم: "وأمر عليّاً إن يبيت تلك اللّيلة على فراشه. فلمّا أصبحوا: قام عليّ ـ رضي الله عنه ـ عن الفراش، فسألوه عن محمّد صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لا علم لي به "

مختصر السيرة - محمد بن عبد الوهاب - ج 1 ص 126 - 127

وذكر عليا وفاطمة رضي الله عنهما مترضيا عليهما فقال: "حوادث السّنة الثّانية:

وفيها: زوّج رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم عليّاً فاطمة رضي الله عنهما "

مختصر السيرة - محمد بن عبد الوهاب - ص 140

وقال في الرسائل الشخصية: "وقد أوجب الله لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس حقوقاً فلا يجوز لمسلم إن يسقط حقهم.... "

الرسائل الشخصية – محمد بن عبد الوهاب – ص 170

وهناك نقولات كثيرة تؤكد المكانة العظيمة لأهل بيت نبينا صلى الله عليه واله وسلم عند الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى.