فإن من أعظم القضايا التي يتبين بها منهج الحق من الباطل: النظر في موقف القرآن من الصحابة رضي الله عنهم، إذ هم حملة الدين، ونقلة الشريعة، وقد جاءت النصوص القرآنية المحكمة مثبتةً لفضلهم، ومقررةً لمكانتهم، ومبينةً لما خصّهم الله به من الكرامة والنصر.
وفي هذه المحاور الثلاثة تتجلى هذه الحقيقة بوضوح:
النكتة الرابعة عشرة: يبيّن الله تعالى تفاوت الصحابة في الفضل بحسب سبقهم في الإنفاق والجهاد، مع تقرير أصل عظيم وهو أن الجميع داخلون في الوعد الإلهي بـ"الحسنى" أي الجنة، مما يدل على شمول المغفرة والرضوان لهم، مع تفضيل السابقين الأولين.
النكتة الخامسة عشرة: يذكّر الله الصحابة بحالهم قبل الإسلام من الضعف والاستضعاف، ثم يبيّن نعمته عليهم بالإيواء والنصر والرزق، وهو ثناء صريح عليهم، ودليل على أنهم محل تأييد إلهي وعناية ربانية.
النكتة السادسة عشرة: يقرر القرآن أن الله أيّد نبيه ﷺ بالمؤمنين من الصحابة، وألّف بين قلوبهم، وجعلهم إخوانًا متحابين، في صورة فريدة من الوحدة الإيمانية التي لا يمكن أن تتحقق إلا بتوفيق الله.
وفي مقابل هذه النصوص الواضحة، ظهرت أقوال مخالفة تنسب إلى بعض الفرق، تتضمن الطعن في الصحابة، واتهامهم بالخيانة أو الضلال، بل وتكفير بعضهم، وهو ما يثير إشكالاً كبيرًا عند مقارنته بصريح القرآن، ويستدعي النظر العلمي في مدى صحة هذه الدعاوى وموافقتها للأدلة القطعية.
[النكتة الرابعة عشر]:
وعد الله تعالى جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالجنة بقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: 10].
المخالفة:
وكفرتهم الشيعة وعدتهم في النار، فقد جاء في تفسير القمي (2/449) في تفسير سورة الفلق: "الفلق: جب في نار جهنم، يتعوذ أهل النار من شدة حره، فسأل الله من شدة حره أن يتنفس فتنفس فأحرق جهنم، وفي ذلك الجب صندوق من نار، يتعوذ أهل الجب من حر ذلك الصندوق، وهو التابوت، وفي ذلك التابوت ستة من الأولين، وستة من الآخرين، فأما الستة الذين من الأولين: فابن آدم الذي قتل أخاه، ونمرود إبراهيم الذي ألقى إبراهيم في النار، وفرعون موسى، والسامري الذي اتخذ العجل، والذي هوّد اليهود، والذي نصّر النصارى. أما الستة الذين من الآخرين: فهو الأول والثاني، والثالث، والرابع، وصاحب الخوارج، وابن ملجم لعنهم الله".
ويعنون بالأول والثاني والثالث: الخلفاء الثلاثة السابقين لعلي رضي الله عنه في الخلافة، وبالرابع معاوية رضي الله عنه، وهذه من الرموز التي يستخدمها الرافضة في كتبهم عند الطعن في الصحابة، وقد جاء توضيح أكبر لهذه الرموز في رواية العياشي التي ينسبها كذباً وزوراً لجعفر الصادق أنه قال: "يؤتى بجهنم لها سبعة أبواب: بابها الأول: للظالم وهو زريق، وبابها الثاني: لحبتر(1)، والباب الثالث: للثالث، والرابع: لمعاوية، والباب الخامس: لعبد الملك، والسادس: لعسكر بن هوسر، والباب السابع لأبي سلامة(2) فهم أبواب لمن تبعهم"
[تفسير العياشي 2/243].
ويذكر محقق تفسير العياشي معاني هذه الرموز فقال في معنى عسكر بن هوسر: "كناية عن بعض خلفاء بني أمية أو بني العباس، وكذا أبي سلامة كناية عن أبي جعفر الدوانيقي، ويحتمل أن يكون عسكر كناية عن عائشة وساير أهل الجمل". [حاشية تفسير العياشي 2/243]، والعياذ بالله تعالى، فوقع الخلاف بينهم وبين الله تعالى.
النكتة الخامسة عشر:
ذكر الله تعالى أنه قد آوى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيدهم بنصره ورزقهم من الطيبات بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: 26].
المخالفة:
وذهبت الشيعة إلى أن الله تعالى قد طردهم وعاداهم، فوقع الخلاف بينهم وبين الله تعالى.
النكتة السادسة عشر:
ذكر الله تعالى أنه أيد النبي صلى الله عليه وسلم بالصحابة رضي الله عنهم وألّف بين قلوبهم وجعلهم إخوانا بعضهم يحب بعض بقوله: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:62،63].
المخالفة:
وذهبت الشيعة إلى أنهم كانوا يخونون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنهم كانوا أعداء بعضهم يبغض بعضا لا ألفة بينهم. فوقع الخلاف بينهم وبين الله تعالى. يوضح الهالك حسين الحوثي هذه الحالة التآمرية والخيانة العظيمة التي حدثت من الصحابة والرسول لا يزال على فراش الموت فإذا بهم يتحركون وينزلون إلى ساحة هذه الأمة، لينحرفوا بها عن نهج محمد (صلوات الله عليه وعلى آله) يقول: "فالإمام علي (عليه السلام) عندما كان يستقبل ذلك الحدث الذي يتوقعه أن يخضب دم رأسه لحيته ويسقط شهيداً لم يكن منزعجاً من ذلك، كان الذي يزعجه هو ما يرى الأمة فيه وهي تسير باتجاه ذات الشمال، وهي تبتعد حيناً بعد حين ومسافات طويلة تبتعد عن كتاب الله وعن منهج رسوله (صلوات الله عليه وعلى آله)، كان يتألم عندما يرى أن تلك الجهود التي بذلها الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) وبذلها هو تحت لواءه في مكة، وفي المدينة في معارك الإسلام كلها ضاعت هباء، وصارت هباء منثورا تحت أقدام، وعلى أيدي من لم يكونوا يجرئون في يوم من الأيام أن ينزلوا إلى ساحات الوغى لمواجهة أعداء الله... وعندما نزل (صلوات الله عليه وعلى آله) إلى قبره بل من قبل ذلك وهو لا يزال على فراش الموت بدءوا يتحركون وينزلون إلى ساحة هذه الأمة، لينحرفوا بها عن نهج محمد (صلوات الله عليه وعلى آله)" [ملزمة ذكرى استشهاد الإمام علي (عليه السلام) ص: 5].