الحمد لله الذي تكفّل بحفظ كتابه العزيز، فقال سبحانه: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾، وجعل القرآن الكريم حجةً قائمةً على الخلق إلى يوم القيامة، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ الذي بلّغ الرسالة وأدى الأمانة، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.
أما بعد، فإن من أخطر الانحرافات العقدية التي ظهرت في بعض الفرق الضالة، القول بوقوع التحريف في كتاب الله عز وجل، سواء بالنقص أو الزيادة أو التبديل. وقد نُسب هذا القول إلى طائفة الشيعة الإمامية، بل ووجد له حضور واضح في كتبهم المعتمدة وأقوال علمائهم، قديمًا وحديثًا.
وتزداد خطورة هذه المسألة لكونها تتعلق بأصل الدين ومصدر التشريع الأول، إذ إن الطعن في القرآن الكريم طعن في الدين كله. ومع ذلك، يحاول بعض متأخريهم إنكار هذا المعتقد أو التهوين من شأنه، رغم كثرة النصوص الصريحة التي تثبت خلاف ذلك.
وفي هذا المقال، سنعرض نماذج من أقوال علمائهم ورواياتهم التي تدل على القول بالتحريف، ثم نقف على دلالاتها، ونبين موقف أهل السنة والجماعة من هذه المسألة، مع التأكيد على أن هذا القول يناقض صريح القرآن والسنة وإجماع الأمة.
◘ أولًا: أقوال علماء الشيعة في تحريف القرآن
وردت نصوص كثيرة عن كبار علماء الشيعة تفيد بوقوع النقص أو التغيير في القرآن، ومن أبرزهم:
vالكليني في كتابه "الكافي"
vالعياشي في تفسيره
vالمجلسي في "بحار الأنوار"
vالطبرسي في "الاحتجاج"
vالحر العاملي
vالسيد الجزائري
وقد صرّح بعضهم بأن التحريف وقع في آيات الولاية خاصة، كما ورد في النص:
"الظاهر من كلمات غيرهم من العلماء... القول بالنقيصة... وهو مخصوص بآيات الولاية"
وهذا اعتراف صريح بوجود نقص – ولو جزئيًا – في القرآن.
◘ ثانيًا: أمثلة من الروايات الدالة على التحريف
1) إضافة ألفاظ ليست في القرآن
مثل ما ورد في تفسير العياشي:
"فأبى أكثر الناس ولاية علي إلا كفورًا"
وهذا تحريف بإضافة عبارة "ولاية علي" إلى الآية.
2) إسقاط آيات أو أجزاء منها
كما جاء في "بحار الأنوار":
"كانت سورة الأحزاب أطول من سورة البقرة ولكن نقصوها وحرفوها"
وهذا تصريح بأن جزءًا كبيرًا من القرآن قد فُقد.
3) الادعاء بأن بعض السور ليست من القرآن
كما في "فقه الرضا":
"المعوذتان من الرقية ليستا من القرآن"
وهذا تكذيب لما هو معلوم من الدين بالضرورة.
4) القول بوجود مصحف مختلف
كما في روايات جمع علي رضي الله عنه للقرآن وأنه لم يُقبل:
"هذا كتاب ربكم كما أنزل... فقالوا لا حاجة لنا فيه"
وهذا يفيد بوجود قرآن آخر – بزعمهم – غير الذي بين أيدينا.
5) التصريح بالتحريف والتبديل
كما في "وسائل الشيعة":
"ائتمنوا على كتاب الله فحرفوه وبدلوه"
وهذا نص صريح لا يحتمل التأويل.
ثالثًا: محاولة التهوين من التحريف
يحاول بعض علماء الشيعة التخفيف من وقع هذه النصوص، بقولهم:
"إن التحريف يسير... ولا يغير الأحكام"
وهذا التبرير باطل من وجوه:
1) أن القليل من التحريف كالكثير: لأن القرآن لا يقبل التغيير مطلقًا
2) أن القول بالتحريف طعن في حفظ الله لكتابه
3) أن هذا يفتح باب التشكيك في جميع النصوص
◘ رابعًا: موقف أهل السنة والجماعة
يعتقد أهل السنة والجماعة أن القرآن:
¨ محفوظ بحفظ الله
¨ منقول بالتواتر القطعي
¨ لا زيادة فيه ولا نقصان
ويستدلون بقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾
كما أن الأمة أجمعت على ما في المصحف العثماني، ولم يخالف في ذلك أحد من الصحابة.
خامسًا: خطورة القول بتحريف القرآن
القول بتحريف القرآن يترتب عليه مفاسد عظيمة، منها:
¨ الطعن في كتاب الله
¨ إسقاط حجية الشريعة
¨ التشكيك في الدين كله
¨ فتح الباب للزندقة والإلحاد
ولهذا أجمع علماء الإسلام على كفر من قال بتحريف القرآن.
◘ خاتمة
يتبين من خلال ما سبق أن القول بتحريف القرآن ليس مجرد شبهة عابرة، بل هو معتقد له جذور في كتب الشيعة الإمامية، وقد صرّح به عدد من علمائهم في نصوص واضحة لا تقبل التأويل.
كما أن محاولة إنكار هذا المعتقد أو التهوين منه لا تصمد أمام هذه النصوص الصريحة. ويظل القرآن الكريم محفوظًا بحفظ الله، لا يضره قول الضالين ولا تحريف المحرفين.
ونسأل الله أن يثبتنا على الحق، وأن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهله وخاصته.