تنتشر شبهة مفادها أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وأمر بقتله إذا صعد المنبر. هذه المزاعم تتكرر في بعض كتب الرافضة، لكنها لا تستند إلى أي حديث صحيح أو إسناد موثوق. التحقيق التاريخي والديني يوضح براءة معاوية من هذه التهمة وصدق إسلامه واستحقاقه للولاية.
القول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن معاوية وأمر بقتله إذا وجدوه على منبره
قال الرافضي: ((مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن معاوية الطليق بن الطليق اللعين بن اللعين، وقال: إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه. وكان من المؤلفة قلوبهم، وقاتل عليًّا وهو عندهم رابع الخلفاء، إمام حق، وكل من حارب إمام حق فهو باغ ظالم)).
قال: ((وسبب ذلك محبة محمد بن أبي بكر لعليّ عليه السلام، ومفارقته لأبيه، وبغض معاوية لعليّ ومحاربته له. وسموه كاتب الوحي ولم يكتب له كلمة وأحدة من الوحي، بل كان يكتب له رسائل.
وقد كان بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم أربعة عشر نفسا يكتبون الوحي، أولهم وأخصهم وأقربهم إليه عليّ بن أبي طالب عليه السلام، مع أن معاوية لم يزل مشركا بالله تعالى في مدة كون النبي صلى الله عليه وسلم مبعوثا يكذّب بالوحي ويهزأ بالشرع)).
والجواب:
أن يقال ((أما ما ذكره من أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن معاوية وأمر بقتله إذا رؤى على المنبر، فهذا الحديث ليس في شيء من كتب الإسلام التي يرجع إليها في علم النقل، وهو عند أهل المعرفة بالحديث كذب موضوع مختلق على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الرافضي الراوي له لم يذكر له إسنادا حتى ينظر فيه، وقد ذكره أبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات.
ومما يبيّن كذبه أن منبر النبي صلى الله عليه وسلم قد صعد عليه بعد معاوية من كان معاوية خيراً منه باتفاق المسلمين. فإن كان يجب قتل من صعد عليه لمجرد الصعود على المنبر، وجب قتل هؤلاء كلهم.
ثم هذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، فإن مجرد صعود المنبر لا يبيح قتل مسلم. وإن أمر بقتله لكونه تولّى الأمر وهو لا يصلح، فيجب قتل كل من تولّى الأمر بعد معاوية ممن معاوية أفضل منه. وهذا خلاف ما تواترت به السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم من نهيه عن قتل ولاة الأمور وقتالهم، كما تقدم بيانه.
ثم الأمة متفقة على خلاف هذا؛ فإنها لم تقتل كل من تولّى أمرها ولا استحلّت ذلك. ثم هذا يوجب من الفساد والهرج ما هو أعظم من ولاية كل ظالم، فكيف يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بشيء يكون فعله أعظم فسادا من تركه؟!
وأما قوله: ((إنه الطليق ابن الطليق)).
فهذا ليس نعت ذم، فإن الطلقاء هم مسلمة الفتح، الذين أسلموا عام فتح مكة، وأطلقهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا نحواً من ألفَىْ رجل، وفيهم من صار من خيار المسلمين، كالحارث بن هشام، وسهل بن عمرو، وصفوان بن أميّة، وعكرمة بن أبي جهل، ويزيد بن أبي سفيان، وحكيم بن حزام، وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يهجوه ثم حسن إسلامه، وعتّاب بن أسيد الذي ولاّه النبي صلى الله عليه وسلم مكة لما فتحها، وغير هؤلاء ممن حَسُنَ إسلامه.
ومعاوية ممن حَسُن إسلامه باتفاق أهل العلم. ولهذا ولاّه عمر بن الخطاب رضي الله عنه موضع أخيه يزيد بن أبي سفيان لما مات أخوه يزيد بالشام، وكان يزيد بن أبي سفيان من خيار الناس، وكان أحد الأمراء الذين بعثهم أبو بكر وعمر لفتح الشام: يزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وعمرو بن العاص، مع أبي عُبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد، فلما توفي يزيد بن أبي سفيان ولّى عمر مكانه أخاه معاوية، وعمر لم تكن تأخذه في الله لومة لائم، وليس هو ممن يحابى في الولاية، ولا كان ممن يحب أبا سفيان أباه، بل كان من أعظم الناس عداوة لأبيه أبي سفيان قبل الإسلام، حتى إنه لما جاء به العباس يوم فتح مكة كان عمر حريصا على قتله، حتى جرى بينه وبين العباس نوع من المخاشنة بسبب بغض عمر لأبي سفيان. فتولية عمر لابنه معاوية ليس لها سبب دنيوي، ولولا استحقاقه للإمارة لما أمره.
وأما قوله: ((كان معاوية من المؤَلَّفة قلوبهم)).
نعم وأكثر الطلقاء كلهم من المؤلفة قلوبهم، كالحارث بن هشام، وابن أخيه عكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وحكيم بن حزام، وهؤلاء من خيار المسلمين. والمؤلَّفة قلوبهم غالبهم حسُن إسلامه، وكان الرجل منهم يُسلم أول النهار رغبة منه في الدنيا، فلا يجيء آخر النهار إلا والإسلام أحب إليه مما طلعت عليه الشمس.
وأما قوله: ((وقاتل عليًّا وهو عندهم رابع لخلفاء إمام حق، وكل من قاتل إمام حقٍ فهو باغ ظالم)).
فيقال له: أولا:
الباغي قد يكون متأوّلا معتقدا إنه على حق، وقد يكون متعمدا يعلم إنه باغٍ، وقد يكون بَغْيُهُ مركّبا من شبهة وشهوة، وهو الغالب.
وعلى كل تقدير فهذا لا يقدح فيما عليه أهل السنة؛ فإنهم لا ينزّهون معاوية ولا من هو أفضل منه من الذنوب، فضلا عن تنزيههم عن الخطأ في الإجتهاد، بل يقولون: أن الذنوب لها أسباب تُدفع عقوبتها من التوبة والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفِّرة، وغير ذلك. وهذا أمر يعم الصحابة وغيرهم.
ويقال لهم: ثانيا:
أما أهل السنة فأصلهم مستقيم مطّرد في هذا الباب. وأما أنتم فمتناقضون. وذلك أن النواصب – من الخوارج وغيرهم – الذين يكفّرون عليًّا أو يفسِّقونه أو يشكّون في عدالته من المعتزلة والمرواء