تُعدّ القراءات القرآنية المتواترة من أعظم ما حفظ الله به كتابه العزيز، إذ نقلها الأئمة الثقات جيلاً بعد جيل حتى وصلت إلى الأمة محفوظة كما أنزلها الله تعالى على نبيه ﷺ. وقد اتفق علماء المسلمين على أن القراءات المتواترة كلها قرآن يُتلى، ولا يجوز ردّ شيءٍ منها أو إنكارها.
ومن المواضع التي وقع حولها جدلٌ فقهي مسألة قراءة قوله تعالى في آية الوضوء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾
فهذه الكلمة ﴿وأرجلكم﴾ وردت في القراءات على وجهين مشهورين:
الجر: وأرجُلِكم،
النصب: وأرجُلَكم.
وقد استدل جمهور العلماء بقراءة النصب مع السنة النبوية المتواترة على وجوب غسل الرجلين في الوضوء، وهو ما جرى عليه عمل المسلمين عبر القرون. أما فقهاء الإمامية فذهبوا إلى القول بوجوب مسح الرجلين، مستندين إلى قراءة الجر وتفسيرهم الخاص للآية.
ومن هنا حاول بعض علماء الإمامية توجيه القراءات بما يوافق مذهبهم، ومن أبرزهم الطوسي الذي ذكر في كتابه تهذيب الأحكام أن القراءة بالنصب غير جائزة، وأن القراءة المنزلة هي قراءة الجر فقط. وهذا القول يثير إشكالاً كبيرًا، لأن قراءة النصب ثابتة في القراءات المتواترة التي نقلها أئمة القراءة المعروفون.
ومع ذلك نجد أن الطوسي بعد هذا التصريح يعود ليذكر القراءة بالنصب على سبيل التسليم الجدلي، ويحاول توجيهها نحويًا بحيث تبقى دالةً على المسح، وهو ما يكشف عن محاولة للتوفيق بين النص القرآني والقول الفقهي المعتمد في المذهب.
ومن خلال دراسة هذا النص يتضح أن مسألة قراءة (وأرجلكم) ليست مجرد مسألة لغوية، بل هي قضية تتعلق بمدى الالتزام بالقراءات المتواترة، وكيفية التعامل معها عند التعارض مع الرأي الفقهي.
قول الطوسي بعدم جواز قراءة ((ارجلكم)) بالنصب
قال الطوسي: " فإن قيل: فأين أنتم عن القراءة بنصب الأرجل وعليها أكثر القراء وهي موجبة للغسل ولا يحتمل سواه؟ قلنا: (أول) ما في ذلك أن القراءة بالجر مجمع عليها والقراءة بالنصب مختلف فيها لأنا نقول أن القراءة بالنصب غير جائزة وإنما القراءة المنزلة هي القراءة بالجر، والذي يدل على ذلك: (188) 37 ما أخبرني به الشيخ أيده الله تعالى قال أخبرني أحمد ابن محمد عن أبيه عن أحمد بن إدريس وسعد بن عبد الله عن محمد بن أحمد بن يحيى عن أبي عبد الله عن حماد عن محمد بن النعمان عن غالب بن الهذيل قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عز وجل: (فامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) على الخفض هي أم على النصب؟ قال: بل هي على الخفض.
وهذا يسقط أصل السؤال، ثم لو سلمنا أن القراءة بالجر مساوية للقراءة بالنصب من حيث قرأ بالجر من السبعة ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وفي رواية أبي بكر عن عاصم، والنصب قرأ به نافع وابن عأمر والكسائي وفي رواية حفص عن عاصم لكانت أيضًا مقتضية للمسح لان موضع الرؤوس موضع نصب بوقوع الفعل الذي هو المسح عليه وإنما جر الرؤوس بالباء، وعلى هذا لا ينكر أن تعطف الأرجل على موضع الرؤوس لا لفظها فتنصب وإن كان الفرض فيها المسح كما كان في الرؤوس كذلك "
تهذيب الأحكام - الطوسي - ج 1 ص 70 – 71
فالطوسي يصرح بعدم جواز القراءة بالنصب، ثم ذكر بعد ذلك القراة بالنصب من باب التسليم، بعد أن صدر كلامه بعدم جواز القراءة بالنصب وجزم به، فكلامه صريح في رد قراءة النصب في (ارجلكم) مع تواترها، فما هو حكم الطوسي في انكاره لقراءة متواترة؟!!!.