نقد نظرية روايات ولاية الفقيه

نشأ جدل واسع داخل الفكر الشيعي بين من يرى أن هذه النصوص تشكل أساساً شرعياً لنظرية ولاية الفقيه، وبين من يرى إنها لا تتجاوز حدود بيان مكانة العلماء ووظيفتهم في نقل العلم وتعليم الأحكام، دون أن تتضمن تفويضاً سياسياً مطلقاً لهم. ويزداد هذا الجدل أهمية إذا ما وُضع في سياقه التاريخي، حيث شهد الفكر الإمامي تحولات متدرجة منذ القول بالتقية والانتظار، مروراً بفكرة النيابة العامة، وصولاً إلى صياغة نظرية ولاية الفقيه بصورتها السياسية المعاصرة.

وفي ضوء ذلك يسعى هذا المقال إلى عرض أهم الروايات التي استند إليها أنصار هذه النظرية، ثم مناقشتها من زاوية النقد الروائي والدلالي، مع بيان أبرز الإشكالات التي أثارها المعارضون لها، ومدى قوة الاستدلال بها على إثبات الولاية العامة للفقيه في عصر الغيبة.

النقد الروائي لنظرية ولاية الفقيه:

فهذه جل الروايات التي يحتج بها من ذهب إلى القول بنظرية ولاية الفقيه، وهي كما يتبين من النظرة الأولى لمن له إلمام بهذه المسائل لا تخلو من مآخذ كبعد البعض عن المقصود أن صحت، وكون بعضها لم ترد من طرق الشيعة فتكون ساقطة عن الإعتبار عند الفريق الآخر وضعف أسانيد البعض الآخر والمنقولة من كتب فيها كلام عند الشيعة أنفسهم الأمر الذي لا يسعنا الكلام فيه في هذا المختصر.

 أما المتون فبعضها تتكلم عن حالة خاصة في رجلين تنازعا في ميراث. لذلك رفض الفقهاء تعميمها وتطبيقها على الولاية المنظورة بقياس غير مقبول مع الفارق الكبير بينهما.

كما إنها ترجع إلى (قد روى حديثنا) وليس الفقهاء المجتهدين أى النظرية الإخبارية التي كانت سائدة في الفكر الشيعي سابقا بعد عصر الغيبة لفترات طويلة وهي تحرم الاجتهاد بروايات اللعن من الأئمة على من يجتهد ويستعمل عقله في القياس وغيره، وكذلك تحرم التقليد لأحاديث أهل البيت (من قلَّدَ في دينه هلك) قبل التأثر بالمذاهب السنية ومدارس الاجتهاد[1].

 ثم أن أكثر هذه الروايات وردت في بيان فضيلة العلم كما يرى المعارضين ويروون أن الذي يرثه الوارث ليس هو جميع شؤون الموروث. بل لا يرث إلا ما كان يصلح للوراثة والمناسب ههنا بمناسبة المقام هو تبليغ الأحكام وبيان الشرعية. وهذه الروايات مذيلة غالباً بأن الأنبياء لا يورّثون مالا المفهوم منه أن ذلك ليس من شأنهم وإنما لا اهتمام لهم بالمال والدنيا لا إنهم لا يورّثون مطلقاً لمخالفة ذلك لنص الكتاب والسنة فإذن هي بصدد بيان وراثة العلم الذي هو من شأن الأنبياء وما هو من شأن العلماء من وراثة العلم وسيرة الأنبياء في مقابل الطواغيت والظلمة.

 وأن الاستدلال براوية مجاري الأمور وغيرها إنما يراد منه الأئمة المعصومين كما يعتقد الشيعة فهي لو كانت لها ظهور فإنما هو في الولاية التكوينية لو قيل بها بالنسبة للمعصومين، كما وأن العلماء بالله لا ينطبق إلا على أهل البيت برأي الشيعة لأن سائر الناس لا يقال في حقهم إنهم من العالمين بالله بل غاية ما يمكن أن يقال في حقهم إنهم عارفون بالله. وقالوا - أي الفريق المعارض للنظرية - أن ما استدلّ به على الولاية المطلقة لا إشعار فيه على ذلك وأن ولاية النبي وآله ولاية تابعة لذواتهم وليست قابلة للجعل لغيرهم وعلى فرض إمكان مجعوليتها فهي محتاجة إلى أدلة قطعية واضحة تثبت هذا التنزيل أو التفويض للفقيه بنحو الولاية المطلقة بما تسوّق التصرّف في الأنفس والأعراض والأموال، وأين الفقيه من مثل (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)، أو كون النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فكيف يمكن تصور هذه المنزلة العظمى للفقهاء في زمن الغيبة؟.

 كما وأن مجاري الأمور بيد العلماء لا دليل فيه على أكثر مما تحتاج إليه الناس لنظم أمورهم وهذا ما تتكفّله الولاية الوسطى التي عليها معظم الاعلام. ثم يشير الاعلام إلى أن هذه الروايات ليست في مقام جعل الولاية فتكون مهملة من هذه الجهة. ويضيفون إلى ذلك أن كلمة العلماء إنما تطلق على أهل البيت خاصة في ذلك الزمان فسياقها ينصرف إليهم وهناك مما يؤيد ذلك أيضًا من الروايات الشيعة كما ورد نحن العلماء وشيعتنا المتعلّمون.

 فكيف مع ذلك يمكن حمل إطلاق لفظ العلماء على الفقهاء في زمن الغيبة مع عدم وجود قرينة على ذلك بل مع وجود القرينة على الخلاف وهي الروايات الدالة على أن العلماء هم المعصومون وإنه لا أقل من تحقق الاحتمال فلا يمكن الجزم بكون المراد من العلماء هم الفقهاء.

 وكذا حديث (رحم الله خلفائي) فالظاهر منه كونه في مقام تبليغ الأحكام وتعليم الناس للكتاب والسنة وليس في صدد جعل المنصب والولاية للفقيه فضلاً عن كون هذه الولاية بنحو الولاية المطلقة[2].

 فهذه حال الروايات التي يستند عليها من دعى لهذه النظرية وعلى رأسهم الإمام الخميني الذي لم يكن حظه في الإجتهاد سوى رسالته العمليه وهي أقرب إلى النسخ واللصق من وسيلة النجاة للإصفهاني، وهذه الرسالة أجيزت لإنقاذه من حبل المشنقة عندما كان مسجوناً بإعتبار أن قانونا في الدستور الإيراني يمنع إعدام الفقيه. أما سائر كتيه ففيها من المسائل التي أستوجبت تكفيره من علماء المسلمين حتى من بني جلدته وبالأخص تلك المتعلقة بآراءة المؤيدة لإبن عربي وكفرياته.

 وخلاصة ما مر كما يقول الكاتب أن مسيرة الفكر السياسي الشيعي خلال ألف عام، منذ وفاة الإمام الحسن العسكري، والقول بوجود ولد له في السر هو:(الإمام المهدي) الغائب المنتظر، مر في مراحل. ففي القرون الأولى قالوا بنظرية:(التقية والانتظار) كلازمة من لوازم نظرية (الإمامة والغيبة) التي كانت تحرم إقامة الدولة أو الثورة أو ممارسة أي نشاط سياسي إلا بقيادة (الإمام المعصوم المعين من قبل الله تعالى) وهو ما أدى إلى انسحاب الشيعة من المسرح السياسي والانعزال التام.

ثم تراجع الفكر الإمامي عن هذه النظرية تدريجيا وقال بنظرية:(النيابة العامة) التي طورها الفقهاء بعد ذلك بقرون إلى نظرية (ولاية الفقيه)، والتي تخلَّوا فيها عمليا عن النظرية (الإمامية) حيث أجازوا إقامة الدولة بدون اشتراط العصمة أو النص أو السلالة العلوية الحسينية في (الإمام المعاصر) وهو ما أدى إلى نهضة الشيعة في العصر الحديث، وقيامهم بتأسيس (الجمهورية الإسلامية) في إيران.

وقد رفض أصحاب نظرية (النيابة العامة وولاية الفقيه) النصوص المثبطة التي جاء بها أصحاب نظرية (الانتظار) والتي كانت تحرم الثورة والخروج مع أي ثائر حتى لو كان من أهل البيت سوى (الإمام المهدي المنتظر). واستعانوا بالعقل في عملية التنظير لوجوب إقامة الدولة في (عصر الغيبة) واستخدموا نفس أدلة وجوب الإمامة، الفلسفية، التي استخدمها الأولون، في إثبات عدم جواز انتظار (الإمام المهدي الغائب) الذي قد تطول غيبته آلاف السنين، كما قال الإمام الخميني. وذلك خلافا للشيخ الصدوق والشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي والعلامة الحلي وغيرهم من المتكلمين الذين كانوا يشترطون العصمة في الإمام، ويقولون: · أن طريق معرفة الإمام هو النصب والنص من الله، وان لا طريق للتعرف على الإمام إلا بقول النبي أو الإمام السابق أو المعاجز. ويرفضون: قيام الأمة بنصب الإمام واختياره عبر الشورى، ويقولون: ليس يقوم عندنا مقام الإمام إلا الإمام.

 

 

[1] أنظر رياح التغيير لإيران في الذكرى الرابعة والثلاثين لاستبداد طغاتها لنبيل الحيدري

[2] ولايــة الفقيــه أم شــورى الفقهــاء؟ نقــاط الضعــف .. وعوامــل القـــوة، الشيخ محمد كاظم الخاقاني