أثارت نظرية ولاية الفقيه منذ طرحها بصيغتها السياسية الحديثة جدلاً واسعاً داخل الأوساط العلمية الشيعية، ولم يكن هذا الجدل مقتصراً على خصوم المذهب من خارجه، بل نشأ في الأساس داخل المدرسة الشيعية نفسها بين علمائها ومفكريها.

فقد رأى فريق من الباحثين أن الأدلة التي يستند إليها القائلون بالولاية العامة للفقيه لا تنهض لإثبات هذا المفهوم الواسع من السلطة، وأن النصوص التي يُستدل بها في الغالب لا تتجاوز بيان دور الفقيه في الفتوى أو القضاء، أو الحث على الرجوع إلى أهل العلم في معرفة الأحكام الشرعية.

ومن هنا بدأ تيار نقدي داخل الفكر الشيعي يراجع الأسس الروائية والعقلية لهذه النظرية، متسائلاً عن مدى صحة الاستدلال بالروايات الواردة في القضاء أو في بيان فضل العلماء لإثبات سلطة سياسية عامة للفقيه. كما ناقش هذا التيار مسألة الجمع بين تلك الروايات وبين الآيات القرآنية المتعلقة بالشورى، محاولاً تقديم بديل يتمثل في فكرة شورى الفقهاء أو شورى المراجع، بحيث تكون إدارة الشأن العام قائمة على التشاور بين العلماء مع دور للأمة في اختيارهم أو تزكيتهم، بدلاً من حصر السلطة في فقيه واحد بولاية مطلقة.

ولم يقف النقد عند حدود الدلالة النصية، بل امتد إلى الإشكالات الفكرية التي تثيرها هذه النظرية، وعلى رأسها تعارضها مع أصول نظرية الإمامة التي تشترط العصمة والنص الإلهي في الإمام، إضافة إلى المخاوف من منح سلطة مطلقة لفقيه غير معصوم قد يخطئ أو ينحرف، الأمر الذي قد يفتح الباب لهيمنة دينية وسياسية واسعة لا تخضع للرقابة أو التقييد. كما استحضر المعارضون مواقف عدد من كبار علماء الإمامية الذين قصروا ولاية الفقيه على مجالات محددة مثل الفتوى والقضاء، رافضين تعميمها إلى الولاية السياسية العامة.

وفي ضوء هذه المناقشات، يتناول هذا المقال أبرز الاعتراضات التي طرحها العلماء والباحثون داخل الفكر الشيعي على نظرية ولاية الفقيه، مبيناً وجوه التهافت التي رأوا أنها تعتري أدلتها، ومبرزاً الاتجاهات البديلة التي حاولت تقديم تصور مختلف لنظام الحكم في عصر الغيبة.

تهافت النظرية:

لم يقف أصحاب الرأي الآخر من الشيعة أمام هذه النظرية الطارئة في الفكر الشيعي مكتوفي اليدين ودون نقد، وحيث أن أهل مكة أدرى بشعابها فلندع الهدم يأتي من الداخل الشيعي. فقد رأى الفريق الآخر أن النصوص المتعلقة بالحكم تكاد تكون مفقودة؛ فأغلب الأخبار المعتمدة هي تلك التي تتعلق بالقضاء، وبعضها جاء في الأُمور العامة كالحث بالرجوع إلى العلماء، وحيث أن آيتي الشورى ليستا كافيتين بأن تغطيا مشكلة الحكم، وأن ظاهرهما يتعلق بالمؤمنين عموماً وليس العلماء منهم فقط؛ لذا عمدت الإطروحة الجديدة (شورى الفقهاء) إلى المزاوجة بين ما يُفاد من الآيتين في الحث على الشورى وبين ما تنص عليه الأخبار في الرجوع إلى الفقيه وقبول حكمه كما في القضاء، فكانت الحصيلة من عملية الجمع هذه هي التبشير بفكرة الشورى لكل من الأُمة والفقهاء. فشورى الأُمة تتمثل بانتخابهم لشورى الفقهاء بما لهم من منصب من قبل الإمام، فيكون الحكم للأُمة والفقهاء، حيث لا يتم تنصيب الفقهاء إلا برضا الأُمة.

     وسيأتي الكلام بتوسع في مسألة شورى المراجع.

     وتقتضي أدلة التقليد لزوم إتباع الخبير، وتقتضي أدلة الحكومة إتباع حكم الحاكم لا مطلق الخبير في شؤون الحكم، أما أدلة الشورى فهي ناطقة بوجوب الاستشارة على الحاكم وإتباعه للأكثرية، وبالتالي تكون الحكومة لكل الفقهاء لا لأحدهم، أو لأحدهم مشروطاً بإمضاء الأكثرية.

     ويرى هذا الفريق أن إطلاق معنى الحاكم ليشمل كل أمر ونهي بحيث يكون كلامه هو القانون، والقانون هو كلامه وامضاءه، ليس على إطلاقه، ولابد من تقييده بأمور كالتقييد بتطبيق الاحكام الشرعية العامة بحيث إذا لم يحكم بالحكم الشرعي يجب الرد عليه ورفضه. والتقييد بالمرتبة السفلى عن مرتبة المعصومين الذين لهم تمام الولاية على الاموال والأنفس، فلا تكون للفقيه تلك الصلاحية. والتقييد بالمصلحة، فلابد أن يكون حكمه مطابقاً للمصلحة ولا ينفذ من دونها، وهذا لابد من معرفة واقعه لأن الفقيه متمسك بالمصلحة نظرياً وفي حدود دليله.

     ومن هذا كله صحت تسمية الفقيه بالحاكم الشرعي وليس بالولي الشرعي أو الولي العام الاّ مجازاً، لأن صفات الحاكم تختلف عن صفات الولي كما هو واضح جلي.

     لذا يرى ويدعو التيار المعارض لنظرية الولي الفقيه إلى تبني شورى الفقهاء أو المراجع مستدلين بقوله تعالى : {أمرهم شورى بينهم} وقوله تعالى في آية أخرى {(وشاورهم في الأمر)}.

 وأن الأصل أن الله عزوجل لم يعين أحد المراجع للحكم، الأمر الذي يقتضي إباحة اختيار أي منهم. ولخصوا رؤيتهم هذه على أن الحكومة الإسلامية قوامها شورى المراجع الذين هم مراجع تقليد الناس فهم نواب الأئمة، ولا وجه لأن يكون بعض المراجع في الحكم دون بعض. وأن ولاية الفقهاء العامة محصورة بالأمور الحسبية والتنظيمية. وأن الرجوع إلى الفقيه ليس أمراً مبهماً لا يمكن التعرف على ملاكه، وإن الرجوع إلى المختصين في الأمور السياسية إنما يهدف إلى تحسين الأداء السياسي. وأن الفقيه؛ بسبب تخصصه في علم الفقه، لا يُعّد هو القدر المتيقّن من المخوّلين في التصدي لمثل هذه الأمور، فلا بد من التمييز بين التخصّص في الفتوى والتخصّص في الإدارة والتنفيذ، فقد يكون الفقيه أعلم في الإفتاء، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أن يكون مختصّاً في الإدارة والتطبيق.

     وهكذا نرى أن نظرية (ولاية الفقيه) التي تحصر الحق في ممارسة السلطة في (الفقهاء) كانت محل نقاش كبير بين العلماء، لأن تلك الروايات الخاصة والعامة التي اعتمدت عليها كانت هي الأخرى، ولا تزال، محل نقاش كبير في سندها ودلالتها، مما يضعف الاستدلال على حصر حق الحكم في الفقهاء، إذ أن مناط الفقه غير مناط الحكم والقدرة على إدارة البلاد.

     نعم قد يستحسن أن يكون الحاكم فقيها، ولكن لا علاقة للفقه بالحكومة، إذ قد يستعين الحاكم بالفقهاء ويكوّن منهم مجلسا للشورى، وربما يقال: إن الحاكم يجب أن يكون فقيها بما يحتاج إليه من أمور الإدارة والسياسة والاقتصاد، ولا يجب أن يكون فقيها بمسائل الحلال والحرام الأخرى. وهناك أمور تتعلق بالقوة والأمانة، كالإشراف على أموال اليتامى والمجانين ولا علاقة لها بالفقه والاجتهاد.

     وقد رفض بعض العلماء نظرية ولاية الفقيه كالشيخ مرتضى الأنصاري الذي ناقش في (المكاسب) أدلة القائلين بالولاية العامة، حيث استعرض الروايات العامة التي يتشبثون بها، وأنكر دلالتها على الموضوع ولاية الفقيه وحدد دلالتها في موضوع الفتيا والقضاء فقط.

     وكذلك فعل الخوئي الذي قال :

إن ما استدل به على الولاية المطلقة في (عصر الغيبة) غير قابل للاعتماد عليه، ومن هنا قلنا بعدم ثبوت الولاية له إلا في موردين هما الفتوى والقضاء.

     ومما أستدل به المعارضين على نقد هذه النظرية هو تناقضها مع نظرية الإمامة الإلهية وأن فهم معنى الولاية المطلقة للفقهاء، من تلك الروايات الخاصة والعامة يتناقض مع نظرية (الإمامة الإلهية) التي تحصر الحق في الحكم في (الأئمة المعصومين المعينيين من قبل الله)، ولذلك لم يفهم أحد من العلماء الشيعة الإمامية السابقين الذين رووا تلك الروايات معنى الولاية منها، وآثروا الالتزام بنظرية الانتظار على استنباط معنى الولاية العامة منها. وأن الفقه بمعنى الاجتهاد، مفهوم حادث متأخر في الفكر الشيعي الإمامي الذي كان يحرم الاجتهاد في القرون الأربعة الأولى، ويعتبره من ملامح المذاهب السنية، وهو ما يقول به الاخباريون (الاماميون الأوائل) حتى اليوم. وأن إعطاء الفقيه العادل، وهو بشر غير معصوم ومعرض للخطأ والانحراف، صلاحيات الرسول صلى الله عليه وسلم المطلقة وولايته العامة على النفوس والأموال، والتطرف في ذلك إلى حد السماح للفقيه بتجميد القوانين الإسلامية الجزئية (الشريعة) كما يقول الإمام الخميني والآذري القمي وبعض أنصار ولاية الفقيه في إيران يعتبر محاولة لإلغاء الفوارق الضرورية بين النبي المعصوم المرتبط بالسماء وبين الفقيه الإنسان العادي المعرض للجهل والهوى والانحراف، وهذا ما يتناقض تماما مع الفكر الأمامي القديم الذي رفض مساواة أولي الأمر (الحكام العاديين) في وجوب الطاعة لهم كوجوب الطاعة لله والرسول، وذلك خوفا من أمرهم بمعصية والوقوع في التناقض بين طاعتهم وطاعة الله.. ومن هنا ابتدع الفكر الأمامي واشترط العصمة كشرط في (الإمام) - مطلق الإمام - ثم قال بوجوب النص، وانحصار النص في أهل البيت وفي سلالة علي والحسين إلى يوم القيامة.

     وقالوا : إذا أعطينا الفقيه الصلاحيات المطلقة والواسعة التي كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأوجبنا على الناس طاعته، وهو غير معصوم، فماذا يبقى من الفرق بينه وبين الرسول؟.. ولماذا إذن أوجبنا العصمة والنص في الإمامة وخالفنا بقية المسلمين وشجبنا اختيار الصحابة لأبي بكر مع انه كان افقه من الفقهاء المعاصرين؟

     وأضافوا مادام الفقيه إنسانا غير معصوم فانه معرض كغيره للهوى وحب الرئاسة والحسد والتجاوز والطغيان، بل انه معرض أكثر من غيره للتحول إلى اخطر دكتاتور يجمع بيديه القوة والمال والدين، وهو ما يدعونا إلى تحديد وتفكيك وتوزيع صلاحياته أكثر من غيره، لا أن نجعله كالرسول أو الأئمة المعصومين، فانه عندئذ سيتحول إلى ظل الله في الأرض، ويمارس هيمنة مطلقة على الأمة كما كان يفعل الباباوات في القرون الوسطى. ودللوا على هذا بما حدث في إيران عندما قال الخميني في رسالته إلى الخامنئي: إن الحكومة تستطيع أن تلغي من طرف واحد الاتفاقيات الشرعية التي تعقدها مع الشعب إذا رأت أنها مخالفة لمصالح البلد أو الإسلام، وتستطيع أن تقف أمام أي أمر عبادي أو غير عبادي إذا كان مضرا بمصالح الإسلام، ما دام كذلك. إن الحكومة تستطيع أن تمنع وفي ظروف التناقض مع مصالح البلد الإسلامي إذا رأت ذلك أن تمنع من الحج الذي يعتبر من الفرائض المهمة الإلهية، وان باستطاعة الحاكم أن يعطل المساجد عند الضرورة، وان يخرب المسجد الذي يصبح كمسجد ضرار ولا يستطيع أن يعالجه بدون التخريب!.

     وقد يجوز كل ذلك فعلا عند المصلحة والضرورة.. ولكن المشكلة هي من يحدد المصلحة والضرورة؟ إذ إن كل حاكم يرى أن المصلحة تقف إلى جانبه وان الصواب هو ما يراه، فإذا أعطيناه القدرة على تخريب المساجد فانه قد يخرب ويهدم المساجد المعارضة له ويعتبرها كمسجد ضرار، وتبلغ المشكلة قمة الخطورة عندما نعطي للحاكم القدرة على إلغاء أية اتفاقية شرعية يعقدها مع الأمة بحجة انه رأى بعد ذلك أنها مخالفة لمصلحة البلد أو الإسلام، دون أن نعطي الأمة الحق في تحديد تلك المصلحة أو ذلك التناقض مع الإسلام.

     وبالرغم من إن الخميني كان قد التزم مع الشعب الإيراني بالدستور الذي أعده مجلس الخبراء في بداية تأسيس الجمهورية الإسلامية، وحدد فيه صلاحيات الإمام، إلا انه ألغى الدستور عمليا وتجاوز صلاحياته ليتدخل في أعمال مجلس الشورى ومجلس المحافظة على الدستور ورئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء، وذلك انطلاقا من إيمانه بقدرة الفقيه الحاكم على إلغاء أية اتفاقية شرعية يعقدها مع الشعب، إذا رأى بعد ذلك أنها تتناقض مع مصلحة الأمة أو الإسلام، وهو ما عبر عنه للخامنئي عند احتجاجه على بعض تلك التجاوزات.

     والخميني الذي يؤمن بنظرية الجعل والنصب للفقهاء من قبل الإمام المهدي، يقع في مشكلة عويصة هي مشكلة التزاحم بين الفقهاء والصراع فيما بينهم على ممارسة السلطة والولاية، ويحاول حلها في كتاب (البيع) بصورة أو بأخرى. ولكنه لا يخرج منها بحل مرضٍ خصوصا وانه لا يرى أي دور للأمة في تفضيل واحد من الفقهاء على الآخر، أو حصر الحق بالولاية لمن تنتخبه الأمة، كما يرى الشيخ المنتظري في كتاب (دروس في ولاية الفقيه).