الإجماع عند الإمامية.. حجة أم طريق إلى قول الإمام؟

تُعد مسألة الإجماع من أهم مباحث أصول الفقه التي اعتمد عليها علماء المسلمين في استنباط الأحكام الشرعية، غير أن مفهومه وحجيته يختلفان باختلاف المدارس الفقهية. فأهل السنة والجماعة يرون الإجماع دليلاً شرعياً مستقلاً من أدلة التشريع بعد الكتاب والسنة، ويعدونه من أقوى الأدلة لما فيه من اجتماع الأمة أو علمائها على حكم شرعي. أما عند الإمامية الاثني عشرية فالأمر يختلف؛ إذ لا يُعد الإجماع عندهم دليلاً مستقلاً بذاته، وإنما تكون حجيته من جهة اشتماله على قول الإمام المعصوم أو كشفه عنه.

ولهذا يقرر علماء الإمامية في كتب الأصول أن قيمة الإجماع ليست في كونه اتفاقاً بين العلماء، بل في كونه طريقاً لمعرفة رأي الإمام المعصوم، فإذا لم يكشف عن قوله فلا قيمة له من حيث الاستدلال. وقد صرّح بذلك عدد من كبار علمائهم، مثل ابن المطهر الحلي ومحمد رضا المظفر وغيرهما، حيث أكدوا أن الحجة الحقيقية هي قول المعصوم نفسه، لا اتفاق الفقهاء. ومن هنا يظهر الفرق الجوهري بين منهج الإمامية ومنهج أهل السنة في التعامل مع الإجماع، وما يترتب على ذلك من آثار في بناء الأحكام الشرعية والاستدلال الفقهي.

الحجة في قول الإمام لا في الإجماع:

"إن الإجماع حجة لا لكونه إجماعاً، بل لاشتماله على قول الإمام المعصوم، وقوله بانفراده عندهم حجة"

(الإسنوي/ نهاية السول: 3/247).

يقول ابن المطهر الحلي:

"الإجماع إنما هو حجة عندنا لاشتماله على قول المعصوم، فكل جماعة كثرت أو قلت كان قول الإمام في جملة أقوالها، فإجماعها حجة لأجله لا لأجل الإجماع"

(ابن المطهر/ تهذيب الوصول إلى علم الأصول: ص 70، ط: طهران 1308هـ)

وبمثل هذا قال عدد من شيوخهم (المفيد/ أوائل المقالات ص 99-100، قوامع الفضول ص 305، حسين معتوق/ المرجعية الدينية العليا ص 16، وراجع كتب الأصول عندهم عامة).

ويقول محمد رضا المظفر:

"إن الإجماع لا قيمة علمية له عند الإمامية ما لم يكشف عن قول المعصوم.. فإذا كشف على نحو القطع عن قوله فالحجة في الحقيقة هو المنكشف لا الكاشف، فيدخل حينئذ في السنة، ولا يكون دليلاً مستقلاً في مقابلها" (المظفر/ أصول الفقه 3/92).

ويقول رضا الصدر:

 "وأما الإجماع عندنا - معاشر الإمامية - فليس بحجة مستقلة تجاه السنة، بل يعد حاكياً لها، إذ منه يستكشف رأي المعصومين عليهم السلام"

(الاجتهاد والتقليد: ص 17).