عاصر تاريخ الإسلام على مر العصور ظهور فرق وأفكار مبتدعة حاولت تشويه العقيدة وإدخال الالتباس على الناس في مسائل الإيمان والعبادة، مثل الجبرية والمفوضة وأصحاب القياس. وقد كان لأئمة أهل البيت عليهم السلام دور فاعل وحاسم في مواجهة هذه البدع، عبر بيان الحقائق العقدية، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وبيان الحدود الشرعية للأفعال، مستندين في ذلك إلى القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فقد رفضوا القول بالجبر المطلق أو التفويض المطلق، وأوضحوا أن الإنسان مسؤول عن أعماله ضمن قدرة الله، وحذروا من الاعتماد على الرأي المجرد أو القياس الفاسد في استنباط الأحكام، ليحافظوا بذلك على صيانة الدين وسلامة العقيدة من التحريف والانحراف.

وعن الكاظم عليه السلام قال: ما لكم والقياس، إن الله لا يسأل كيف أحل وكيف حرم[1].

وكانوا بالمرصاد لكل من سولت نفسه الإساءة للقرآن، كما حدث في محنة خلق القرآن، وقول الرضا رحمه الله في هذه المسألة: عصمنا الله وإياك من الفتنة، فإن يفعل فأعظم بها نعمة! وإلا يفعل فهي الهلكة، نحن نرى أن الجدال في القرآن بدعة اشترك فيها السائل والمجيب، فتعاطى السائل ما ليس له، وتكلف المجيب ما ليس عليه، وليس الخالق إلا الله، وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله، لا تجعل له اسما من عندك فتكون من الضالين، جعلنا الله وإياك من الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون[2].

وفي مواقفهم أخرى رحمهم الله ممن أراد الإساءة للقرآن ما جاء عن الإمام العسكري عليه السّلام في قضيةٍ الكندي وهو فيلسوف العراق في زمانه، حيث أخذ في تأليف تناقض القرآن، وشَغَلَ نفسَه بذلك، وتفرّدَ به في منزله. وإنّ بعض تلامذته دخل يوماً على الإمام الحسن العسكري عليه السّلام فقال له أبو محمّد العسكري عليه السّلام: أما فيكم رجلٌ رشيد يرَدَعُ اُستاذكم الكنديّ عمّا أخذ فيه من تشاغله بالقرآن؟ فقال التلميذ: نحنُ من تلامذته، كيف يجوز منّا الاعتراض عليه في هذا أو في غيره؟!فقال أبو محمّد عليه السّلام: أتؤدّي إليه ما اُلقيه إليك؟ قال: نعم.قال: فصِرْ إليه، وتلطَّفْ في مؤانسته ومعونته على ما هو بسبيله، فإذا وقعتِ الاُنسَةُ في ذلك فقل: قد حَضَرتْني مسألة أسألكَ عنها. فانّه يستدعي ذلك منك، فقل له: إن أتاكَ هذا المتكلم بهذا القرآن، هل يجوز أن يكون مرادُه بما تكلَّم به منه غير المعاني التي قد ظننتَها أنك ذهبتَ إليها؟ فإنه سيقول: أنه من الجائز؛ لأنه رجلٌ يفهمُ إذا سمعَ، فإذا أوجب ذلكَ فقلْ له: فما يُدريك لعلَّهُ قد أرادَ غير الذي ذهبتَ أنتَ إليه، فتكون واضعاً لغير معانيه!فصار الرجلُ إلى الكِندي وتلطَّفَ إلى أن ألقى عليه هذه المسألة.فقال له: أعِدْ عليَّ! فأعاد عليه، فتفكَّر في نفسه، ورأى ذلك محتمَلاً في اللغة، وسائغاً في النظر.وجاء في المناقب لابن شهر آشوب: أنّ الكِنديّ لما سمع من تلميذه ما علّمه الإمام العسكري قال: أقسمتُ عليكَ إلاّ أخبرتَني مِن أين لكَ هذا؟
فقال: أنه شيء عَرَضَ بقلبي فأوردتُه عليك، فقال: كلاّ، ما مِثلك مَن اْهتدى إلى هذا ولا مَن بلغَ هذه المنزلة، فعرِّفْني مِن أينَ لَكَ هذا؟فقال: أمَرَني به أبو محمد ﴿يعني الإمام الحسن العسكري عليه السّلام﴾.فقال: الآن جئتَ به وما كانَ ليَخرُجَ مثلُ هذا إلاّ مِن ذلكَ البيت ثمّ دعا بالنّار، وأحرقَ جميع ما كان أَلّفَه[3].

 وكذلك موقفهم من المشبهة والمجسمة وممن تاه في متاهات صفات الله عزوجل، فعن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال في صفته سبحانه وتعالى: ومن قال: أين، فقد أخلى منه، ومن قال: إلى م فقد وقته[4].

وسئله يهودي: متى كان ربنا؟ فقال له عليه السلام: إنما يقال: متى كان لشئ لم يكن فكان، وربنا تبارك وتعالى هو كائن بلا كينونة كائن، كان بلا كيف يكون، كائن لم يزل بلا لم يزل، وبلا كيف يكون، كان لم يزل ليس له قبل، هو قبل القبل بلا قبل وبلا غاية ولا منتهى، غاية ولا غاية إليها، غاية انقطعت الغايات عنه، فهو غاية كل غاية[5].

وعن العباسي أنه قال لأبي الحسن عليه السلام: جعلت فداك أمرني بعض مواليك أن أسألك عن مسألة، قال عليه السلام: ومن هو؟ قلت: الحسن بن سهل، قال عليه السلام: في أي شئ المسألة؟ قلت: في التوحيد، قال عليه السلام: وأي شئ من التوحيد؟ قلت: يسألك عن الله جسم أو لا جسم، فقال لي عليه السلام: إن للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب، مذهب إثبات بتشبيه، ومذهب النفي، ومذهب إثبات بلا تشبيه، فمذهب الاثبات بتشبيه لا يجوز، ومذهب النفي لا يجوز، والطريق في المذهب الثالث إثبات بلا تشبيه[6].

وعن الرضا عليه السلام أنه قال في وصفه جل شأنه: من شبه الله بخلقه فهو مشرك، ومن وصفه بالمكان فهو كافر[7].

وجاء عن أبي جعفر الجواد عليهما السلام إنهما قالا: من قال بالجسم فلا تعطوه من الزكاة، ولا تصلوا وراءه[8].

وكذلك موقفهم من مدعي الرهبة والتصوف، فعن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال لعاصم بن زياد، وقد لبس العباءة وتخلى عن الدنيا: يا عدي نفسه! لقد استهام بك الخبيث! أما رحمت أهلك وولدك! أترى الله أحل لك الطيبات، وهو يكره أن تأخذها! أنت أهون على الله من ذلك[9].

وعن علي بن جعفر قال: سألت أخي موسى عليه السلام عن الرجل المسلم هل يصلح له أن يسيح في الأرض أو يترهب في بيت لا يخرج منه؟ قال: لا[10].

وأما مواقفهم من الغلاة فحدث ولا حرج، فقد اظهروا البراءة منهم ولعنهم، ومن ذلك لما أظهر أبو الجارود بدعته، تبرأ منه الإمام الباقر عليه السلام وسماه باسم الشيطان سرحوب، مبالغة في التنفير منه. ولعنه الإمام الصادق عليه السلام ولعن معه كثير النواء وسالم بن أبي حفصة، فقال عليه السلام: كذابون مكذبون كفار، عليهم لعنة الله. وهكذا لعنوا المغيرة بن سعيد، وأبا الخطاب، وبيان وغيرهم، ولما وقفوا على بدعة ابن كيال تبرأوا منه ولعنوه. وقد مر بنا لعن بعضهم في باب الوضع والوضاعون، كقول الإمام الصادق عليه السلام: كان المغيرة بن سعيد يتعمد الكذر على أبي، ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدس فيها الكفر والزندقة ويسندها إلى أبي ثم يدفعها إلى أصحابه ويأمرهم أن يبثوها في الشيعة، فكل ما كان في كتب أصحاب أبي من الغلو فذلك ما دسه المغيرة ابن سعيد في كتبهم[11]. ومر بنا أيضاً قوله رحمه الله: لا تقبلوا علينا حديثا إلا ما وافق القرآن والسنة، أو تجدون معه شاهدا من أحاديثنا المتقدمة، فإن المغيرة بن سعيد لعنه الله دس في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها أبي، فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا تعالى وسنة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم فإنا إذا حدثنا قلنا: قال الله عز وجل، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. لذا كان هدي بعض أصحاب الأئمة التثبت من هذا روايات كما جاء عن يونس بن عبد الرحمن حيث قال: وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر عليه السلام ووجدت أصحاب أبي عبد الله عليه السلام متوافرين، فسمعت منهم، وأخذت كتبهم، فعرضتها من بعد على أبي الحسن الرضا عليه السلام فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أحاديث أبي عبد الله عليه السلام وقال لي: إن أبا الخطاب كذب على أبي عبد الله عليه السلام لعن الله أبا الخطاب، وكذلك أصحاب أبي الخطاب، يدسون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد الله عليه السلام فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن.. الرواية.

ومن محاربتهم للغلاة أيضاً ردهم على من قال بإلوهيتهم، فعن الرضا عليه السلام قال: حدثني أبي موسى بن جعفر عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب عليه السلام، قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا ترفعوني فوق حقي فإن الله تبارك تعالى اتخذني عبدا قبل أن يتخذني نبيا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران: 79-80] [12].


[1] المحاسن، لأحمد بن لمحمد بن خالد البرقي، 1/214، الكافي، للكليني، 1/57، الحاشية على أصول الكافي، رفيع الدين لمحمد بن حيدر النائيني 204، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 27/43، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 1/271، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 9/239، الفصول الغروية في الأصول الفقهية، لمحمد حسين الحائري 284

[2]، الأمالي، للصدوق 639، التوحيد، للصدوق 224، روضة الواعظين، للفتال النيسابوري 38، بحار الأنوار، للمجلسي، 89/118، نور البراهين، لنعمة الله الجزائري، 1/532، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 2/358، 4/

[3] مناقب آل أبي طالب، لإبن شهر آشوب، 3 /526، بحار الأنوار، للمجلسي، 50 /311، رجال تركوا بصمات على قسمات التاريخ، للطيف القزويني، 247

[4] التوحيد، للصدوق 57، الاحتجاج، للطبرسي، 1/296، بحار الأنوار، للمجلسي، 4/285، 74/300، نور البراهين، لنعمة الله الجزائري، 1/156، مسند الإمام الرضا (عليه السلام)، لعزيز الله عطاردي، 1/23، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 9/415، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري، 3/1894، 1927، نهج السعادة، للمحمودي، 3/40، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، لناصر مكارم الشيرازي، 14/423، نهج الإيمان، لإبن جبر 367، صحيفة الرضا (عليه السلام)، جمع لجواد القيومي 328، موسوعة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الكتاب والسنة والتاريخ، لمحمد الريشهري، 10/94، 141، الإثنا عشرية، للحر العاملي 69

[5] التوحيد، للصدوق 77، الفصول المهمة في أصول الأئمة، للحر العاملي، 1/167(الحاشية)، بحار الأنوار، للمجلسي، 3/285، 74/331، نور البراهين، لنعمة الله الجزائري، 1/214، معارج اليقين في أصول الدين، لمحمد السبزواري 38

[6] التوحيد، للصدوق 101، بحار الأنوار، للمجلسي، 3/304، نور البراهين، لنعمة الله الجزائري، 1/258

[7] التوحيد، للصدوق 69، روضة الواعظين، الفتال النيسابوري 36، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 28/344، مشكاة الأنوار، علي الطبرسي 39، الفصول المهمة في أصول الأئمة، للحر العاملي، 1/245، بحار الأنوار، للمجلسي، 3/299، نور البراهين، لنعمة الله الجزائري، 1/191، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 26/28، مسند الإمام الرضا (عليه السلام)، لعزيز الله عطاردي، 1/24، 29، تفسير نور الثقلين، للحويزي، 3/87، معارج اليقين في أصول الدين، لمحمد السبزواري 38

[8] التوحيد، للصدوق 101، تهذيب الأحكام، للطوسي، 3/283، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 9/228، الفصول المهمة في أصول الأئمة، للحر العاملي، 2/138، بحار الأنوار، للمجلسي، 3/303، 85/85، 93/66، نور البراهين، لنعمة الله الجزائري، 1/258، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 6/413، 8/214

[9] نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)، 2/187، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 3/316، بحار الأنوار، للمجلسي، 40 336، 63/320، 67/118، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 16/689، دراسات في نهج البلاغة، لمحمد مهدي شمس الدين 230، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 6/245، تفسير مجمع البيان، للطبرسي، 9/148:

تفسير نور الثقلين، للحويزي، 2/25، 5/17، أعيان الشيعة، لمحسن الأمين، 6/457، موسوعة المصطفى والعترة (عليهم السلام)، الحاج حسين الشاكري، 9/104

[10] مسائل علي بن جعفر، لإبن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) 116، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 11/345، بحار الأنوار، للمجلسي، 10/255، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 16/370، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي الشاهرودي، 4/262

[11] مر تخريجة

[12] عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، للصدوق، 1/217، النوادر، لفضل الله الراوندي، 125، مدينة المعاجز، لهاشم البحراني، 7/151، بحار الأنوار، للمجلسي، 25/134، 265، 272، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي الشاهرودي، 8/16، درر الأخبار، للحجازي خسرو شاهي، 210، مسند الإمام الرضا (عليه السلام)، لعزيز الله عطاردي، 2/134، موسوعة كلمات الإمام الحسين (عليه السلام)، للجنة الحديث في معهد باقر العلوم (عليه السلام)، 698، 1080، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري، 3/2294، التفسير الأصفى، للفيض الكاشاني، 1/158، التفسير الصافي، للفيض الكاشاني، 1/350، تفسير نور الثقلين، للحويزي، 1/357، تفسير كنز الدقائق، للميرزا محمد المشهدي، 2/137، إكليل المنهج في تحقيق المطلب، لمحمد جعفر بن لمحمد طاهر الخراساني الكرباسي 467، 606، أهل البيت في الكتاب والسنة، لمحمد الريشهري 522، حياة الإمام الحسين (عليه السلام)، لباقر شريف القرشي، 1/141، موسوعة المصطفى والعترة (عليهم السلام)،، للحاج حسين الشاكري، 11/121، موسوعة المصطفى والعترة (عليهم السلام)،، للحاج حسين الشاكري، 12/156، الحق المبين في معرفة المعصومين (عليه السلام)، لعلي الكوراني العاملي 453، بداية المعارف اللهية في شرح عقائد الإمامية، لمحسن الخزازي، 2/96 (الحاشية)، مناظرات في العقائد والأحكام، لعبد الله الحسن، 1/408