البدعة بين اللغة والاصطلاح
تُعَدُّ مسألةُ البدعة من أخطر المسائل التي دار حولها الجدل في تاريخ الفكر الإسلامي، لما يترتب عليها من آثار عقدية وتشريعية تمسُّ صميم الدين وأصوله. فالحديث عن البدعة ليس حديثًا عن مسألةٍ فرعيةٍ عابرة، بل هو بحثٌ في حدود الاتباع المشروع، والفاصل الدقيق بين الالتزام بالنصوص الشرعية وبين إحداث ما لم يأذن به الله تعالى. ومن هنا اهتمَّ علماء اللغة بتأصيل معناها اللغوي، كما اعتنى علماء العقيدة والفقه ببيان مفهومها الاصطلاحي وضبط حدِّها، حمايةً للشريعة من التحريف، وصونًا للدين من الزيادة والنقصان.
وقد تنوّعت عبارات العلماء في تعريف البدعة، لكنها التقت في جوهرها عند معنى الإحداث والإنشاء من غير مثال سابق، سواء في أصل الشيء أو في خصوصيته، مع التأكيد على خطورة إدخال ما ليس من الدين فيه، أو نسبة ما لم يشرعه الله ورسوله إلى الشريعة. كما تناول علماء المدارس الكلامية المختلفة هذه القضية، وبيّنوا موقفهم منها، وما يترتب عليها من أحكام شرعية.
وفي هذا المقال نقف على المعنى اللغوي للبدعة كما قرره أئمة اللغة، ثم ننتقل إلى معناها الاصطلاحي عند طائفة من علماء الإمامية، لنستعرض تصوّرهم وحدودهم للبدعة، وما يترتب عليها من أحكام، في دراسةٍ علميةٍ موثَّقةٍ تُبرز أوجه الاتفاق والاختلاف، وتوضح خطورة هذا المفهوم وأثره في واقع الأمة.
البدعة في اللغة:
قال الفراهيدي: البَدع: إحداثُ شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر ولا معرفة.
ويقول الراغب: الابداع: هو إنشاء صفةٍ بلا احتذاء واقتداء.
وقال ابن فارس: البدع: ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال.
وقال الفيروزآبادي: البِدعة: الحدث في الدين بعد الاكمال، أو ما استحدث بعد النبي من الاَهواء والاَعمال.
وعلى هذا الاَساس تقول من "البَدع": ﴿بدعتُ الشيء إذا انشأته﴾
كما تقول من ﴿الابداع﴾: ابتدع الشيء: أي "أنشأه وبدأه"
وتقول أيضاً: ﴿أبدعتُ الشيء أي اخترعته لا على مثال﴾.
و «أبدعَ» الله تعالى الخلق «إبداعاً»: أي خلقهم لاعلى مثال سابق، و«أبدعتُ» الشيء و«ابتدعته» استخرجته وأحدثته، ومن ذلك قيل للحالة المخالفة «بدعة»، وهي اسم من «الابتداع»، كالرفعة من الارتفاع.
ومن أسماء الله تعالى "البديع": وهو الذي فطر الخلق مُبدِعاً لا على مثال سابق. قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ [البقرة: 117]﴾ أي مبتدعها ومبتدئها لا على مثال سابق.
البدعة في الإصطلاح:
يقول المرتضى: البدعة: الزيادة في الدين أو نقصان منه من غير إسناد إلى الدين[1].
وقال الطريحي: الحدثُ في الدين، وما ليس له أصل في كتاب ولا سُنّة، وإنّما سُـمّيت بدعة لاَنّ قائلها ابتدعها هو نفسه[2].
ويقول المجلسي: ماحدث بعد الرسول ولم يرد فيه نصّ على الخصوص... وما يُفعل منها على وجه العموم إذا قُصد كونها مطلوبة على الخصوص كان بدعة، كما إذا عيّن أحدٌ سبعين تهليلة في وقت مخصوص على أنّها مطلوبة للشارع في خصوص هذا الوقت، بلا نصّ ورد فيها، كانت بدعة. وبالجملة إحداث أمر في الشريعة لم يرد فيه نص، بدعة، سواء كان أصلها مبتدعاً أو خصوصيتها مبتدعة[3].
وقال المحقق الاشتياني: البدعة: إدخال ما علم أنه ليس من الدين في الدين، ولكن يفعله بأنّه أمَرَ به الشارع[4].
وقال محسن الامين: البدعة إدخال ما ليس من الدين في الدين ولا يحتاج تحريمها إلى دليل خاص لحكم العقل بعدم جواز الزيادة على أحكام الله تعالى ولا التنقيص منها لاختصاص ذلك به تعالى وبأنبيائه الذين لا يصدرون إلا عن أمره مع أنه قد ورد النص بأن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار [5].
وقال المفيد ملخصاً موقف الإمامية من البدع:
إتفقت الامامية على أن أصحاب البدع كلهم كفار، وأن على الامام أن يستتيبهم عند التمكن بعد الدعوة لهم وإقامة البينات عليهم، فإن تابوا عن بدعهم وصاروا إلى الصواب وإلا قتلهم لرددتهم عن الايمان، وأن من مات منهم على تلك البدعة فهو من أهل النار[6].