الدعاء في حياة الإنسان ليس مجرد كلمات تُقال، بل هو جسرٌ روحي يربط العبد بخالقه، ويعكس عمق الإيمان وصدق التوجه نحو الله عز وجل.

 وعند دراسة منهج آل البيت عليهم السلام، نجد أن الدعاء لديهم يحمل أسمى معاني التوحيد والإخلاص، ويظهر مدى اعتمادهم على الله وحده في جميع أمور الحياة.

الأدعية التي وردت عنهم، سواء في شهر رمضان أو في الحياة اليومية، تؤكد على أن التوكل على الله والتفويض له، وطلب العون منه وحده، هما الأساس في حياة المؤمن.

 فالدعاء عندهم ليس مجرد طلب حاجات دنيوية أو آخروية، بل هو وسيلة لتربية النفس على الصبر واليقين والتسليم لله، ونفي أي شريك عن ملكه عز وجل.

عبر نصوصهم، نجد حرصًا واضحًا على تجنب الغفلة والاعتماد على الناس فيما يقدر الله وحده على تحقيقه، كما يظهر في أدعيتهم التفصيلية التي تشمل طلب الحماية من الشيطان، والابتلاءات، والهموم، وتحقيق الرزق والصحة والعافية، وبلوغ الطاعات، والتمتع بالتقرب من الله بالعبادة والدعاء.

 هذه الأدعية الغنية بالمعاني تثبت أن الدعاء ليس مجرد عادة، بل هو ممارسة أساسية لتقوية العقيدة، وتثبيت التوحيد في القلب والوجدان، على عكس الفرق الضالة التي شوهت هذا النبع الأصيل.

وهذا دعاء آخر من أدعيته في شهر رمضان:

أعني على صيامه وقيامه وسلمه لي وسلمني فيه، تسلمه مني، وأعني عليه بأفضل عونك ووفقني فيه لطاعتك وطاعة رسولك وأوليائك صلوات الله عليهم وفرغني فيه لعبادتك ودعائك، وتلاوة كتابك، وأعظم لي فيه البركة وأحرز لي فيه التوبة، وأحسن لي فيه العافية وأصح فيه بدني، وأوسع لي فيه رزقي، واكفني فيه ما أهمني، واستجب فيه دعائي، وبلغني فيه أملي ورجائي.

 اللهم.

جنبني فيه العلل والأسقام، والهموم والأحزان، والأعراض والأمراض، والخطايا والذنوب، واصرف عني فيه السوء والفحشاء، والجهد والبلاء، والتعب والعناءإنك سميع الدعاء.

وأعذني فيه من الشيطانالرجيم، وهمزه ولمزه، ونفثه ونفخه، ووسوسته وتثبيطه وبطشه وكيده، ومكره وحبائله وخدعه وأمانيه، وغروره وفتنته، وخيله ورجله، وأعوانه وشركه وأتباعه وإخوانه، وأحزابه وأشياعه، وأوليائه وشركائه، وجميع مكائده.

وارزقني تمام صيامه وبلوغ الأمل فيه وفي قيامه، واستكمال ما يرضيك عني صبرا واحتسابا، وإيمانا ويقينا، ثم تقبل ذلك مني بالأضعاف الكثيرة والأجر العظيم يا رب العالمين.

 اللهم صل على محمد وآل محمد وارزقني الحج والعمرة، والجد والاجتهاد، والقوة والنشاط، والإنابة والتوبة، والتوفيق والقربة، والخير المقبول، والرغبة والرهبة، والتضرع والخشوع، والرقة، والنية الصادقة، وصدق اللسان، والوجل منك، والرجاء لك، والتوكل عليك، والثقة بك، والورع عن محارمك مع صالح القول، ومقبول السعي، ومرفوع العمل، ومستجاب الدعوة، ولا تحل بيني وبين شئ من ذلك بعرض ولا مرض ولا هم ولا غم ولا سقم ولا غفلة ولا نسيان، بل بالتعاهد والتحفظ لك وفيك، والرعاية لحقك والوفاء بعهدك ووعدك، برحمتك يا أرحم الراحمين.

 وأقسم لي فيه أفضل ما تقسمه لعبادك الصالحين، وأعطني فيه أفضل ما تعطي أولياءك المقربين من الرحمة والمغفرة، والتحنن والإجابة، والعفو والمغفرة الدائمة والعافية والمعافاة، والعتق من النار، والفوز بالجنة، وخير الدنيا والآخرة.

 واجعل دعائي فيه إليك واصلا، ورحمتك وخيرك إلي فيه نازلا، وعملي فيه مقبولا، وسعيي فيه مشكورا، وذنبي فيه مغفورا، حتى يكون نصيبي فيه الأكبر وحظي فيه الأوفر.

 اللهم صل على محمد وآل محمد، ووفقني فيه لليلة القدر على أفضل حال تحب أن يكون عليها أحد من أوليائك، وأرضاها لك ثم اجعلها لي خيرا من ألف شهر، وارزقني فيها أفضل ما رزقت أحدا ممن بلغته إياها، وأكرمته بها، واجعلني فيها من عتقائك من جهنم، وطلقائك من النار، وسعداء خلقك بمغفرتك ورضوانك يا أرحم الراحمين.

 وارزقنا في شهرنا هذا الجد والاجتهاد، والقوة والنشاط، وما تحب وترضى.

 اللهم رب الفجر وليال عشر، والشفع والوتر، ورب شهر رمضان وما أنزلت فيه من القرآن، ورب جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وجميع الملائكة المقربين، ورب إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ورب موسى وعيسى وجميع النبيين والمرسلين، ورب محمد خاتم النبيين صلواتك عليه وعليهم أجمعين، وأسألك بحقك عليهم، وبحقهم عليك، وبحقك العظيم لما صليت عليه وآله وعليهم أجمعين ونظرت إلي نظرة رحيمة ترضى بها عني، رضى لا سخط علي بعده أبدا، وأعطيتني جميع سؤلي ورغبتي وأمنيتي وإرادتي، وصرفت عني جميع ما أكره وأحذر وأخاف على نفسي وما لا أخاف وعن أهلي ومالي وإخواني وذريتي.

 اللهم إليك فررنا من ذنوبنا، فآونا تائبين، وتب علينا مستغفرين واغفر لنا متعوذين، وأعذنا مستجيرين، وأجرنا مستسلمين، ولا تخذلنا راهبين، وآمنا راغبين، وشفعنا سائلين، وأعطنا إنك سميع الدعاء، قريب مجيب.

 اللهم أنت ربي، وأنا عبدك، وأحق من سأل العبد ربه، ولم يسأل العباد مثلك كرما وجودا.

 يا موضع شكوى السائلين، ويا منتهى حاجة الراغبين، ويا غياث المستغيثين، ويا مجيب دعوة المضطرين، ويا ملجأ الهاربين، ويا صريخ المستصرخين، ويا رب المستضعفين، ويا كاشف كرب المكروبين، ويا فارج هم المهمومين، ويا كاشف الكرب العظيم، يا الله يا رحمن يا رحيم يا أرحم الراحمين، واغفر لي ذنوبي وعيوبي وإساءتي وظلمي وجرمي وإسرافي على نفسي، وارزقني من فضلك ورحمتك فإنه لا يملكها غيرك، واعف عني، واغفر لي كلما سلف من ذنوبي، واعصمني فيما بقي من عمري، واستر علي وعلى والدي وولدي وقرابتي وأهل حزانتي ومن كان مني بسبيل من المؤمنين والمؤمنات في الدنيا والآخرة، فإن ذلك كله بيدك، وأنت واسع المغفرة، فلا تخيبني يا سيدي، ولا ترد دعائي، ولا تغل يدي إلى نحري حتى تفعل ذلك بي، وتستجيب لي جميع ما سألتك، وتزيدني من فضلك، فإنك على كل شئ قدير، ونحن إليك راغبون.

 اللهم لك الأسماء الحسنى والأمثال العليا والكبرياء والآلاء، أسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم، إن كنت قضيت في هذه الليلة تنزل الملائكة والروح فيها أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تجعل اسمي في السعداء، وروحي مع الشهداء، وإحساني في عليين، وإساءتي مغفورة، وأن تهب لي يقينا تباشر به قلبي، وإيمانا لا يشوبه شك، ورضى بما قسمت لي، وآتني في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقني عذاب النار.

 وإن لم تكن قضيت في هذه الليلة تنزل الملائكة والروح فيها، فصل على محمد وآل محمد وأخرني إلى ذلك، وارزقني فيها ذكرك وشكرك وطاعتك وحسن عبادتك، وصل على محمد وآل محمد بأفضل صلواتك يا أرحم الراحمين.

 يا أحد يا صمد يا رب محمد إغضب اليوم لمحمد ولأبرار عترته، واقتل أعداءهم بددا وأحصهم عددا، ولا تدع على ظهر الأرض منهم أحدا، ولا تغفر لهم أبدا، يا حسن الصحبة، يا خليفة النبيين، أنت أرحم الراحمين، البدئ البديع الذي ليس كمثلك شئ، والدائم غير الغافل، والحي الذي لا يموت، أنت كل يوم في شأن أنت خليفة محمد، وناصر محمد، ومفضل محمد، أسألك أن تنصر وصي محمد، وخليفة محمد، والقائم بالقسط من أوصياء محمد صلواتك عليه وعليهم، إعطف عليهم نصرك.

 يا لا إله إلا أنت لا إله إلا أنت صل على محمد وآل محمد، واجعلني معهم في الدنيا والآخرة، واجعل عاقبة أمري إلى غفرانك ورحمتك يا أرحم الراحمين، وكذلك نسبت نفسك يا سيدي باللطيف، بلى إنك لطيف، فصل على محمد وآل محمد والطف لي، إنك لطيف لما تشاء .

 اللهم صل على محمد وآله، وارزقني الحج والعمرة في عامي هذا وتطول علي بجميع حوائجي للآخرة والدنيا.

 ثم يقول ثلاثا: أستغفر الله ربي وأتوب إليه إن ربي قريب مجيب، أستغفر الله ربي وأتوب إليه إن ربي رحيم ودود، أستغفر الله ربي وأتوب إليه أنه كان غفارا.

 اللهم اغفر لي إنك أرحم الراحمين، رب إني عملت سوء وظلمت نفسي، فاغفر لي أنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم الحليم العظيم العليم الكريم الغافر للذنب العظيم وأتوب إليه، أستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما.

 ثم يقول: اللهم إني أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تجعل فيما تقضي وتقدر من الأمر العظيم المحتوم في ليلة القدر، من القضاء الذي لا يرد ولا يبدل، أن تكتبني من حجاج بيتك الحرام، المبرور حجهم، المشكور سعيهم، المغفور ذنوبهم، المكفر عنهم سيئاتهم، وأن تجعل فيما تقضي وتقدر أن تطيل عمري، وتوسع رزقي وتؤدي عني أمانتي وديني، آمين يا رب العالمين.

 اللهم اجعل لي من أمري فرجا ومخرجا، وارزقني من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب، واحرسني من حيث أحترس ومن حيث لا أحترس، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما كثيرا[1].

ومن دعاؤه أيضاً رحمه الله: إلهي إن كان قل زادي في المسير إليك، فلقد حسن ظني بالتوكل عليك، وإن كان جرمي قد أخافني من عقوبتك، فإن رجائي قد أشعرني بالأمن من نقمتك، وإن كان ذنبي قد عرضني لعقابك، فقد آذنني حسن ثقتي بثوابك، وإن أنامتني الغفلة عن الاستعداد للقائك، فقد نبهتني المعرفة بكرمك وآلائك، وإن أوحش ما بيني وبينك فرط العصيان والطغيان، فقد آنسني بشرى الغفران والرضوان.

 أسألك بسبحات وجهك وبأنوار قدسك، وأبتهل إليك بعواطف رحمتك ولطائف برك، أن تحقق ظني بما أؤمله من جزيل إكرامك، وجميل إنعامك في القربى منك والزلفى لديك والتمتع بالنظر إليك، وها أنا متعرض لنفحات روحك وعطفك ومنتجع غيث جودك ولطفك، فار من سخطك إلى رضاك، هارب منك إليك، راج أحسن ما لديك، معول على مواهبك، مفتقر إلى رعايتك.

 إلهي ما بدأت به من فضلك فتممه، وما وهبت لي من كرمك فلا تسلبه، وما سترته علي بحلمك فلا تهتكه، وما علمته من قبيح فعلي فاغفره.

 إلهي استشفعت بك إليك، واستجرت بك منك، أتيتك طامعا في إحسانك، راغبا في امتنانك، مستسقيا وابل طولك، مستمطرا غمام فضلك، طالبا مرضاتك، قاصدا جنابك، واردا شريعة رفدك ملتمسا سني الخيرات من عندك، وافدا إلى حضرة جمالك، مريدا وجهك، طارقا بابك، مستكينا لعظمتك وجلالك، فافعل بي ما أنت أهله من المغفرة والرحمة ولا تفعل بي ما أنا أهله من العذاب والنقمة برحمتك يا أرحم الراحمين [2]

ومن دعاؤه أيضاً: إلهي هديتني فلهوت، ووعظت فقسوت، وأبليت الجميل فعصيت ثم عرفت ما أصدرت إذا عرفتنيه، فاستغفرت فأقلت فعدت فسترت، فلك الحمد.

 إلهي تقحمت أودية الهلاك، وحللت شعاب تلف تعرضت فيها لسطواتك وبحلولها عقوباتك، ووسيلتي إليك التوحيد، وذريعتي أني لم أشرك بك شيئا، ولم أتخذ معك إلها، وقد فررت إليك بنفسي، وإليك مفر المسئ، ومفزع المضيع لحظ نفسه الملتجئ.

 فكم من عدو انتضى علي سيف عداوته، وشحذ لي ظبة مديته وأرهف لي شبا حده، وداف لي قواتل سمومه، وسدد نحوي صوائب سهامه، ولم تنم عني عين حراسته، وأضمر أن يسومني المكروه، ويجرعني زعاق مرارته، فنظرت يا إلهي إلى ضعفي عن احتمال[3].

ومن ادعيته رحمه الله في طلب الحوائج:

اللهم يا منتهى مطلب الحاجات، ويا من عنده نيل الطلبات ويا من لا يبيع نعمه بالأثمان، ويا من لا يكدر عطاياه بالامتنان، ويا من يستغنى به ولا يستغنى عنه، ويا من يرغب إليه ولا يرغب عنه، ويا من لا تفني خزائنه المسائل، ويا من لا تبدل حكمته الوسائل، ويا من لا تنقطع عنه حوائج المحتاجين، ويا من لا يعنيه دعاء الداعين.

 تمدحت بالغناء عن خلقك وأنت أهل الغنى عنهم، ونسبتهم إلى الفقر وهم أهل الفقر إليك، فمن حاول سد خلته من عندك، ورام صرف الفقر عن نفسه بك، فقد طلب حاجته في مظانها وأتى طلبته من وجهها، ومن توجه بحاجته إلى أحد من خلقك، أو جعله سبب نجحها دونك، فقد تعرض للحرمان، واستحق من عندك فوت الاحسان.

 اللهم ولي إليك حاجة قد قصر عنها جهدي، وتقطعت دونها حيلي، وسولت لي نفسي رفعها إلى من يرفع حوائجه إليك، ولا يستغني في طلباته عنك، وهي زلة من زلل الخاطئين، وعثرة من عثرات المذنبين، ثم انتبهت بتذكيرك لي من غفلتي، ونهضت بتوفيقك من زلتي، ونكصت بتسديدك عن عثرتي، وقلت سبحان ربي كيف يسأل محتاج محتاجا؟! وأنى يرغب معدم إلى معدم؟! فقصدتك يا إلهي بالرغبة، وأوفدت عليك رجائي بالثقة بك، وعلمت أن كثير ما أسألك يسير في وجدك، وأن خطير ما أستوهبك حقير في وسعك، وأن كرمك لا يضيق عن سؤال أحد، وأن يدك بالعطايا أعلى من كل يد.

 اللهم فصل على محمد وآله، واحملني بكرمك على التفضل ولا تحملني بعدلك على الاستحقاق، فما أنا بأول راغب رغب إليك فأعطيته وهو يستحق المنع، ولا بأول سائل سألك فأفضلت عليه وهو يستوجب الحرمان.

 اللهم صل على محمد وآله، وكن لدعائي مجيبا، ومن ندائي قريبا، ولتضرعي راحما، ولصوتي سامعا، ولا تقطع رجائي عندك، ولا تبت سببي منك، ولا توجهني في حاجتي هذه وغيرها إلى سواك، وتولني بنجح طلبتي وقضاء حاجتي، ونيل سؤلي قبل زوالي عن موقفي هذا، بتيسيرك لي العسير، وحسن تقديرك لي في جميع الأمور.

 وصل على محمد وآله، صلاة دائمة نامية لا انقطاع لأبدها، ولا منتهى لأمدها واجعل ذلك عونا لي، وسببا لنجاح طلبتي، إنك واسع كريم، ومن حاجتي يا رب: كذا وكذا.

 وتذكر حاجتك، ثم تسجد وتقول في سجودك: فضلك آنسني، وإحسانك دلني، فأسألك بك وبمحمد وآله صلواتك عليهم أن لا تردني خائبا[4].

 وقوله: اللهم عفوك عن ذنوبي، وتجاوزك عن خطاياي، وسترك على قبيح عملي، أطمعني في أن أسألك ما لا أستحقه بما أذقتني من رحمتك، وأوليتني من إحسانك، فصرت أدعوك آمنا، وأسألك مستأنسا، لا خائفا ولا وجلا مدلا عليك بإحسانك إلي، عاتبا عليك إذا أبطأ علي ما قصدت فيه إليك، ولعل الذي أبطأ علي هو خير لي لعلمك بعواقب الأمور.

 فلم أر مولى كريما أصبر على عبد لئيم منك علي، لأنك تحسن فيما بيني وبينك وأسيء، وتتودد إلي وأتبغض إليك، كأن لي التطول عليك، ثم لم يمنعك ذلك من الرأفة بي، والاحسان إلي.

 وإني لأعلم أن واحدا من ذنوبي يوجب لي أليم عذابك، ويحل بي شديد عقابك، ولكن المعرفة بك، والثقة بكرمك، دعاني إلى التعرض لذلك.

 وتدعو بما أحببت[5].

 ومنها: يا من حاز كل شئ ملكوتا، وقهر كل شئ جبروتا، ألج قلبي فرح الاقبال عليك، وألحقني بميدان الصالحين المطيعين لك.

 يا من قصده الطالبون فوجدوه متفضلا، ولجأ إليه العائذون فوجدوه نوالا، وأمه الخائفون فوجدوه قريبا[6].

ومنها قوله عليه السلام: وأنت الذي دللتهم بقولك من غيبك وترغيبك الذي فيه حظهم على ما لو سترته عنهم لم تدركه أبصارهم، ولم تعه أسماعهم، ولم تلحقه أوهامهم، فقلت: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ [البقرة: 152].

 وقلت: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم: 7].

 وقلت: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: 60] " فسميت دعاءك عبادة، وتركه استكبارا وتوعدت على تركه دخول جهنم داخرين[7].

 

وغيرها كثير.

 وقد روي أنه رحمه الله مر برجل وهو قاعد على باب رجل فقال له: ما يقعدك على باب هذا المترف الجبار!؟ فقال: البلاء، فقال: قم، فأرشدك إلى باب خير من بابه، وإلى رب خير لك منه.

 فأخذ بيده حتى إنتهى إلى مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أنه قال: استقبل القبلة، وصل ركعتين، ثم ارفع يديك إلى الله عز وجل، فأثن عليه، وصل على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

ثم سل الله، فإنك لا تسأل شيئا إلا أعطاك[8].

 وعن ابن أبي حمزة قال:

 سمعت علي بن الحسين عليهما السلام قال: لابنه يا بني من أصابه منكم مصيبة أو نزلت به نازلة فليتوضأ وليسبغ الوضوء ثم يصلي ركعتين أو أربع ركعات ثم يقول في آخر هن: يا موضع كل شكوى ويا سامع كل نجوى وشاهد كل ملاء وعالم كل خفية ويا دافع ما يشاء من بلية، ويا خليل إبراهيم ويا نجي موسى ويا مصطفي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أدعوك دعاء من اشتدت فاقته وقلت حيلته وضعفت قوته، دعاء الغريق الغريب المضطر الذي لا يجد لكشف ما هو فيه إلا أنت يا أرحم الراحمين، فإنه لا يدعو به أحد إلا كشف الله عنه إن شاء الله[9].

 

وروى إبنه الباقر عليه السلام قال:

 قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للفضل بن العباس: يا غلام، خف الله تجده أمامك، يا غلام خف الله يكفك ما سواه، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، ولو أن جميع الخلائق اجتمعوا على أن يصرفوا عنك شيئا قد قدر لك لم يستطيعوا، ولو أن جميع الخلائق اجتمعوا على أن يصرفوا إليك شيئا لم يقدر لك لم يستطيعوا، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن اليسر مع العسر، وكل ما هو آت قريب، إن الله يقول: ولو أن قلوب عبادي اجتمعت على قلب أشقى عبد لي ما نقصني ذلك من سلطاني جناح بعوضة، ولو أن قلوب عبادي اجتمعت على قلب أسعد عبد لي ما زاد ذلك إلا مثل إبرة جاء بها عبد من عبادي فغمسها في بحر، وذلك أن عطائي كلام، وعدتي كلام، وإنما أقول للشئ: كن فيكون[10].

وهذا الصادق عليه السلام يقول:

يا فارج الهم ويا كاشف الغم، يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، فرج همى، واكشف غمي، يا الله الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد واعصمني، وطهرني، واذهب ببليتي، واقرأ آية الكرسي والمعوذتين[11].

رحم الله الصادق عليه السلام الذي حث أتباعه بقوله وفعله على التوحيد.

 فقد كان يقول: لا يكون العبد مشركا حتى يصلي لغير الله، أو يذبح لغير الله، أو يدعو لغير الله عز وجل [12].

 وقوله: الشرك هو:

أن يضم إلى الواحد الذي ليس كمثله شئ آخر[13].

 وقوله: في قول الله عز وجل: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ [يوسف: 106] قال: هو قول الرجل: لولا فلان لهلكت، ولولا فلان ما أصبت كذا وكذا، ولولا فلان لضاع عيالي، ألا ترى أنه قد جعل الله شريكا في ملكه يرزقه ويدفع عنه قلت: فيقول: ماذا يقول لولا أن من الله علي بفلان لهلكت قال: نعم لا بأس بهذا أو نحوه [14].

 وقوله: إن الله تبارك وتعالى أعطى محمداً صلى الله عليه وآله وسلم شرائع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام: التوحيد والإخلاص وخلع الأنداد والفطرة الحنيفية السمحة[15].

 وقوله في قوله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم: 30] قال: التوحيد[16].

والروايات في جميع أبواب الدعاء التي مرت كثيرة ليس مرادنا حصرها في هذا المختصر.

 وفيما أوردناه كفاية.

وهكذا نرى أن الدعاء قمة التوحيد والإقرار بوجود الخالق عزوجل.

 وكما قال ابن القيم ر حمه الله:

قبيح بالعبد المريد أن يطلب من الناس وهو يجد عند مولاه كل مايريد.

 والمتتبّع لمنهج آل البيت رحمهم الله في الدّعاء يرى ذلك بوضوح وجميع آثارهم تحمل الخضوع والتسليم للمعبود بأعلى درجاته.

 فمسألة الدعاء عند آل البيت رحمهم الله لها دورٌ فاعل في تثبيت العقيدة السليمة في مقابل الذي شوهوا هذا النبع الأصيل وألصقوا فيهم ما هم منه براء.

 فهم رحمهم الله من خلال الدّعاء أزالوا الغشاوة عن الحقيقة وزينوا التوحيد في أبهى معانيه وأصدقها فنفوا عن الله عزوجل كل نقيصة وتثبتوا له كل كمال.

 

[1]  الصحيفة السجادية (ابطحي)، للإمام زين العابدين (عليه السلام)، 235، إقبال الأعمال، لإبن طاووس، 1/202، بحار الأنوار، للمجلسي، 95/101، الينابيع الفقهية، لعلي أصغر مرواريد، 6/63

[2]  الصحيفة السجادية (ابطحي)، للإمام زين العابدين (عليه السلام)، 408، بحار الأنوار، للمجلسي، 91/145، العقائد الإسلامية، لمركز المصطفى (ص)، 4/310

[3]  الصحيفة السجادية الكاملة، للإمام زين العابدين (عليه السلام)، 288، الصحيفة السجادية (ابطحي)، للإمام زين العابدين (عليه السلام)، 354:359، الأمالي، للمفيد 240، الأمالي، للطوسي 15، بحار الأنوار، للمجلسي، 92/180، 226، رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين (عليه السلام)، للسدي علي خان المدني الشيرازي، 7/243، 253، الزيارة والتوسل، لصائب عبد الحميد، 131

[4]  الصحيفة السجادية (ابطحي)، للإمام زين العابدين (عليه السلام)، 84، الصحيفة السجادية الكاملة، للإمام زين العابدين (عليه السلام)، 71، شرح أصول الكافي، للمولي محمد صالح المازندراني، 3/131، شرح مئة كلمة لأمير المؤمنين، لإبن ميثم البحراني، 54 (الحاشية)، المصباح، للكفعمي، 400، رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين (عليه السلام)، للسدي علي خان المدني الشيرازي، 3/5، العقائد الإسلامية، لمركز المصطفى (ص)، 1/87، الموسوعة الفقهية الميسرة، لمحمد علي الأنصاري، 3/13

[5]  الصحيفة السجادية (ابطحي)، للإمام زين العابدين (عليه السلام)، 87، بحار الأنوار، للمجلسي، 91/132

[6]  الصحيفة السجادية (ابطحي)، للإمام زين العابدين (عليه السلام)، 87، الخرائج والجرائح، لقطب الدين الراوندي، 1/266، مدينة المعاجز، لهاشم البحراني، 4/392:

بحار الأنوار، للمجلسي، 46/40، 84/231، الأنوار البهية، لعباس القمي 112، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي الشاهرودي، 7/57، موسوعة العقائد الإسلامية، لمحمد الريشهري، 4/104

[7]  الصحيفة السجادية (ابطحي)، للإمام زين العابدين (عليه السلام)، 294، بحار الأنوار، للمجلسي، 70/190، رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين (عليه السلام)، للسدي علي خان المدني الشيرازي، 6/97، الموسوعة الفقهية الميسرة، لمحمد علي الأنصاري، 3/15 (الحاشية)، التفسير الصافي، للفيض الكاشاني، 4/346، تفسير الميزان، للطباطبائي، 17/343، الأسماء الثلاثة، لجعفر السبحاني 94، في ظلل التوحيد، لجعفر السبحاني 49

[8]  

[9]  الكافي، للكليني، 2/560، شرح أصول الكافي، للمولي محمد صالح المازندراني، 10/410، 411، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 7/272، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 5/426

[10]  الأمالي، للطوسي 675، بحار الأنوار، للمجلسي، 16/289، 74/136

[11]  الكافي، للكليني، 2/557، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 6/322، مكارم الأخلاق، للطبرسي 329، رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين (عليه السلام)، للسدي علي خان المدني الشيرازي، 7/418، 423 (الحاشية)، مسند الإمام الرضا (عليه السلام)، لعزيز الله عطاردي، 2/43، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 8/172، 12/63، موسوعة العقائد الإسلامية، لمحمد الريشهري، 4/449

[12]  الخصال، للصدوق، 137، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 28/342، بحار الأنوار، للمجلسي، 69/96، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 1/371، 5/87، 26/35، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي الشاهرودي، 5/398، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 7/354، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري، 2/1438، الحق المبين في معرفة المعصومين (عليه السلام)، لعلي الكوراني العاملي 538

[13]  الاحتجاج، للطبرسي، 2/96، بحار الأنوار، للمجلسي، 10/184، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي الشاهرودي، 5/399، موسوعة المصطفى والعترة (عليهم السلام)،، للحاج حسين الشاكري، 10/54، مناظرات الإمام الصادق (عليه السلام)،، للحاج حسين الشاكري 47

[14]  وسائل الشيعة، للحر العاملي، 15/215، التحفة السنية، لعبد الله الجزائري 162، عدة الداعي، لإبن فهد الحلي، 89، بحار الأنوار، للمجلسي، 5/148، 9/106، 55/317، 66/127 (الحاشية)، 68/150، 69/99، 76/213 (الحاشية)، 100/23، نور البراهين، لنعمة الله الجزائري، 2/206 (الحاشية) :

جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 14/153، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي الشاهرودي، 5/395، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري، 2/1438، تفسير العياشي، لمحمد بن مسعود العياشي، 2/200، تفسير مجمع البيان، للطبرسي، 5/462، التفسير الأصفى، للفيض الكاشاني، 1/590:

التفسير الصافي، للفيض الكاشاني، 3/53، تفسير نور الثقلين، للحويزي، 2/476، تفسير الميزان، للطباطبائي، 11/281، تفسير شبر، لعبد الله شبر 250 (الحاشية)، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، لناصر مكارم الشيرازي، 1/117، سر الإسراء في شرح حديث المعراج، لعلي سعادت پرور، 1/67، جامع السعادات، لمحمد مهدي النراقي، 2/104، موسوعة العقائد الإسلامية، لمحمد الريشهري، 3/406

[15]  الكافي، للكليني، 2/17، شرح أصول الكافي، للمولى محمد صالح المازندراني، 8/57، وسائل الشيعة، الإسلامية، للحر العاملي، 1/9(الحاشية)، الفصول المهمة في أصول الأئمة، للحر العاملي، 1/692، بحار الأنوار، المجلسي، 16/330، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 3/67، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 4/301، البيان في عقائد أهل الإيمان، للشريعتي الأصفهاني 32

[16]  المحاسن، لأحمد بن محمد بن خالد البرقي، 1/241، بصائر الدرجات، لمحمد بن الحسن الصفار 98، الكافي، للكليني، 2/12، التوحيد، للصدوق، 328، شرح أصول الكافي، للمولى محمد صالح المازندراني، 8/36، اليقين، لإبن طاووس، 188، 431، الفصول المهمة في أصول الأئمة، للحر العاملي، 1/426، بحار الأنوار، المجلسي، 3/277، 5/223، 26/277، 36/103، 61/132، نور البراهين، لنعمة الله الجزائري، 2/211، تفسير فرات الكوفي، لفرات بن إبراهيم الكوفي، 322، تفسير نور الثقلين، للحويزي، 4/182