الدعاء عبادة عظيمة وركيزة من ركائز القرب من الله تعالى، وقد أمر الله عباده بالتضرع إليه وطلب حاجاتهم، وجعل له آداباً وآليات يستحب للمسلم اتباعها ليكون دعاؤه مقبولاً ومستجاباً. ومن أهم هذه الآداب ملازمة الصبر، وطلب الحلال، وصلة الرحم، والعمل الصالح، وكذلك التمسك بالتأمين على الدعاء، والتأكيد على دعاء المؤمنين بظهر الغيب، والاختيار للتوسل للغير قبل الدعاء للنفس، والحرص على العموم في الدعاء أثناء الصلاة أو أمام الجماعة.
وقد جاء في أحاديث أهل البيت عليهم السلام، رغم انحرافهم وضلالتهم، إشارات إلى فضل هذه الآداب، وكيف أن الدعاء إذا اجتمع مع الأعمال الصالحة والنية الخالصة، يفتح خزائن الله للرزق، ويصرف المكروه عن الداعي. ويبرز هذا المقال استحباب الدعاء وآدابه وفق ما ورد عن أهل البيت عليهم السلام، مع التركيز على القواعد الشرعية العامة في استجابة الدعاء وفق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
استكمال باقي الدعاء:
أنا يا رب الذي لم أستحيك في الخلاء ولم أراقبك في الملاء، أنا صاحب الدواهي العظمى، أنا الذي على سيده اجترا، أنا الذي عصيت جبار السما، أنا الذي أعطيت على جليل المعاصي الرشا، أنا الذي حين بشرت بها خرجت إليها أسعى، أنا الذي أمهلتني فما ارعويت وسترت علي فما استحييت، وعملت بالمعاصي فتعديت، وأسقطتني من عينك فما باليت. فبحلمك أمهلتني، وبسترك سترتني، حتى كأنك أغفلتني، ومن عقوبات المعاصي جنبتني، حتى كأنك استحييتني. إلهي لم أعصك - حين عصيتك - وأنا لربوبيتك جاحد، ولا بأمرك مستخف، ولا لعقوبتك متعرض، ولا لوعيدك متهاون، ولكن خطيئة عرضت، وسولت لي نفسي، وغلبني هواي، وأعانني عليها شقوتي وغرني سترك المرخى علي، فقد عصيتك وخالفتك بجهدي. فالآن من عذابك من يستنقذني؟ ومن أيدي الخصماء غدا من يخلصني؟ وبحبل من أتصل إن أنت قطعت حبلك عني؟ فوا أسفا على ما أحصى كتابك من علمي الذي لولا ما أرجو من كرمك، وسعة رحمتك، ونهيك إياي عن القنوط لقنطت عندما أتذكرها، يا خير من دعاه داع، وأفضل من رجاه راج. اللهم بذمة الاسلام أتوسل إليك، وبحرمة القرآن أعتمد عليك، وبحبي للنبي الأمي، القرشي، الهاشمي، العربي، التهامي المكي، المدني، أرجو الزلفة لديك، فلا توحش استيناس إيماني، ولا تجعل ثوابي ثواب من عبد سواك، فإن قوما آمنوا بألسنتهم ليحقنوا به دماءهم، فأدركوا ما أملوا، وإنا آمنا بك بألسنتنا وقلوبنا، لتعفو عنا، فأدركنا ما أملنا، وثبت رجاءك في صدورنا، و" لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب " فوعزتك لو انتهرتني ما برحت عن بابك، ولا كففت عن تملقك، لما ألهم قلبي من المعرفة بكرمك، وسعة رحمتك، إلى من يذهب العبد إلا إلى مولاه، وإلى من يلتجئ المخلوق إلا إلى خالقه. إلهي لو قرنتني بالأصفاد ومنعتني سيبك من بين الأشهاد، ودللت على فضائحي عيون العباد، وأمرت بي إلى النار وحلت بيني وبين الأبرار، ما قطعت رجائي منك، ولا صرفت وجه تأميلي للعفو عنك، ولا خرج حبك من قلبي، أنا لا أنسى أياديك عندي، وسترك علي في دار الدنيا. سيدي صل على محمد وآل محمد، وأخرج حب الدنيا من قلبي، واجمع بيني وبين المصطفى خيرتك من خلقك، وخاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وانقلني إلى درجة التوبة إليك، وأعني بالبكاء على نفسي، فقد أفنيت بالتسويف والآمال عمري، وقد نزلت نفسي منزلة الآيسين من الخير، فمن يكون أسوء حالا مني إن أنا نقلت على مثل حالي إلى قبري؟ ولم أمهده لرقدتي، ولم أفرشه بالعمل الصالح لضجعتي. وما لي لا أبكي؟! ولا أدري إلى ما يكون مصيري، وأرى نفسي تخادعني، وأيامي تخاتلني وقد خفقت عند رأسي أجنحة الموت فمالي لا أبكي! أبكي لخروج نفسي، أبكي لحلول رمسي أبكي لظلمة قبري، أبكي لضيق لحدي، أبكي لسؤال منكر ونكير إياي، أبكي لخروجي من قبري عريانا ذليلا، حاملا ثقلي على ظهري، أنظر مرة عن يميني، ومرة عن شمالي إذ الخلائق في شأن غير شأني " لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه وجوه يومئذ مسفرة ضاحكه مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة " وذلة. سيدي عليك معتمدي ومعولي ورجائي وتوكلي، وبرحمتك تعلقي، تصيب برحمتك من تشاء وتهدي بكرامتك من تحب، فلك الحمد على ما نقيت من الشرك قلبي، ولك الحمد على بسط لساني. أفبلساني هذا الكال أشكرك؟! أم بغاية جهدي في عملي أرضيك؟! وما قدر لساني يا رب في جنب شكرك؟ وما قدر عملي في جنب نعمك وإحسانك إلي؟ إلا أن جودك بسط أملي، وشكرك قبل عملي. سيدي إليك رغبتي، ومنك رهبتي، وإليك تأميلي، قد ساقني إليك أملي، وعليك يا واحدي عكفت همتي، وفيما عندك انبسطت رغبتي، ولك خالص رجائي وخوفي، وبك أنست محبتي، وإليك ألقيت بيدي، وبحبل طاعتك مددت رهبتي. يا مولاي بذكرك عاش قلبي، وبمناجاتك بردت ألم الخوف عني، فيا مولاي ويا مؤملي ويا منتهى سؤلي، فرق بيني وبين ذنبي المانع لي من لزوم طاعتك، فإنما أسألك لقدم الرجاء لك، وعظيم الطمع فيك الذي أوجبته على نفسك من الرأفة والرحمة، فالأمر لك وحدك والخلق كلهم عيالك وفي قبضتك، وكل شئ خاضع لك، تباركت يا رب العالمين. إلهي ارحمني إذا انقطعت حجتي، وكل عن جوابك لساني، وطاش عند سؤالك إياي لبي، فيا عظيما يرجى لكل عظيم أنت رجائي فلا تخيبني إذا اشتدت فاقتي، ولا تردني لجهلي، ولا تمنعني لقلة صبري، وأعطني لفقري، وارحمني لضعفي. سيدي عليك معتمدي ومعولي ورجائي وتوكلي، وبرحمتك تعلقي وبفنائك أحط رحلي، وبجودك أقصر طلبتي وبكرمك - أي رب - أستفتح دعائي، ولديك أرجو سد فاقتي، وبغناك أجبر عيلتي وتحت ظل عفوك قيامي، وإلى جودك وكرمك أرفع بصري، وإلى معروفك أديم نظري، فلا تحرقني بالنار وأنت موضع أملي، ولا تسكني الهاوية فإنك قرة عيني. يا سيدي لا تكذب طني بإحسانك ومعروفك، فإنك ثقتي، ولا تحرمني ثوابك، فإنك العارف بفقري. إلهي إن كان قد دنا أجلي ولم يقربني منك عملي، فقد جعلت الاعتراف إليك بذنبي وسائل عللي . إلهي إن عفوت فمن أولى منك بالعفو؟ وإن عذبت فمن أعدل منك في الحكم؟ ارحم في هذه الدنيا غربتي، وعند الموت كربتي، وفي القبر وحدتي، وفي اللحد وحشتي، وإذا نشرت للحساب بين يديك ذل موقفي فاغفر لي ما خفي على الآدميين من عملي، وأدم لي ما به سترتني وارحمني صريعا على الفراش تقلبني أيدي أحبتي، وتفضل علي ممدودا على المغتسل يغسلني صالح جيرتي، وتحنن علي محمولا قد تناول الأقرباء أطراف جنازتي، وجد علي منقولا قد نزلت بك وحيدا في حفرتي، وارحم في ذلك البيت الجديد غربتي حتى لا أستأنس بغيرك يا سيدي، فإنك إن وكلتني إلى نفسي هلكت. سيدي فبمن أستغيث إن لم تقلني عثرتي؟ وإلى من أفزع إن فقدت عنايتك في ضجعتي؟ وإلى من ألتجئ إن لم تنفس كربتي؟ سيدي من لي ومن يرحمني إن لم ترحمني؟ وفضل من أؤمل إن عدمت فضلك يوم فاقتي؟ وإلى من الفرار من الذنوب إذا انقضى أجلي؟ سيدي لا تعذبني وأنا أرجوك. إلهي حقق رجائي، وآمن خوفي، فإن كثرة ذنوبي لا أرجو فيها إلا عفوك. سيدي أنا أسألك ما لا أستحق، وأنت أهل التقوى وأهل المغفرة، فاغفر لي وألبسني من نظرك ثوبا يغطي علي التبعات، وتغفرها لي ولا أطالب بها إنك ذو من قديم، وصفح عظيم، وتجاوز كريم. إلهي أنت الذي تفيض سيبك على من لا يسألك، وعلى الجاحدين بربوبيتك، فكيف سيدي بمن سألك وأيقن أن الخلق لك والأمر إليك؟ تباركت وتعاليت يا رب العالمين. سيدي عبدك ببابك أقامته الخصاصة بين يديك، يقرع باب إحسانك بدعائه، ويستعطف جميل نظرك بمكنون رجائه، فلا تعرض بوجهك الكريم عني، واقبل مني ما أقول، فقد دعوتك بهذا الدعاء، وأنا أرجو أن لا تردني معرفة مني برأفتك ورحمتك. إلهي أنت الذي لا يحفيك سائل، ولا ينقصك نائل، أنت كما تقول وفوق ما نقول. اللهم إني أسألك صبرا جميلا، وفرجا قريبا، وقولا صادقا، وأجرا عظيما، أسألك يا رب من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم، وأسألك اللهم من خير ما سألك منه عبادك الصالحون، يا خير من سئل وأجود من أعطى، أعطني سؤلي في نفسي وأهلي ووالدي وولدي وأهل حزانتي وإخواني فيك، وأرغد عيشي، وأظهر مروتي، وأصلح جميع أحوالي، واجعلني ممن أطلت عمره، وحسنت عمله، وأتممت عليه نعمتك، ورضيت عنه، وأحييته حياة طيبة في أدوم السرور وأسبغ الكرامة، وأتم العيش، إنك تفعل ما تشاء، ولا يفعل ما يشاء غيرك. اللهم خصني منك بخاصة ذكرك، ولا تجعل شيئا مما أتقرب به إليك في آناء الليل وأطراف النهار رياء ولا سمعة ولا أشرا ولا بطرا، واجعلني لك من الخاشعين. اللهم أعطني السعة في الزرق، والأمن في الوطن، وقرة العين في الأهل والمال والولد والمقام في نعمك عندي. والصحة في الجسم، والقوة في البدن، والسلامة في الدين، واستعملني بطاعتك وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وآله وسلم أبدا ما استعمرتني، واجعلني من أوفر عبادك عندك نصيبا في كل خير أنزلته وتنزله في شهر رمضان في ليلة القدر، وما أنت منزله في كل سنة من رحمة تنشرها، وعافية تلبسها، وبلية تدفعها، وحسنات تتقبلها، وسيئات تتجاوز عنها. وارزقني حج بيتك الحرام في عامنا هذا وفي كل عام، وارزقني رزقا واسعا من فضلك الواسع، واصرف عني يا سيدي الأسواء واقض عني الدين والظلامات حتى لا أتأذى بشئ منه، وخذ عني بأسماع أضدادي، وأبصار أعدائي وحسادي والباغين علي، وانصرني عليهم، وأقر عيني، وفرح قلبي، وحقق ظني، واجعل لي من همي وكربي فرجا ومخرجا، واجعل من أرادني بسوء من جميع خلقك تحت قدمي، واكفني شر الشيطان، وشر السلطان، وسيئات عملي وطهرني من الذنوب كلها، وأجرني من النار بعفوك، وأدخلني الجنة برحمتك، وزوجني من الحور العين بفضلك، وألحقني بأوليائك الصالحين محمد وآله الأبرار الطيبين الطاهرين الأخيار، صلواتك عليهم وعلى أرواحهم وأجسادهم، ورحمة الله وبركاته. إلهي وسيدي، وعزتك وجلالك لئن طالبتني بذنوبي لأطالبنك بعفوك، ولئن طالبتني بلؤمي لأطالبنك بكرمك، ولئن أدخلتني النار لأخبرن أهل النار بحبي لك. إلهي وسيدي، إن كنت لا تغفر إلا لأوليائك وأهل طاعتك، فإلى من يفزع المذنبون؟ وإن كنت لا تكرم إلا أهل الوفاء بك، فبمن يستغيث المسيئون؟ إلهي إن أدخلتني النار ففي ذلك سرور عدوك، وإن أدخلتني الجنة ففي ذلك سرور نبيك، وأنا والله أعلم أن سرور نبيك أحب إليك من سرور عدوك. اللهم إني أسألك أن تملأ قلبي حبا لك، وخشية منك، وتصديقا بكتابك، وإيمانا بك، وفرقا منك، وشوقا إليك، يا ذا الجلال والاكرام حبب إلي لقاءك، وأحبب لقائي، واجعل لي في لقائك الراحة والفرج والكرامة. اللهم ألحقني بصالح من مضى، واجعلني من صالح من بقي، وخذ بي سبيل الصالحين، وأعني على نفسي بما تعين به الصالحين على أنفسهم، واختم عملي بأحسنه، واجعل ثوابي منه الجنة، برحمتك يا أرحم الراحمين، وأعني على صالح ما أعطيتني، وثبتني يا رب ولا تردني في سوء استنقذتني منه، يا رب العالمين. اللهم إني أسألك إيمانا لا أجل له دون لقائك، أحيني ما أحييتني عليه، وتوفني إذا توفيتني عليه، وابعثني إذا بعثتني عليه، وابرأ قلبي من الرياء والشك، والسمعة في دينك حتى يكون عملي خالصا لك. اللهم أعطني بصيرة في دينك، وفهما في حكمك، وفقها في علمك، وكفلين من رحمتك، وورعا يحجزني عن معصيتك وبيض وجهي بنورك، واجعل رغبتي فيما عندك، وتوفني في سبيلك وعلى ملة رسولك صلى الله عليه وآله وسلم. اللهم إني أعوذ بك من الكسل والفشل والهم والحزن والجبن والبخل والغفلة والقسوة والذلة والمسكنة والفقر والفاقة، وكل بلية، والفواحش ما ظهر منها وما بطن. وأعوذ بك من نفس لا تقنع، وبطن لا يشبع، وقلب لا يخشع ودعاء لا يسمع، وعمل لا ينفع، وصلاة لا ترفع. وأعوذ بك يا رب على نفسي وولدي وديني ومالي، وعلى جميع ما رزقتني من الشيطان الرجيم، إنك أنت السميع العليم. اللهم أنه لن يجيرني منك أحد، ولن أجد من دونك ملتحدا فلا تجعل نفسي في شئ من عذابك، ولا تردني بهلكة، ولا تردني بعذاب أليم. اللهم تقبل مني، وأعل ذكري، وارفع درجتي، وحط وزري، ولا تذكرني بخطيئتي، واجعل ثواب مجلسي، وثواب منطقي، وثواب دعائي رضاك والجنة، وأعطني يا رب جميع ما سألتك، وزدني من فضلك إني إليك راغب يا رب العالمين. اللهم إنك أنزلت في كتابك العفو، وأمرتنا أن نعفو عمن ظلمنا وقد ظلمنا أنفسنا، فاعف عنا فإنك أولى بذلك منا، وأمرتنا أن لا نرد سائلا عن أبوابنا، وقد جئتك سائلا، فلا تردني إلا بقضاء حاجتي، وأمرتنا بالاحسان إلى ما ملكت أيماننا، ونحن أرقاؤك، فأعتق رقابنا من النار. يا مفزعي عند كربتي، ويا غوثي عند شدتي، إليك فزعت، وبك استغثت، وبك لذت، لا ألوذ بسواك ولا أطلب الفرج إلا منك، فأغثني وفرج عني. يا من يقبل اليسير ويعفو عن الكثير، إقبل مني اليسير واعف عني الكثير، إنك أنت الرحيم الغفور. اللهم إني أسألك إيمانا تباشر به قلبي، ويقينا صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي، ورضني من العيش بما قسمت لي يا أرحم الراحمين[1].
[1] الصحيفة السجادية (ابطحي)، للإمام زين العابدين (عليه السلام)، 214، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 8/23، إقبال الأعمال، لإبن طاووس، 1/157، المصباح، للكفعمي، 588، بحار الأنوار، للمجلسي، 95/82، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 7/197، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري، 1/59، تفسير أبي حمزة الثمالي، لإبي حمزة الثمالي، 90