من مساوئ الخمس:

وقد تكشفت مساوئ هذه القضية ومعها فضائح المرجعيات فيما يتعلق بالخمس بما لا يخفى على أحد، حتى ضج الشيعة أنفسهم بهذا.

يقول بازركان:

 (ومما يدعو للأسف أنه على امتداد تاريخ المرجعية الشيعية، كان ثمة من يحاول استغلال منصب المرجعية والمتاجرة بها)[1].

ويقول القوجاني:

 (من المضحك أن حوالي خمسة عشر من فضلاء تلاميذ المرحوم الآخوند، بدأوا التحرك لبلوغ مقام الإفتاء والتقليد واستلام سهم الإمام وكسب الشهرة، رغم وجود حوالي خمسة من كبار مراجع التقليد المشهورين آنذاك، في حين أن القضاء والإفتاء من الواجبات الكفائية)[2].

ويقول شمس الدين:

 (قد يقول قائل: إن المرجع الآن مبلّغ، يرسل مشايخ أو وكلاء للمناطق وهم يبلغون. أنا أعرف الآن مرجعاً غير مبلغ، يرسل وكلاء لا يبلغون.. وغالباً وظيفة هؤلاء هي جباية الحقوق الشرعية)[3].

وكان شمس الدين يستنكر الاقتصار على مرجع واحد، ويقول: (لماذا يجب أن يكون هناك مرجع واحد في التقليد أساساً؟ من الثابت عندنا فقهياً مشروعية التبعيض في التقليد، وأن يقلد المكلف الواحد فقيهين، أو ثلاثة، أو أربعة، أو خمسة فقهاء، يقلد في العبادات فقيهاً، وفي البيوع والتجارات فقيهاً، وفي العلاقات الأسرية فقيهاً، وفي السياسات فقيهاً، لماذا الانحسار في فقيه واحد؟)[4].

ويرى آخرون هذا الرأي أيضاً ولكن من باب التبعيض حيث قالوا: (إذا كان مجتهدان أحدهما أعلم في أحكام العبادات، والآخر أعلم في المعاملات، فالأحوط تبعيض التقليد، وكذا إذا كان أحدهما أعلم في بعض العبادات مثلاً، والآخر في البعض الآخر)[5].

ولكن لا أدري كيف سيقتسمون الخمس؟!

ويقول شمس الدين أيضاً في مسألة تقليد الميت: (أن عند الشيعة قول بمشروعة تقليد الميت ابتداءً، وهو قول قوي، وهو غير مشكور عند غيرنا من الفقهاء. نحن نميل إلى مشروعة تقليد الميت ابتداءًمثل سائر أهل السنة، وهو كما قلت قول قوي، ولكنه قول غير مشكور)[6].

ولعل القارئ الأريب يدرك مقاصد الشيخ شمس الدين وتكراره لقول: غير مشكور، والذي يحاول إيصاله بطريقة غير مباشرة. فهل يريد شمس الدين أن ترسل الأخماس إلى المقابر؟ واللبيب بالإشارة..

ويقول السيد محمد العيناني:

(من الناس طائفة قد جعلت التشيع مكسباً لها مثل النياحة والقصص.. لا يعرفون من التشيع إلا البكاء وحب المتدينين بالتشيع.. وجعلوا شعارهم لزوم المشاهد، وزيارة القبور، كالنساء الثواكل، يبكون على فقدان أجسامنا وهم بالبكاء على أنفسهم أولى)[7].

ويقول أحد المقربين للخميني:

 (كان في أحد مساجد طهران شخص انتهازي يشرف على الشؤون الدينية فيه، ويدعي أنه ممثل للإمام في جميع الحقوق الشرعية لصالح الفلسطينيين.. فورد للإمام تساؤل عن مدى صحة تمثيل هذا الشخص له؟ ونقلت التساؤل للإمام، فقال: لا أجيب على هذا الاستفتاء؛ لأن هذا الشخص يرتبط بإحدى الشخصيات التي هي في طريقها إلى المرجعية.. وسوف يلحقها الضرر من وراء ذلك)[8].

ويقول المطهري:

 (مما يدعو للأسف أن الناس يرون بأم عيونهم ما يقوم به أمناء بعض المراجع الكبار وأحفادهم، والمقربين إليهم من حياة بذخ وفوضى وتبذير لأموال المسلمين. فهل فكر أحدهم في الأضرار التي تلحقها هذه الأعمال بكيان الحوزة؟!)[9].

عود على بدء.يشيع بعض الوكلاء أنه لا يجوز دفع شيء من الحقوق الشرعية لهؤلاء العلماء، بينما نرى جميع المراجع يقولون دون استثناء: إن من يقدم خدمة للإسلام والمسلمين يحق له أن يأخذ حاجته من سهم الإمام، ولم نجد مرجعاً في العراق أو في إيران يقول خلاف ذلك.

لا شك أن مراقبة أموال بيت المال والحقوق الشرعية على مستوي كبير من الأهمية، وليس ثمة نقاش في ذلك، إلا أن الأمر لا يعني حرمان بعض الأشخاص المستحقين من حقوقهم الشرعية. ونتيجة لهذا الأسلوب السيء الذى يتبعه بعض الوكلاء، نرى امتناع العلماء والفضلاء عن القبول بمسؤولية إدارة الشؤون الدينية في القرى والأرياف، وحتى في بعض المدن، ومن ثم نجد كثيراً من هذه المناطق تخلو من رجل دين يشرف على أداء الواجبات الدينية كصلاة الميت مثلاً. وهو نقص كبير يجب أن يهتم له بأسرع وقت، ويباشر بشأنه بخطوات أساسية، وإلا فإن آثاره السيئة ستتفاقم وسيتوسع نطاقها.

الأمر الآخر أن الشيخ الأنصاري والميرزا الشيرازي كانا لا يختاران وكلاءهما إلا من النخبة المؤمنة الذين لا ينفقون شيئاً من بيت المال إلا في الموضع المناسب، ولا يسعون لتحقيق مصالحهم الخاصة، ولم يكونوا يرون لأنفسهم الحق في نصف الحقوق، أو أكثر من ذلك أو أقل، كما يصنع بعض الوكلاء اليوم، الذي يؤذن إلى تضييع بيت المال وسهم الإمام بصنيعهم هذا.

وكان بعض الوكلاء النفعيين قبل الثورة الإسلامية يبذلون قصارى جهدهم في الدعوة إلى تقليد مرجع من خارج البلاد، ويأخذون بتهيئة الأجواء لذلك؛ لأنهم يستطيعون بهذه الطريقة أن يصلوا إلى أهدافهم مستغلين بعد المرجع وعدم قدرة الناس على الوصول إليه[10].

ويقول آخر: (وعندما يكون المرجع مبتدءاً فإنه لا يحاسب وكلاءهبشدة ويغض الطرف عن الأموال التي يجبونها من أجل تركيز نفسه من خلال الدعاية التييقومون بها له، ولكنه عندما يشتهر ويكثر تقليد الناس له ويأخذ الوكلاء بالتهافت عليه والتنافس فيما بينهم لأخذ الوكالة منه، يقوم بالتدقيق في إعطاء الوكالات وفيمحاسبة الوكلاء)[11].

ومن هنا يحدث التنافس وتحتدم المعارك بين المراجع أنفسهمالا من عصم الله، ويحاول البعض منهم استغلال نقاط الضعف والآراء التجديدية أوالمخالفة للمشهور التي يقدمها أحد الفقهاء الجدد المنافسين، للانتقاص منه والتشكيكفي اجتهاده وتحريم تقليده وصرف الناس عنه، في حين يقوم بعض المراجع الآخرين بمسايرةالعامة والمصادقة على الخرافات والأساطير والبدع الشعبية طمعاً في كسب الناس وجرهمإليه. ويرضى بعض المراجع، في الواقع، بالسير وراء الناس وتقليد العوام بدلاً منهدايتهم وإرشادهم وقول الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يلغي مهمته كفقيهأو عالم رباني.

ويقول صاحب كتاب لله ثم للتاريخ:

(كان عدد السادة ممن يجوز لهم الارتزاق بالخمس يومذاك - يعني في صدر الإسلام - لم يتجاوز المائة، ولو فرضنا عددهم نصف مليون، ليس من المعقول أن نتصور اهتمام الإسلام بفرض الخمس هذه المالية الضخمة، التي تتضخم وتزداد في تضخمها كلما تَوَسَّعَتِ التجارات والصناعات كما هي اليوم، كل ذلك لغاية إشباع آل الرسول صلى الله عليه وآله؟ كلا)[12].

إن الإمام الخميني يصرح بأن أموال الخمس ضخمة جداً، هذا في ذلك الوقت لما كان الإمام يحاضر في الحوزة، فكم هي ضخمة إذن في يومنا هذا؟ ويصرح الإمام أيضاً أن جزءاً واحداً من آلاف الأجزاء من هذه المالية الضخمة يكفي أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله، فماذا يفعل بالأجزاء الكثيرة المتبقية؟؟

لا بد أن توزع على الفقهاء والمجتهدين حسب مفهوم قول الإمام الخميني.

ولهذا فإن الإمام الخميني كان ذا ثروة ضخمة جداً في إقامته في العراق حتى أنه لما أراد السفر إلى فرنسا للإقامة فيها فإنه حول رصيده ذاك من الدينار العراقي إلى الدولار الأميركي وأودعه في مصارف باريس بفوائد مصرفية ضخمة، في الوقت الذي كان يقول فيه: (إن فقراء السادة في العالم يمكن إشباع حوائجهم بخمس مكاسب سوق بغداد فقط)[13].

.إن فساد الإنسان يأتي من طريقين: الجنس والمال، وكلاهما متوافر للسادة. فالفُروج والأدبار عن طريق المتعة وغيرها، والمال عن طريق الخمس وما يُلقى في العَتبات والمشاهد، فمن منهم يصمد أمام هذه المغريات، وبخاصة إذا علمنا أن بعضهم ما سلك هذا الطريق إلا من أجل إشباع رغباته في الجنس والمال؟؟!!

لقد بدأ التنافس بين السادة والمجتهدين للحصول على الخمس، ولهذا بدأ كل منهم بتخفيض نسبة الخمس المأخوذة من الناس حتى يتوافد الناس إليه أكثر من غيره، فابتكروا أساليب شيطانية، فقد جاء رجل إلى السيد السيستاني فقال له: (إن الحقوق - الخُمس - المترتبة عَلَيّ خمسة ملايين، وأنا أريد أن أدفع نصف هذا المبلغ، أي: أريد أن أدفع مليونين ونصف فقط. فقال له السيد السيستاني: هات المليونين والنصف، فدفعها إليه الرجل، فأخذها منه السيستاني، ثم قال له: قد وهبتها لك – أي: أرجع المبلغ إلى الرجل - فأخذ الرجل المبلغ، ثم قال له السيستاني: ادفع المبلغ لي مرة ثانية، فدفعه الرجل إِليه، فقال له السيستاني: صار الآن مجموع ما دفعته إليَّ من الخمس خمسة ملايين، فقد برئت ذمتك من الحقوق. فلما رأى السادة الآخرون ذلك، قاموا هم أيضاً بتخفيض نسبة الخمس واستخدموا الطريقة ذاتها بل ابتكروا طُرُقاً أُخرى حتى يتحول الناس إليهم، وصارت منافسة (شريفة!) بين السادة للحصول على الخمس، وصارت نسبة الخمس أشبه بالمناقصة، وكثير من الأغنياء قام بدفع الخمس لمن يأخذ نسبة أقل.

ولما رأى زعيم الحوزة أن المنافسة على الخمس صارت شديدة، وأن نسبة ما يرده هو من الخمس صارت قليلة، أصدر فتواه بعدم جواز دفع الخمس لكل من هبَّ ودَبَّ من السادة، بل لا يُدْفَعُ إلا لشخصيات معدودة، وله حصة الأسد أو لوكلائه الذين وزعهم في المناطق. وبعد استلامه هذه الأموال، يقوم بتحويلها إلى ذهب بسبب وضع العملة العراقية الحالية، حيث يملك الآن غرفتين مملوءتين بالذهب.

وأما ما يسرقه الوكلاء دون علم السيد فَحَدِّثْ ولا حَرَجَ)[14].

 

 

[1] مجلة كيان، العدد (11/1993) مقابلة من المهندس بازركان.

[2] المرجعية والمؤهلات الأخلاقية (آراء في المرجعية) (419).

[3] المرجعية والتقليد عند الشيعة، لمحمد مهدي شمس الدين في محاضرة ألقيت في ذكرى مقتل محمد باقر الصدر عام (1994م).

[4] المصدر السابق.

[5] العروة الوثقى، لليزدي (1/38)، مستمسك العروة، لمحسن الحكيم (1/39)، تحرير العروة الوثقى، لمصطفى الخميني (2/29)، كتاب الاجتهاد والتقليد، للخوئي (369)، تعاليق مبسوطة، لمحمد إسحاق الفياض (1/24)، تعليقة على العروة الوثقى، للسيستاني (1/20).

[6] المصدر السابق.

[7] آداب النفس (189)، مع علماء النجف، لمحمد جواد مغنية (121).

[8] قصص خاصة (1/74)، الإمام الخميني والمرجعية (آراء في المرجعية الشيعية) (323).

[9] المرجعية والروحانية، مجموعة مقالات (194)، وقد نشرنا في موقعنا العديد من الوثائق التي تؤكد أمثال هذه التجاوزات. فضلاً عن مسائل أخرى كثيرة متعلقة بالمرجعية الشيعية. فراجعها على موقعنا:.www.fnoor.com

[10] راجع آراء في المرجعية الشيعية (99).

[12] لله ثم للتاريخ لحسين الموسوي (57).

[13] انظر: مرجعية المرحلة وغبار التغيير، لجعفر الشاخوري (337).

[14] لله ثم للتاريخ لحسين الموسوي (58).