تُثار بين الحين والآخر شبهات تتعلق برواة الحديث الذين أخرج لهم أئمة السنة، ويُراد من خلالها الطعن في منهج أهل الحديث وصحة مصادرهم، ومن أبرز تلك الشبهات ما يُثار حول الراوي الشامي حريز بن عثمان، والادعاء بأنه كان يتناول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأن الإمام البخاري أخرج له رغم ذلك.
ويستغل بعض الكُتّاب المنتسبين إلى التشيع هذه المسألة للطعن في محمد بن إسماعيل البخاري ومنهجه، عبر إغفال أقوال الأئمة في حريز، وترك الروايات التي تبرئه، وعدم التفريق بين الرواية المثبتة والرواية المدفوعة، وبين من ثبت عليه النصب ومن نُسب إليه بلا دليل صحيح.
وفي هذا المقال نعرض أقوال كبار النقاد في حريز بن عثمان، كما في تهذيب التهذيب و "سير أعلام النبلاء"، ونبين حقيقة موقفه، وهل ثبت عنه سبّ علي رضي الله عنه أم لا، مع بيان منهج أهل السنة في الحكم على الرواة، والفرق بين البغض الديني والبغض الدنيوي، كما قرره ابن تيمية في منهاج السنة النبوية.
حريز بن عثمان، فقد أخرج له الإمام البخاري، وذلك إنه روى عن أبي اليمان قال: كان حريز يتنأول من رجل ثم ترك يعني علياً. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر في التهذيب:
إنما أخرج له البخاري لقول أبي اليمان إنه رجع عن النصب. اهـ.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه يروى عنه ما يخالف ذلك ويبرئه من هذه التهمة، ولذلك قال عنه الإمام أبو حاتم الرازي: حسن الحديث، ولم يصح عندي ما يقال في رأيه، ولا أعلم بالشام أحدا أثبت منه. اهـ.
وقال علي بن عياش:
سمعت حريز بن عثمان يقول لرجل: ويحك أما خفت الله! حكيت عني أني أسب عليا! والله ما أسبه وما سببته قط. اهـ.
وسأله رجل من أهل خراسان عن حريز:
هل كان يتنأول عليا؟ فقال.
علي بن عياش: أنا سمعته يقول: إن أقواما يزعمون أني أتنأول عليا، معاذ الله إن أفعل ذلك، حسيبهم الله. اهـ.
وقال شبابة:
سمعت حريز بن عثمان قال له رجل: يا أبا عثمان، بلغني أنك لا تترحم على عليٍّ؟ فقال له: اسكت، ما أنت وهذا ثم التفت إلي فقال: رحمه الله مائة مرة. اهـ.
وجهة ثالثة: وهي إن أكثر الروايات التي تذكر بغضه لعلي ـ رضي الله عنه ـ تذكر إن ذلك إنما كان لقتل علي ـ رضي الله عنه ـ لآبائه، ومن ذلك ما ذكره الخلال قال: حدثنا عمران بن أبان قال: سمعت حريز بن عثمان يقول: لا أحبه، قتل آبائي. اهـ.
وفي رواية: لأنه قتل من قومي يوم صفين جماعة. اهـ.
وقد ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء شيئا من ذلك ثم قال: هذا الشيخ كان أورع من ذلك، وقد قال معاذ بن معاذ: لا أعلم أني رأيت شاميا أفضل من حريز، وقال يحيى بن معين، وجماعة: ثقة. اهـ.
وفرق كبير بين من يبغض رجلا لصلاحه وبلائه في دين الله، وبين من يبغضه لأمر طبيعي، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة: لا ريب إن من أحب عليا لله بما يستحقه من المحبة لله، فذلك من الدليل على إيمانه، وكذلك من أحب الأنصار لأنهم نصروا الله ورسوله، فذلك من علامات إيمانه، ومن أبغض عليا والأنصار لما فيهم من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله فهو منافق... ومن قدر إنه سمع عن بعض الأنصار أمرا يوجب بغضه فأبغضه لذلك، كان ضالا مخطئا، ولم يكن منافقا بذلك، وكذلك من اعتقد في بعض الصحابة اعتقادا غير مطابق، وظن فيه إنه كان كافرا أو فاسقا فأبغضه لذلك كان جاهلا ظالما ولم يكن منافقا. اهـ.