القرآن الكريم ليس مجرد كتاب يُتلى، بل هو حياة للروح وقوة للقلوب وهدى للعالمين، وما يكتمل فضله إلا بالقراءة المخلصة والدعاء عند ختمه. الدعاء عند ختم القرآن يفتح القلب لنور الله، ويجعل التلاوة سببًا للارتقاء الروحي والفوز بالدرجات العليا في الآخرة. كما أن القرآن يبقى حيًّا لا يزول، متجددًا لكل زمان ومكان، ويحتاج قارئه إلى إخلاص النية في التلاوة والتمسك بتعاليمه لتجنب الرياء والسعي وراء السمعة أو المنافع الدنيوية. هذا المقال يعرض دعاء ختم القرآن، ثبات القرآن وحيويته، وأهمية القراءة بنية صادقة بعيدًا عن الرياء والسمعة، مع التمييز بين أنواع القراء وثمار كل نوع.
دُعَاء خَتْم القُرآن
كان أمير المؤمنين عليه السلام اذا ختم القرآن يقول: اللهم اشرح بالقرآن صدري، واستعمل بالقرآن بدني، ونوّر بالقرآن بصري، وأَطلق بالقرآن لساني، وأَعنِّي عليه ما أَبقيتني، فإِنه لا حول ولا قوة إِلا بك[1].
وكان الدعاء الذي يدعو به الامام الصادق عند الفراغ من القرآن هو: اللهم إِني قد قرأَتُ ما قضيتَ من كتابك الذي أَنزلتَ فيه على نبيك الصادق صلى الله عليه وآله وسلم فلك الحمد ربنا. اللهم اجعلني ممن يُحلّ حلاله، ويحرّم حرامه، ويؤمن بمحكمه ومتشابهه، واجعله لي أُنساً في قبري وأُنساً في حشري، واجعلني ممن ترقيهِ بكل آية قرأَها درجَة في أَعلى عليِّين آمين رب العالمين[2].
القُرآن لا يبْلى أبَداً
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم لا تزيفه الاَهواء، ولا تلبسه الاَلسنة ولا يخلق عن الرد. وفي رواية: لا يخلُق من كثرة القراءَة[3].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: كتاب الله وأَهل بيتي: الكتاب هو القرآن، وفيه الحجة والنور والبرهان، كلامُ الله غضٌ طريٌّ جديد شاهدٌ، وحكم عادل قائد بحلاله وحرامة[4].
وعن الامام الباقر: إن القرآن حىّ لا يموت، والاية حَيّةٌ لا تموت، فلو كانت الاية إذا نزلت في الاَقوام وماتوا ماتت الاية لماتَ القرآنُ، ولكن هي جارية في الباقين كما جرت في الماضين[5].
وسئل الصادق عليه السلام: ما بال القران لا يزداد على النشر والدرس الاغضاضة؟ فقال عليه السلام: لاَن الله تبارك وتعالى لم يجعله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس، فهو في كل زمان جديد، وعند كل قوم غضٌّ إِلى يوم القيامة[6].
وعن الامام الرضا: هو حبل الله المتين وعروته الوثقى وطريقته المثلى المؤدي إِلى الجنة، والمنجى من النار لا يخلق من الاَزمنة ولا يغث على الاَلسنة، لاَنه لا يجعل لزمان دون زمان، بل جُعل دليل البرهان. وحجة على كل إِنسان، لا يأْتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيم حميد[7].
قراءة القُرآن بإخلاصْ
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مَن قرأ القرآنَ يريد به سمعةً، أَو التماس الناس لقى الله يوم القيامة وَجهه عظم ليس فيه لحم، وزجّ القرآن في قفاه حتى يُدخِلَه النارَ، ويهوى فيها مع من هوى. ومَن قرأَ القرآن ابتغائَ وجه الله وتفقهاً في الدين كان له من الثواب مثل جميع ما أَعطى الملائكة والاَنبياء والمرسلون. ومن تعلّم القرآن يريد به سمعة ورياءاً ليمارى به السفهاء، وبياهي به العلماء، ويطلب به الدنيا، مدّد الله عظامه يوم القيامة ولم يكن في النار أَشد عذاباً منه وليس نوع من أَنواع العذاب إِلا سيُعذَّب به من شدة غضب الله عليه وسخطه[8].
وعن علي عليه السلام قال: من قرأَ القرآن يأْكل به الناس جاءَ يوم القيامة ووجهه عظم لا لحم فيه [9].
وقال الامام الصادق: إِن من الناس من يقرأَ القرآن ليُقال: فلان قارىء. ومنهم من يقرأَ القرآن ليطلب به الدنيا ولا خير في ذلك. ومنهم من يقرأ القرآن لينتفع به في صَلاته وليله ونهاره[10].
وقال عليه السلام: القُرّاء ثلاثة: قارىءٌ قرأَ القرآن ليستدرَّ به الملوكَ ويستطيل به على الناس فذلك من أَهل النار. وقارىءٌ قرأَ القرآن فحفظ حروفَه وضيَّع حدوده فذلك من أَهل النار. وقارىءٌ قرأَ القرآن فاستتر به تحت بُرْنسه فهو يعمل بمحكمه، ويؤمن بتمشابهه، ويقيم فرائضه، ويحلّ حلاله، ويحرّم حرامه فهذا ممن ينقذه الله من مضلاَّت الفتن وهو م أَهل الجنة، ويشفع فيما يشاءُ[11].
وقال عليه السلام: من دخل على إِمام جائر فقرأَ عليه القرآن يريد بذلك عَرَضاً مِن عَرَض الدنيا لُعِن القارىءُ بكل حرف عشر لعنات، ولعن المستمع بكل حرف لعنة[12].
[1] - مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 4/378، إقبال الأعمال، لبن طاووس، 2/290، بحار الأنوار، للمجلسي، 89/209، 95/308، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/78، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري، 3/2525، نهج السعادة، للمحمودي، 6/106، سنن الإمام علي (عليه السلام)، للجنة الحديث معهد باقر العلوم (عليه السلام)، /126، موسوعة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الكتاب والسنة والتاريخ، لمحمد الريشهري، 9/302
[2] - بحار الأنوار، للمجلسي، 89/207، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/76، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي الشاهرودي، 8/467
[3] - بحار الأنوار، للمجلسي، 89/25
[4] - مجمع النورين، لأبو الحسن المرندي 351، غاية المرام، للسيد هاشم البحراني، 2/119، 349، التحقيق في الإمامة وشؤونها - عبد اللطيف البغدادي، 161
[5] - البيان في تفسير القرآن، للخوئي 22، محاضرات في أصول الفقه - تقرير بحث الخوئي، للفياض، 1/240، موسوعة المصطفى والعترة (عليهم السلام)، للحاج حسين الشاكري، 8/333
[6] - الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني، 5/318، 9/403، الأمالي، للطوسي 580، بحار الأنوار، للمجلسي، 2/280، 17/213، 89/15، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي الشاهرودي، 8/447، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري، 3/2519، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، لناصر مكارم الشيرازي، 20/5، أعيان الشيعة، للسيد محسن الأمين، 2/169، موسوعة المصطفى والعترة (عليهم السلام)، للحاج حسين الشاكري، 14/278
[7] - عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، للصدوق، 1/137، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 9/99، تفسير نور الثقلين، للحويزي، 1/264، 4/554 (الحاشية)، تفسير كنز الدقائق، للميرزا محمد المشهدي، 1/615
[8] - وسائل الشيعة، للحر العاملي، 6/183
[9] - وسائل الشيعة، للحر العاملي، 6/183، بحار الأنوار، للمجلسي، 89/181
[10] - الكافي، للكليني، 2/607، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 6/181، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/154
[11] - الخصال، للصدوق 143، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 6/183، بحار الأنوار، للمجلسي، 89/179، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/155، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري، 3/2530
[12] - الاختصاص، للمفيد/262، مشكاة الأنوار، لعلي الطبرسي 245، بحار الأنوار، للمجلسي، 72/378، 89/184، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/156، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي الشاهرودي، 8/462، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري، 3/2530