جهود أهل البيت في محاربة البدع وإحياء السنن: الحفاظ على الدين والتمسك بالكتاب والسنة
الحفاظ على الدين من التحريف والبدع واجب شرعي وأخلاقي، يقع على عاتق كل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ، ويزداد ثقل هذه المسؤولية على العلماء وورثة الأنبياء. لقد حذر القرآن الكريم والنبي ﷺ من أي إضافة أو نقصان في أحكام الإسلام، مؤكدين أن البدع ضلالة تؤدي إلى الهلاك. في كل عصر، تظهر محاولات لتغيير الدين أو تحريفه، وهنا برز دور أهل البيت عليهم السلام في إحياء السنن، الدفاع عن الكتاب والسنة، وبيان كل ما يخالف الشرع من البدع والأهواء، ليكونوا قدوة للأمة في التمسك بدينها وتصحيح مسارها. هذا المقال يستعرض جهودهم المباركة في هذا المجال، مستنداً إلى النصوص القرآنية وأقوال النبي ﷺ وأئمة أهل البيت عليهم السلام.
في جُهودِ الآلِ فيِ إماتةِ البدعةِ وإحياءِ السنةِ
لا شك أن الدفاع عن مصادر التشريع الإسلامي من أعظم أبواب الأجر وأشرفها، وهي مسؤلية تقع على عاتق كل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، دون تفريق. وتعظُم المسؤلية في هذا على العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، للحفاظ على معالم هذا الدين من كل دخيل. فالتشريع الإسلامي إكتمل بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً [المائدة: 3]﴾. وقول رسوله صلى الله عليه وآله وسلم: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فهو رد [1]. وقوله: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد[2]. وغيرها من وصايا وتحذير لمن أعطى نفسه الحق في الزيادة أو النقصان في أمر هذا الدين. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أنه لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [الأنعام: 21]﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الحجرات: 1]﴾. والنصوص في الباب كثيرة كلها تحث على الاعتصام بالكتاب والسنة وتحذر من اتباع غيرهما من البدع والأهواء والضلالات. قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: 153]﴾. وحذر من مخالفة أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وسنته فقال عز وجل: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: 63]﴾.
فالإحداث في الدين من أخطر ما يهدد كيان هذه الأمة، حتى جاء عنه صلى الله عليه وآله وسلم التشدّد في محاربته فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله[3]. كيف لا وقد مر بك قوله صلى الله عليه وآله وسلم إن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ولكن قضت سنة الله في خلقه أن كل ما كان في الأمم السالفة فإنه يكون في هذه الأمة مثله، حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة وأن تنتشر البدع بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والتي بقيت مستمرة إلى يومنا هذا. وكذلك قضت سنته أن يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين وتحوير الغالين وانتحال الجاهلين كما ينفي الكير خبث الحديد. وقد كان لآل البيت رحمهم الله جهوداً كبيرة في محاربة البدع وإحياء السنن جاعلين نصب أعينهم قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ [النحل: 116]﴾. فقاموا إلى جانب إخوانهم من صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتابعيهم رضي الله عنهم أجمعين بواجبهم خير قيام لتخليص هذا الدين من كل دخيل وتمحيصه من كل بدعة. وسنبين بعضاً مما جاء عنهم رضي الله عنهم في هذا الباب.
[1] دراسات فقهية في مسائل خلافية، لنجم الدين الطبسي، 133، الينابيع الفقهية، علي أصغر مرواريد، 4/509، الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، لإبن طاووس 456، عوالي اللئالي، لإبن أبي جمهور الأحسائي، 1/240(الحاشية)، عدة الأصول، للطوسي، 1/265(الحاشية)، مجمع البحرين، للطريحي، 1/469، المواسم والمراسم، لجعفر مرتضى، 50، في ظلال التوحيد، لجعفر السبحاني، 65، مجلة تراثنا، مؤسسة آل البيت، 45/127
[2] دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية، للمنتظري، 1/270، عوالي اللئالي، لإبن أبي جمهور الأحسائي، 1/383، بحار الأنوار، للمجلسي، 31/13، الغدير، للأميني، 8/105، 117، المواسم والمراسم، لجعفر مرتضى 50
[3] الكافي، للكليني، 1/54، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 11/510، موسوعة العقائد الإسلامية، لمحمد الريشهري، 2/421