الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.

تتكرر في الساحة الفكرية والدعوية ظاهرة إثارة الشبهات حول أعلام الإسلام وعلمائه، أما باجتزاء النصوص، أو بإخراج العبارات من سياقها، أو بإسقاط خلافات فكرية على مسائل عقدية خطيرة كدعوى “تحريف القرآن”. وكثيرًا ما تُستعمل هذه التهم في إطار خصومات مذهبية أو جدالات فكرية، دون تثبت علمي أو تحرير دقيق للمسألة.

ومن بين ما أُثير: اتهام العلامة الهندي شبلي النعماني بأنه حرّف القرآن في كتابه سيرة النعمان، بزعم إنه استدل بقوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا

وغيّرها إلى: “فيعمل صالحًا”، ليستدل بالفاء على إن الإيمان يتم بدون العمل.

وهذه دعوى خطيرة؛ لأن تحريف القرآن ليس مسألة اجتهادية بل كفر صريح إن ثبت. لذلك وجب تنأول المسألة بعلم وعدل، وبيان حقيقة القول المنسوب، وسياقه، وهل هو تحريف لفظي، أم نقل بالمعنى، أم خطأ مطبعي، أم استدلال نحوي لا يمس النص القرآني.

شبهة النعماني:

عرض الشبهة:

نُقل عن العلامة بديع الدين الراشدي السندي إنه قال إن شبلي النعماني:

حرّف الآية من الواو إلى الفاء.

استدل بالفاء على التعقيب لإثبات إن الإيمان يتم بدون العمل.

فعل ذلك تعصبًا للمذهب الحنفي.

كما ذُكر عنه إنه كان حنفيًا متصلبًا، ثم تحولت عصبيته إلى “حمية دينية”، وكان شديد الدفاع عن العرب والترك، وردّ على جرجي زيدان.

قال العلامة بديع الدين الراشدي السندي:

شيّد العلامة شبلي النعماني في " سيرة النعمان " هذا المذهب، حتى حرف القران فاستدل بقوله تعالى: ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً. فحرفه. قال: فيعمل صالحاً " وقال الفاء للتعقيب، وفيه دليل على إن الايمان يتم بدون الاعمال، وإنما داخلة فيه، ونسأل الله العافية من هذا التعصب.

الحمية الدينية:

كان حنفياً متصلباً في البداية، يناظر غير المقلدين، ويجادلهم، ويكتب ويؤلف في الرد عليهم، ثم لمّا توسعت دراسته تحولت هذه العصبية إلى حمية دينية وغير اسلامية، وكان يحبّ العرب والترك محبة شديدة، فكان لا يملك نفسه إذا نال منهم أحد وعابهم، ردّ على كتاب (التمدن الاسلامي) للاستاذ جرجي زيدان، لانه اساء إلى العرب ونال من بني امية، وكان يهتم بشؤون تركية وقضاياها...

شبلي النعماني علامة الهند الاديب والمؤرخ الناقد الاريب صفحة 72

سيرة النعمان:

كان العلامة شبلي متصلباً في اتباعه للمذهب الحنفي و ويكنُ له حباً عظيماً لأبي حنيفة النعمان الامام، حتى إنه نسب نفسه اليه، وسمي شبلي النعماني، فألف كتاباً حول حياته ومآثره في جزئين، وفرغ منه سنة 1889 م، وطبع الكتاب سنة 1890 م.

تناول في الجزء الأول حياة الامام أبي حنيفة، وفي الجزء الثاني موضوع اشتغاله بالعقائد والحديث والفقه، وقام بمقارنة بين مذهبه والمذاهب الفقهية الاسلامية الاخرى، وقدّم أخره تعريفاً موجزاً بأصحاب أبي حنيفة.

وراعى في كتابه هذا – على غرار جميع كتاباته – مبادئ النقد التاريخي، وان اجلاله لابي حنيفة لم يجرّه إلى المغالاة والابتعاد عن الواقع والحق والصدق، بل التزم العدل في كلّ ما كتب حتى قال:

(لا ندعي إن مسائل أبي حنيفة كانت صحيحة وقطعية، كان أبو حنيفة مجتهداً لا نبياً، يمكن إن تصدر عنه اخطاء، بل إنه اخطأ في مواضع...) علامة الهند الاديب والمؤرخ الناقد الاريب صفحة 192 – 193