تُعاني المدرسة الإمامية الاثنا عشرية من إشكالٍ منهجيٍّ عميق في تعاملها مع الفرق المنسوبة إليها، ويتجلّى هذا الإشكال بوضوح في موقفها من الواقفة؛ تلك الفرقة التي حكم أئمة الإمامية – بحسب رواياتهم – بكفرها، وشركها، وزندقتها، ونجاستها، وأمروا أتباعهم باجتنابها، وعدم مخالطتها، وذمّوها ذمًّا شديدًا، واعتبروها من أخطر الفرق لانتحالها اسم التشيّع مع إنكار أصلٍ من أصول الإمامة.

ورغم هذه الأحكام العقدية القاطعة، يفاجأ الباحث بواقعٍ عمليٍّ يناقضها تمامًا، حيث نجد أن عددًا كبيرًا من أصحاب الأصول المعتمدة عند الإمامية كانوا من الواقفة، بل أن كثيرًا منهم وُثِّقوا، وتُرُحِّم عليهم، واعتمدت كتبهم، ورويت رواياتهم في أهم مصادر الحديث الإمامية، بل ووُضع بعضهم ضمن ما يُسمّى بـ أصحاب الإجماع الذين تُقبل رواياتهم بلا نقاش.

وهذا التناقض الصارخ بين الحكم العقدي النظري والتطبيق الحديثي العملي يطرح تساؤلات خطيرة حول معيار التوثيق، وحدود الاعتماد، ومدى اتساق المنهج الإمامي في الجمع بين التكفير من جهة، والاعتماد العلمي من جهة أخرى، وهو ما يسعى هذا المقال إلى كشفه وتحليله من خلال نصوص كبار علماء الإمامية أنفسهم، دون حاجة إلى أحكام خارجية أو نقدٍ وافد.

بعض أصحاب الأصول المعتمدة عند الإمامية هم من الواقفة، والكثير منهم ثقة

إن بعض اصحاب الأصول المعتمدة عند الإمامية هم من الواقفة، والكثير منهم ثقة، فلا أدري كيف جمع الإمامية بين تكفيرهم، والحكم عليهم بالشرك، والزندقة والنجاسة، وأمر الائمة باجتناب هؤلاء، ومع هذا يكونون من اصحاب الأصول بل أن بعضهم من اصحاب الاجماع.

قال الطوسي في الفهرست: " أن كثيرا من المصنفين وأصحاب الأصول كانوا ينتحلون المذاهب الفاسدة وإن كانت كتبهم معتمدة " اهـ

الفهرست – الطوسي - ص32

قال الخوئي:

" 191 - إبراهيم بن عبد الحميد: قال الشيخ (12): " إبراهيم بن عبد الحميد ثقة، له أصل أخبرنا به أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان المفيد، والحسين بن عبيد الله، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد ابن الحسن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب. وإبراهيم بن هاشم، عن ابن أبي عمير وصفوان، عن إبراهيم بن عبد الحميد، وله كتاب النوادر: رواها حميد بن زياد، عن عوانة بن الحسين البزاز، عن إبراهيم ".

وعده في رجاله (78) في أصحاب الصادق عليه السلام، قائلا: " إبراهيم بن عبد الحميد الأسدي، مولاهم البزاز الكوفي " وفي أصحاب الكاظم عليه السلام، قائلا تارة " إبراهيم بن عبد الحميد له كتاب " وأخرى (26): " إبراهيم بن عبد الحميد واقفي ".

وفي أصحاب الرضا عليه السلام، قائلا: " إبراهيم بن عبد الحميد من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام، أدرك الرضا عليه السلام، ولم يسمع منه على قول سعد بن عبد الله: واقفي، له كتاب " اهـ

معجم رجال الحديث - الخوئي - ج 1 ص 219 – 220

وقال الطوسي:

" 6 - حنان بن سدير. له كتاب - وهو ثقة رحمه الله - روينا كتابه بالإسناد الاول عن ابن أبي عمير، عن الحسن بن محبوب، عنه " اهـ.

الفهرست – الطوسي - ص 119 – 120

وقد ذكره الطوسي في اصحاب موسى بن جعفر، فقال: " حنان بن سدير الصيرفي، واقفي " اهـ

رجال الطوسي - الطوسي - ص 334

المعصوم يحكم بالكفر، والشرك، والزندقة، وعدم جواز مخالطة الواقفة، والطوسي يوثق ويترحم على واقفي، علما أن الطوسي بنفسه قال في معرض كلامه عن الواقفة في كتاب الغيبة: " والطعون على هذه الطائفة أكثر من أن تحصى لا نطول بذكرها الكتاب، فكيف يوثق بروايات هؤلاء القوم وهذه أحوالهم وأقوال السلف الصالح فيهم " اهـ

الغيبة - الطوسي - ص 70 – 71

وقال الخوئي:

" 4676 زرعة بن محمد: قال النجاشي: " زرعة بن محمد أبو محمد الحضرمي، ثقة، روى عن أبي عبدالله، وأبي الحسن عليهما السلام، وكان صحب سماعة، وأكثر عنه ووقف. له كتاب يرويه عنه جماعة. أخبرنا علي بن أحمد، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن الوليد، قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، وسعد بن عبدالله، وعبد الله بن جعفر، والحسن بن متيل، عن يعقوب بن يزيد، عن زرعة بكتابه ". وقال الشيخ (315): " زرعة بن محمد الحضرمي: واقفي المذهب، له أصل " اهـ

معجم رجال الحديث – الخوئي - ج 8 ص 272

وقال الحر العاملي:

" زياد بن مروان، القندي: واقفي، قاله النجاشي، والعلامة، والشيخ. وعده المفيد في (إرشاده) من خاصة أبي الحسن موسى عليه السلام، وثقاته، وأهل الورع والعلم، والفقه، من شيعته، وروى عنه نصا منه على ابنه الرضا عليه السلام. وقال الشيخ: (كتابه) يعد في الأصول " اهـ

وسائل الشيعة - الحر العاملي - ج 30 ص 377 – 378

قال النجاشي:

" 37 إبراهيم بن صالح الأنماطي الأسدي ثقة روى عن أبي الحسن عليه السلام ووقف له كتاب يرويه عدة أخبرنا محمد قال: حدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا عبيد الله بن أحمد قال: حدثني إبراهيم بن صالح وذكره " اهـ

رجال النجاشي - النجاشي - ص 24

وقال الخوئي:

 " 6629 - عبد الكريم بن عمرو: قال النجاشي: " عبد الكريم بن عمرو بن صالح الخثعمي، مولاهم، كوفي، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن (عليهما السلام)، ثم وقف على أبي الحسن (عليه السلام)! كان ثقة ثقة عينا، يلقب كرام. له كتاب يرويه عدة من أصحابنا، أخبرنا أبو عبد الله ابن شإذان، قال: حدثنا علي بن حاتم، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن ثابت، قال: حدثنا القاسم بن محمد بن الحسين بن خازم، قال: حدثنا عبيس، عن كرام بكتابه ".