الإمام أبو حامد الغزالي، رحمة الله عليه (450 – 505 هـ / 1058 – 1111 م)، هو واحد من أعظم علماء الإسلام، وجعل عقيدته وأخلاقه وسلوكه منهجًا للسلوك والتربية والوعظ، بعيدًا عن أي ميول للفرق الضالة مثل الشيعة الإمامية.

من أبرز ما يُميّز الغزالي اجتهاده في تقدير الصحابة رضي الله عنهم، واعتباره أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم: أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين. كما يجلُّ أمهات المؤمنين ويثني على أعمالهن وفضلهن. وقد درج الغزالي على ذكر الفضائل العملية والروحية للصحابة في كتبه مثل إحياء علوم الدين والتبر المسبوك في نصيحة الملوك، مع التركيز على الاستفادة من سلوكهم في تربية النفس وحكم السلطان والرعية، وابتعاده التام عن أي غلو أو انحراف مذهبي.

المقال يقدّم دلائل وإشارات واضحة من مؤلفات الغزالي تثبت موقفه السليم من الصحابة وأمهات المؤمنين، ويكشف موقفه الصحيح من العقيدة والتربية والسياسة، بعيدًا عن شبهة التشيع أو نقد الصحابة أو نسب كتب منحولة له.

الشبهة:

قد يثير بعض من يريدون الطعن في الغزالي أو نسب كتب منحولة له فكرة أنه يميل للتشيع أو يقلل من شأن بعض الصحابة.
الرد واضح: مقتطفات مؤلفاته تثبت خلاف ذلك تمامًا، إذ يُثني دائمًا على الصحابة، ويأخذ من عمر بن الخطاب وأساليبهم منهجًا عمليًا وأخلاقيًا، ولا يثبت له أي ميل للغلو في أي فرقة ضالة.

مقتطفات من مؤلفات أبو حامد الغزالي تبين عقيدته ومدى اجلاله لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب وكل صحابة رسول الله وامهات المؤمنين وهي لا تحصى وما يأتي ذكر الفاروق عمر بن الخطاب إلا وترضى عنه واتخذ من اقواله وحياته منهجا كريما للتربية والوعظ للسلطان والمسلمين والدليل عليها:

أبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي:

  450 – 505 هـ / 1058 – 1111 م

1 - " حديث أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليأخرجه البخاري

من حديث ابن عمر قال كنا نخير بين الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ولأبي داود كنا نقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي أفضل أمة النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان رضي الله عنهم زاد الطبراني ويسمع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولا ينكره "

إحياء علوم الدين (1/ 93)

2 – أبو حام الغزالي يعرض عقيدته:

" وأن يؤمن بإخراج الموحدين من النار بعد الانتقام حتى لا يبقى في جهنم موحد بفضل الله تعالى فلا يخلد في النار موحد (5)

وأن يؤمن بشفاعة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء ثم سائر المؤمنين على حسب جاهه ومنزلته عند الله تعالى ومن بقي من المؤمنين ولم يكن له شفيع أخرج بفضل الله عز وجل فلا يخلد في النار مؤمن بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان (6)

وأن يعتقد فضل الصحابة رضي الله عنهم وترتيبهم وأن أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم (7)

وأن يحسن الظن بجميع الصحابة ويثني عليهم كما أثنى الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم عليهم أجمعين (8).

فكل ذلك مما وردت به الأخبار وشهدت به الآثار فمن اعتقد جميع ذلك موقناً به كان من أهل الحق وعصابة السنة وفارق رهط الضلال وحزب البدعة فنسأل الله كمال اليقين وحسن الثبات في الدين لنا ولكافة المسلمين برحمته إنه أرحم الراحمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى كل عبد مصطفى "

إحياء علوم الدين (1/ 93)

3 – " وقال ابن حصين أن أحدهم ليفتي في مسئلة لو وردت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر. فلم يزل السكوت دأب أهل العلم إلا عند الضرورة"

إحياء علوم الدين (1/ 70)

4 – " وقال سري السقطي لو أن إنساناً دخل بستاناً فيه من جميع الأشجار عليها من جميع الطيور فخاطبه كل طير منها بلغة فقال السلام عليك يا ولي الله فسكنت نفسه إلى ذلك كان أسيراً في يديها فهذه الأخبار والآثار تعرفك خطر الأمر بسبب دقائق النفاق والشرك الخفي وإنه لا يؤمن منه حتى كان عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يسأل حذيفة عن نفسه وإنه هل ذكر في المنافقين"

إحياء علوم الدين (1/ 124)

5 – "وقد كان الشيوخ يقدمون الشباب بالعلم

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقدم ابن عباس وهو حديث السن على أكابر الصحابة ويسأله دونهم.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما ما أتى الله عز وجل عبدا علما إلا شابا والخير كله في الشباب ثم تلا قوله عز وجل ﴿قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم

وقوله تعالى ﴿إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى

وقوله تعالى ﴿وآتيناه الحكم صبيا"

إحياء علوم الدين (1/ 144)

6 – "وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال على المنبر أن الرجل ليشيب عارضاه في الإسلام وما أكمل لله تعالى صلاة قيل وكيف ذلك قال لا يتم خشوعها وتواضعها وإقباله على الله عز وجل فيها"

إحياء علوم الدين (1/ 172)

7 - ترضي أبو حامد الغزالي دائما على امهات المؤمنين وإنهن القدوة للمسلمين:

"وكانت عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما إذا أرسلتا معروفا إلى فقير قالتا للرسول احفظ ما يدعو به ثم كانتا تردان عليه مثل قوله وتقولان هذا بذاك حتى تخلص لنا صدقتنا فكانوا لا يتوقعون الدعاء لإنه شبه المكافأة وكانوا يقابلون الدعاء "

إحياء علوم الدين (1/ 217)

8 - "وهكذا فعل عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما وهكذا كان أرباب القلوب يداوون قلوبهم ولا دواء من حيث الظاهر إلا هذه الأعمال الدالة على التذلل والتواضع وقبول المنة ومن حيث الباطن المعارف التي ذكرناها هذا من حيث العمل وذلك من حيث العلم

ولا يعالج القلب إلا بمعجون العلم والعمل وهذه الشريطة من الزكوات تجري مجرى الخشوع من الصلاة"

إحياء علوم الدين (1/ 218)

9 - "وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أمراء الأجناد اخلولقوا واخشوشنوا أي البسوا الخلقان واستعملوا الخشونة في الأشياء وقد قيل زين الحجيج أهل اليمن لأنهم على هيئة التواضع والضعف وسيرة السلف"

إحياء علوم الدين (1/ 264)

10 - "ويروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استسقى بالعباس رضي الله عنه فلما فرغ عمر من دعائه

قال العباس اللهم إنه لم ينزل بلاء من السماء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك صلى الله عليه وسلم وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا بالتوبة وأنت الراعي لا تهمل الضالة ولا تدع الكبير بدار مضيعة فقد ضرع الصغير ورق الكبير وارتفعت الأصوات بالشكوى وأنت تعلم السر وأخفى اللهم فأغثهم بغياثك قبل أن يقنطوا فيهلكوا فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون قال فما تم كلامه حتى ارتفعت السماء مثل الجبال"

إحياء علوم الدين (1/ 308)

11 - "وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن الرجل ليخرج من منزله وعليه من الذنوب مثل جبال تهامة فإذا سمع العالم خاف واسترجع عن ذنوبه وانصرف إلى منزله وليس عليه ذنب فلا تفارقوا مجالس العلماء فإن الله عز وجل لم يخلق على وجه الأرض تربة أكرم من مجالس العلماء"

إحياء علوم الدين (1/ 349)

12- "عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم من نام عن حزبه أو عن شيء منه بالليل فقرأه بين صلاة الفجر والظهر كتب له كانما قرأه من الليل (1)"

إحياء علوم الدين (1/ 355)

13 - "وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول ما أعطى العبد بعد الإيمان بالله خيرا من أمرأة صالحة وإن منهن غنما لا يحذى منه ومنهن غلالا يفدى منه"

إحياء علوم الدين (2/ 31)

14 – "وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بئس القوم قوم لا يأمرون بالقسط وبئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر (3) "

إحياء علوم الدين (2/ 311)

15 - "إنما يبتلى به العوام دون من بلغ مبلغهم في العلم.. فأما هم فإنهم أعظم عند الله من أن يبتليهم.. فظهرت عليهم مخايل الكبر والرياسة.. وطلبوا العلو والشرف.. وغرورهم إنهم ظنوا ذلك ليس تكبرا.. وإنما هو عز الدين، وإظهار لشرف العلم.. ونصرة الدين.. وغفلوا عن فرح إبليس به.. ونصرة النبي صلّى الله عليه وسلّم لماذا كانت؟.. وبماذا أرغم الكافرين؟

وغفلوا عن تواضع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.. وتذللهم وفقرهم ومسكنتهم حتى عوتب عمر رضى الله عنه في بذاذته عند قدومه إلى الشام فقال: إنا قوم عزنا الله بالإسلام.. ولا نطلب العزة في غيره..."

أصناف المغرورين (ص: 39)

16 - "وكان عمر بن الخطاب يخرج كل ليلة يطوف مع العسس حتى يرى خللاً يتداركه وكان يقول: لوتركت عنزاً جرباء على جانب ساقية لم تدهن لخشيت أن أسئل عنها في القيامة.

فانظر أيها السلطان إلى عمر مع احتياطه وعدله وما وصل أحد إلى تقواه وصلاته كيف يتفكر ويتخوف من أهوال يوم القيامة وأنت قد جلست لاهياً عن أحوال رعيتك غافلاً عم أهل ولايتك."

التبر المسبوك في نصيحة الملوك (ص: 17)

17 - "قال عبد الله بن عمر وجماعة من أهل بيته: كنا ندعو الله أن يرينا عمر في المنام، فرأيته بعد أثني عشر كانه قد اغتسل وهو متلفع فقلت: يا أمير المؤمنين كيف وجدت ربك وبأي حسناتك جازاك؟

فقال: يا عبد الله كم لي منذ فارقتك؟

فقلت: إثنتا عشرة سنة.

فقال: منذ فارقتكم في الحساب وخفت أن أهلك إلا أن الله غفور رحيم، جواد كريم. فهذا حال عمر ولم يكن له من دنياه شيء من أسباب الولاية سوى درة.

حكاية:

أرسل قيصر ملك لروم رسولاً إلى عمر بن الخطاب لينظر أحواله ويشاهد فعاله، فلما دخل المدينة سأل أهلها وقال: أين ملككم؟

قالوا: ليس لنا ملك، بل لنا أمير قد خرج إلى ظاهر المدينة.

فخرج الرسول في طلبه فوجده نائماً في الشمس على الأرض فوق الرمل الحار وقد وضع درته كالوسادة تحت رأسه والعرق يسقط منه إلى أن بل الأرض، فلما رآه على هذه الحالة وقع الخشوع في قلبه

وقال: رجل تكون جميع ملوك الأرض لا يقر لهم قرار من هيبته، وتكون هذه حالة، ولكنك يا عمر عدلت فأمنت فنمت وملكنا يجور لا جرم إنه لا يزال ساهراً خائفاً. أشهد أن دينكم لدين الحق ولولا أني أتيت رسولاً لأسلمت، ولكن سأعود بعد هذا وأسلم.

أيها السلطان خطر الولاية عظيم، وخطبها جسيم، والشرح في ذلك طويل، ولا يسلم الوالي إلا بمقارنة عملاء الدين ليعلموه طرق العدل ويسهلوا عليه خطر هذا الأمر."

التبر المسبوك في نصيحة الملوك أبو حامد الغزالي (ص: 18)

18 – " كما يقال أن شقيقاً البلخي دخل على هارون الرشيد فقال له: أنت شقيق الزاهد؟ فقال: أنا شقيق ولست بزاهد.

فقال له: أوصني.

فقال: أن الله تعالى قد أجلسك مكان الصديق، وإنه يطلب منك مثل صدقة، وإنه أعطاك موضع عمر بن الخطاب الفاروق، وإنه يطلب منك الفرق بين الحق والباطل مثله، وإنه أقعدك موضع عثمان بن عفان ذي النورين وهو يطلب منك مثل حيائه وكرمه، وأعطاك موضع علي بن أبي طالب وهو يطلب منك مثل العلم والعدل كما يطلب منه."

التبر المسبوك في نصيحة الملوك (ص: 19)

19 - "وقال عمر ابن الخطاب رضى الله عنه: لا تعتمد على خلق رجل حتى تجربه عند الغضب."

التبر المسبوك في نصيحة الملوك (ص: 24)

20 - "الأصل العاشر إن لا يطلب رضا أحد من الناس بمخالفة الشرع فإن من سخط بخلاف الشرع لا يضر سخطه. كان عمر ابن الخطاب، رضي الله عنه، يقول: إني لأصبح ونصف الخلق علي ساخط، ولابد لكل من يؤخذ منه الحق أن يسخط، ولا يمكن أن يرضى الخصمين، وأكثر الناس جهلاً من ترك الحق لأجل رضا الخلق."

التبر المسبوك في نصيحة الملوك (ص: 28)