فتوى الإمام أبي حامد الغزالي في عدم جواز لعن يزيد بن معاوية وأثرها في تفنيد دعاوى التشيع المنسوبة إليه وبيان منهج أهل السنة في الحكم على الوقائع التاريخية

تُعدُّ القضايا التاريخية الكبرى التي اختلط فيها الجدل العقدي بالعاطفة المذهبية من أكثر المسائل التي استغلّتها الفرق الضالة في تمرير تصوراتها، ومن أخطرها ما أُثير حول موقف علماء أهل السنة من أحداث الفتنة الكبرى، وعلى رأسها مقتل الحسين رضي الله عنه، وما تفرع عن ذلك من دعوى لعن يزيد بن معاوية، ومحاولات إلصاق تهمة التشيع أو الميل إلى الرفض بكبار أئمة الإسلام.

ومن بين هؤلاء الأئمة الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله، الذي حاولت بعض الكتابات ذات النزعة الشيعية أن تنسب إليه مؤلفات أو مواقف توحي بتشيعه لأهل البيت، أو موافقته للطرح الرافضي في قضايا الصحابة والتاريخ الإسلامي. فجاءت فتواه الشهيرة في الشام والعراق بعدم جواز لعن يزيد بن معاوية معيارًا علميًا دقيقًا، يكشف زيف هذه الدعاوى، ويُبرز بوضوح منهج الغزالي السني القائم على تعظيم النصوص الشرعية، وضبط العاطفة بالعلم، والوقوف عند حدود ما ثبت بالدليل.

ويهدف هذا المقال إلى عرض هذه الفتوى عرضًا موثقًا، وبيان دلالتها العقدية والمنهجية، وكشف الشبهة المثارة حول نسبة التشيع إلى الإمام الغزالي، مع تأكيد أن الطرح الرافضي ليس مجرد خلاف فقهي، بل انحراف عقدي ومنهجي مخالف لأصول أهل السنة والجماعة.

الشبهة المثارة والرد عليها

الشبهة: يزعم بعض الكُتّاب أن للإمام الغزالي ميولًا شيعية، ويستدلون بكتب أو عبارات نُسبت إليه، أو بموقفه من أهل البيت رضي الله عنهم.

هناك فتوى شهيرة في الشام والعراق للإمام أبو حامد الغزالي في شأن لعن يزيد بن معاوية والدليل عليها: ويرى فيها -إجابة عن سؤال في لعن يزيد بن معاوية- إنه لايجوز لعنه.

الرد:

هذه الفتوى الصريحة الثابتة عن الغزالي تنسف هذه الدعوى من أصلها؛ إذ إن منهجه فيها مخالف جذريًا للطرح الرافضي، سواء في مسألة اللعن، أو في الحكم على الصحابة، أو في ضبط الأحداث التاريخية بالعلم لا بالعاطفة. ولهذا قرر العلماء ـ ومنهم الدكتور عبد الرحمن بدوي ـ أن الكتب التي تشتم منها رائحة التشيع والمنسوبة إلى الغزالي موضوعة عليه وليست من تأليفه.

وهذه الفتوى كما يقول الدكتور بدوي هي في غاية الأهمية "فيما يتصل بموقف الغزالي من التشيُّع لأهل البيت، فمن الواضح إنها تنفي كل مظنة تشيُّع لآل علي من جانبه.

وهذا في غاية الأهمية بالنسبة إلىما نسب إلى الغزالي من كتب تشتم منها رائحة التشيُّع أو تسودها روح التشيُّع..

فهي قطعاً موضوعة وليست للغزالي. فهنا معيار دقيق للفصل في أمر هذه الكتب ذات النزعة الشيعية التي نسبت إلى الغزالي."

[ الدكتور بدوي، عبد الرحمن: مؤلفات الغزالي، ص 49]

ذكر هذه الفتوى ابن خلكان والدميري في كتابه "حياة الحيوان".

[ الدكتور بدوي، عبد الرحمن: مؤلفات الغزالي، ص 47،]

واليكم نص الفتوى كما اوردها ابن خلكان في وفيات الاعيان:

نص فتوى الإمام أبو حامد الغزالي بعدم جواز لعن يزيد بن معاوية  " وقد أفتى الإمام أبو حامد الغزالي، رحمه الله تعالى، في مثل هذه المسألة بخلاف ذلك..

فإنه سئل عمن صرح بلعن يزيد (2):

هل يحكم بفسقه أم هل يكون ذلك مرخصاً فيه؟

وهل كان مريداً قتل الحسين، رضي الله عنه، أم كان قصده الدفع؟

وهل يسوغ الترحم عليه أم السكوت عنه أفضل؟

ينعم بإزالة الاشتباه مثاباً،

فأجاب:

لا يجوز لعن المسلم أصلاً، ومن لعن مسلماً فهو الملعون، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلم ليس بلعانٍ)،

وكيف يجوز لعن المسلم ولا يجوز لعن البهائم وقد ورد النهي عن ذلك، وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة بنص النبي، صلى الله عليه وسلم.

ويزيد صح إسلامه، وما صح قتله الحسين، رضي الله عنه، ولا أمره لا رضاه بذلك،  ومهما لم يصح ذلك منه لا يجوز أن يظن ذلك به فإن إساءة الظن بالمسلم أيضًا حرام،  وقد قال تعالى: {اجتنبوا كثيراً من الظن أن بعد الظن اثم}،

وقال النبي، صلى الله عليه وسلم: (إن الله حرم من المسلم دمه وماله وعرضه وأن يظن به ظن السوء)،  ومن زعم أن يزيد أمر بقتل الحسين، رضي الله عنه، أو رضي به فينبغي أن يعلم به غاية حماقة، فإن من قتل من الأكابر والوزراء والسلاطين في عصره لو أراد أن يعلم حقيقة من أمر بقتله ومن الذي رضي به ومن الذي كرهه لم يقدر على ذلك، وإن كان قد قتل في جواره وزمانه وهو يشاهده، فكيف لو كان في بلد بعيد وزمن قديم قد انقضى،  فكيف يعلم ذلك فيما انقضى عليه قريب من أربعمائة سنة في كان بعيد وقد تطرق التعصب في الواقعة فكثرت فيها الأحاديث من الجوانب فهذا أمر لا تعرف حقيقته أصلاً، وإذا لم يعرف وجب إحسان الظن بكل مسلم يمكن إحسان الظن به، ومع هذا فلو ثبت على مسلم إنه قتل مسلماً فمذهب الحق إنه ليس بكافر، والقتل ليس بكفر بل هو معصية، وإذا مات القاتل فربما مات بعد التوبة، والكافر لو تاب من كفره لم تجز لعنته، فكيف من تاب عن قتل وبم يعرف أن قاتل الحسين رضي الله عنه، مات قبل التوبة وهو الذي يقبل التوبة عن عباده، فإذا لا يجوز لعن أحد ممن مات من المسلمين، ومن لعنه كان فاسقاً عاصياً لله تعالى، ولو جاز لعنه فسكت لم يكن عاصياً بالإجماع، بل لو لم يلعن إبليس طول عمره لا يقال له يوم القيامة: لم لم تلعن إبليس، ويقال للاعن: لم لعنت ومن أين عرفت إنه مطرود ملعون والملعون وهو المبعد من الله عز وجل، وذلك غيب لا يعرف إلى فيمن مات كافراً فإن ذلك علم بالشرع، وأما الترحم عليه جائز، بل هو مستحب، بل هو داخل في قولنا في كل صلاة (اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات)، فإنه كان مؤمناً والله أعلم؛كتبه الغزالي. أهـ "

[وفيات الأعيان ابن خلكان 3/ 288]

(2) م: وسئل الغزالي هل يجوز لعن يزيد وقد فعل كذا وكذا فأجاب.

فهل صاحب هذه الفتوى.. يتهم صاحبها بالتشيع أو الرفض أو بعدم اتباع مذهب أهل السنة والجماعة أو إنه يتهم الشيخان اولا يتولاهما... محال ومحض كذب وافتراء... ولنتابع مع المزيد من الحقائق..