أثارت قضية الإمامة عند الشيعة الإمامية جدلاً واسعاً منذ القرون الأولى، لما تفرّع عنها من طعون خطيرة في الصحابة الكرام رضي الله عنهم، واتهامات مبطّنة – بل صريحة أحياناً – بكتمان الدين، وخيانة الأمانة، ومخالفة النص الإلهي بزعمهم. ويقوم البناء العقدي للإمامية على دعوى وجود نصٍ جليٍّ صريحٍ من النبي صلى الله عليه وسلم بتعيين علي بن أبي طالب رضي الله عنه إماماً وخليفة من بعده، نصٍّ لا يسع أحداً جهله ولا يجوز لأحد مخالفته.

غير أن المتأمل في الروايات الشيعية نفسها، والمتتبع لأقوال أئمتهم وأخبارهم المنسوبة إلى أهل البيت وأمهات المؤمنين وخدم النبي صلى الله عليه وسلم، يقف على اضطراب شديد وتناقض فاضح في دعوى النص، من حيث توقيته، ومضمونه، ومخاطَبيه، بل ومن حيث علم أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم به من عدمه.

فكيف يُعقل – لو كان النص ثابتاً متكرراً في مواطن متعددة كما يزعمون – أن يخفى على كبار الصحابة الذين لازموا النبي صلى الله عليه وسلم ليل نهار، وهاجروا معه، وجاهدوا تحت رايته، وتلقوا عنه دقائق الشريعة قبل جليلها؟ وكيف يغيب هذا النص الخطير عن أمهات المؤمنين، وعن خادمه أنس بن مالك، وعن جمهور الصحابة، ثم لا يظهر إلا في روايات متأخرة متضاربة، ينسف بعضها بعضاً؟

إن هذا المقال يقف وقفة نقدية علمية مع الروايات الشيعية نفسها، لا من كتب أهل السنة، ليبيّن بوضوح أن دعوى النص على الإمامة ليست سوى بناء متأخر، صيغ لخدمة مشروع مذهبي وسياسي، وأن ما يروّجه الإمامية في هذا الباب لا يثبت تاريخاً ولا يستقيم عقلاً ولا ينسجم مع واقع السيرة النبوية ولا مع مقام النبوة.

وقبل الشروع في ذكر أحوال بقية الأئمة وأصحابهم، أجد لزاماً أن أذكر نتفاً قليلة من شأن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع النص على أمير المؤمنين رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، هؤلاء الذين لزموا النبي صلى الله عليه وسلم منذ بدء الدعوة وجلسوا إليه وسافروا معه وشاركوه الحروب والغزوات وتزوجوا بناته وصاهرهم، ولم يدع من أمر الدين شيئاً مما يقربهم إلى الله عز وجل إلا وأخبرهم به، ولا أمراً مما يدخلهم النار إلا وقد نهاهم عنه، حتى بيَّن لهم أي رجل يقدمون عند دخولهم الخلاء وبأيٍ يخرجون، فضلاً عن أركان الإسلام والإيمان، ناهيك عن أعظمها وعلة فرض غيرها وهي الإمامة بزعم القوم.

ومثل هذا الأمر لا يمكن أن يخفى على من لازموه كظله، وكيف يخفى؟ وقد روى القوم عن الباقر في قولـه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَإنه فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:28]، قال: كرهوا علياً وكان أمر الله بولايته يوم بدر وحنين ويوم بطن نخلة ويوم التروية ويوم عرفة، نزلت فيه خمس عشرة آية في الحجة التي صدَّ فيها رسول الله عن المسجد بالجحفة وخم[1].

وعنه -أيضاً- في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1] قال: أن رسول الله أخذ لعلي بما أمر أصحابه، وعقد لـه عليهم الخلافة في عشرة مواطن، ثم أنزل عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، يعني: التي عقدت عليهم لعلي أمير المؤمنين[2].

ولاشك أن القول بغياب النص عنهم مع كل هذا الذي أوردناه، سواء الروايتان السابقتان أو الباب كله منتفٍ وبعيد جداً، ولكن ما أورده القوم في شأنهم يختلف تماماً إلا مع موقف الأئمة من النص، كما سبق ذكره وسيأتي أيضاً.

فها هن أزواجه صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن أجمعين، أقرب الناس إليه ملازمة، يروي القوم عنهن ما يدل على المقصود، إلا وهو غياب النص، هذا أن وجد النص أصلاً، فقد ذكر القوم أن جبرئيل عليه السلام قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: قد دنا يا محمد مصيرك إلى ربك وجنته، وهو يأمرك أن تنصب لأمتك من بعدك علي بن أبي طالب وتعهد إليه، فهو الخليفة القائم برعيتك وأمتك، وإن الله يأمرك أن تعلمه جميع ما علمك، وتستحفظه جميع ما حفظك واستودعك، فإنه الأمين المؤتمن.

يا محمد، إني اخترتك من عبادي نبياً، واخترته لك وصياً، فدعا علياً يوماً فخلا به يومه ذلك وليلته واستودعه العلم والحكمة التي آتاه إياها، وعرفه ما قال جبرئيل، وكان ذلك يوم عائشة، فقالت: يا رسول الله، لقد طال استخلاؤك بعلي منذ اليوم، فأعرض عنها، فقالت: لم تعرض عني يا رسول الله بأمر لعله يكون لي صلاحاً؟ فقال: صدقت وايم الله، إنه لأمر صلاح لمن أسعده الله بقبوله والإيمان به، وقد أمرني بدعاء الناس جميعاً إليه، وستعلمين ذلك إذا أنا قمت به في الناس، قالت: يا رسول الله، ولم لا تخبرني به الآن لأتقدم بالعمل به والأخذ بما فيه الصلاح؟ قال: سأخبرك به فاحفظيه إلى أن أؤمر بالقيام به في الناس جميعاً، فإنك أن حفظتيه حفظك الله في العاجلة والآجلة جميعاً، وكانت لك الفضيلة للأسبقية والمسارعة إلى الإيمان بالله ورسوله...

إلى أن قال: أن الله أخبرني أن عمري قد انقضى، وأمرني أن أنصب علياً للناس، وأجعله فيهم إماماً، وأستخلفه كما استخلف الأنبياء من قبلي أوصياءهم[3].

ويستشعر القارئ من الرواية تأخرها إلى أيامه الأخيرة صلى الله عليه وسلم، ورغم ذلك ترى كل هذا التضارب في النص، وتجد فيها بطلان ما ورد من نصوص قبل ذلك، وهو أمر غدا لك واضحاً مع كل رواية جديدة، مما يغنينا عن التعليق عليها جميعاً.

وكذا شأن أم سلمة رضي الله عنها، حيث قالوا:

إن النبي دفع إليها كتاباً، فقال: من طلب هذا الكتاب منك ممن يقوم بعدي فادفعيه إليه، ثم ذكرت قيام أبي بكر وعمر وعثمان وأنهم ما طلبوه، ثم قالت: فلما بويع علي نزل عن المنبر ومرّ، وقال لي: يا أم سلمة، هاتي الكتاب الذي دفعه إليك رسول الله، فقالت: أنت صاحبه؟ فقال: نعم، فدفعته إليه، قيل: ما كان في الكتاب؟ قالت: كل شيء دون قيام الساعة[4].

ووفي رواية: قالت: أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً، قال: أمسكي هذا، فإذا رأيت أمير المؤمنين صعد المنبر فجاء يطلب هذا الكتاب فادفعيه إليه، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد أبو بكر المنبر فانتظرته فلم يسألها، فلما مات صعد عمر المنبر فانتظرته فلم يسألها، فلما مات عمر صعد عثمان فانتظرته فلم يسألها.. الرواية[5]، وغيرها[6].

وكذا حال خادمه أنس بن مالك رضي الله عنه الذي خدمه منذ هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حتى وفاته، فقد روى القوم عنه إنه قال: كان رسول الله في بيت أم حبيبة بنت أبي سفيان، فقال: يا أم حبيبة، اعتزلينا فإنا على حاجة، ثم دعا بوضوء فأحسن الوضوء، ثم قال: أن أول من يدخل من هذا الباب أمير المؤمنين، وسيد العرب، وخير الوصيين، وأولى الناس بالناس، فقال أنس: فجعلت أقول: اللهم اجعله رجلاً من الأنصار، قال: فدخل علي وجاء يمشي حتى جلس إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل رسول الله يمسح وجهه بيده، ثم مسح بها وجه علي بن أبي طالب، فقال علي: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: إنك تبلغ رسالتي من بعدي، وتؤدي عني، وتسمع الناس صوتي، وتعلم الناس من كتاب الله ما لا يعلمون[7].

ووفي رواية: من هذا يا أنس؟ فقلت: علي، فقام مستبشراً فاعتنقه، ثم جعل يمسح عرق وجهه بوجهه، ويمسح عرق علي بوجهه، فقال علي: صنعت شيئاً ما صنعت بي قبل هذا، قال: وما يمنعني وأنت تؤدي عني وتسمع صوتي وتبين لهم ما اختلفوا فيه من بعدي[8].

ومتى كان هذا السلوك من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فهذه القصة لا أقل من افتراض حدوثها في أواخر السنة السابعة من الهجرة أو بعدها؛ وذلك أن قدوم أم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنهما إلى المدينة إنما كان في ذي الحجة من السنة المذكورة، حيث كانت مهاجرة إلى الحبشة مع زوجها عبيدالله بن جحش الذي ارتد عن الإسلام وتنصر، ثم بعث الرسول صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ليخطبها... إلى آخر القصة[9].

فموضع الشاهد في القصة هو جهل أنس بن مالك بإمامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه رغم مرور أكثر من سبعة أعوام من خدمته للرسول صلى الله عليه وسلم، حتى دعا ربه أن يجعله رجلاً من قومه، والعجيب قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعلي: إنك تبلغ رسالتي من بعدي، وتؤدي عني، مما يوحي بأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان جاهلاً به حتى ذلك الوقت.

ولا يرد على هذا أن معرفته بإمرة المؤمنين كانت واقعة، وأن مقولة الرسول صلى الله عليه وسلم له إنما هي استزادة مسئوليات، وذلك أن الإمامة -كما يراها القوم- تستلزم تبليغ رسالة النبي صلى الله عليه وسلم والأداء عنه، وتعليم الناس من كتاب الله ما لا يعلمون مما يستقبح تكراره وصدوره عنه صلى الله عليه وسلم للناس فضلاً عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأعجب من هذا كله: الإبهام في ذكر اسم أمير المؤمنين، فلا يخلو الأمر من إنه صلى الله عليه وسلم كان عالماً به، حيث يكون الأولى به أن يقول: أن أول من يدخل من هذا الباب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، أو يكون جاهلاً به، وهذا الأخير يشهد لـه قولـه لأنس كما في الرواية الأخرى: من هذا يا أنس؟ رغم قولـه: أن أول من يدخل من هذا الباب أمير المؤمنين.

 

[1] البرهان: (4/187)، البحار: (36/102، 159).

[2] سعد السعود: (121)، البحار: (36/92، 191)، إثبات الهداة: (2/140)، تأويل الآيات: (1/144)، البرهان: (1/431)، تفسير القمي: (1/168)، الصافي: (2/5).

[3] كشف اليقين: (137)، الإقبال: (454)، البحار: (28/96).

[4] البحار: (40/152)، الإمامة والتبصرة: (174)، البصائر: (163).

[5] البصائر: (168)، البحار: (26/54).

[6] انظر أيضاً: أمالي الصدوق: (229)، أمالي الطوسي: (271)، كشف الغمة: (1/85)، الطرائف: (8)، المناقب: (1/396)، البحار: (22/222) (38/305، 310)، إثبات الوصي: (17).

[7] اليقين: (12، 28، 35، 128، 140)، الإرشاد: (30)، البحار: (37/298، 324، 327، 330) (40/15، 16)، تأويل الآيات: (1/181)، نور الثقلين: (3/61).

[8] اليقين: (31، 92، 93، 161، 164)، البحار: (37/300، 301) (38/2، 127) (40/15)، العياشي: (2/262)، البرهان: (2/374)، تأويل الآيات: (1/184)، وصي الرسول الأعظم: (20).

[9] انظر إن شئت تفصيل ذلك في: البحار: (21/43).