إباحة المتعة للضرورة ثم تحريمها: قاعدة شرعية لا تناقض فيها
يُثير بعض أتباع الفرقة الشيعية الضالة شبهة متكررة مفادها: كيف يكون نكاح المتعة محرّمًا وقد أباحه الله في وقتٍ من الأوقات؟، ويظنون أن مجرّد الإباحة المؤقتة دليلٌ على المشروعية الدائمة، أو أن التحريم اللاحق يناقض حكمة التشريع الإلهي.
وهذه الشبهة ناتجة عن خللٍ أصولي جسيم في فهم طبيعة الأحكام الشرعية، والتمييز بين الإباحة المؤقتة للضرورة، وبين التحليل التأصيلي الدائم.
فإن الشريعة الإسلامية قررت قاعدة عظيمة، وهي أن ما أُبيح للضرورة لا يخرج عن كونه محرّمًا في أصله، وأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. وقد ثبت بالنص القرآني القطعي أن الله تعالى أباح أكل الميتة ولحم الخنزير للمضطر، مع بقاء هذه الأشياء على خبثها وتحريمها الأصلي، ولم يقل أحد من أهل العلم إن إباحتها للضرورة تُكسبها طهارة أو مشروعية دائمة.
ومن هذا الباب تمامًا جاءت إباحة المتعة في بداية الإسلام زمنًا يسيرًا، في ظرفٍ استثنائي، ثم جاء تحريمها المؤبد إلى يوم القيامة. فليست الإباحة المؤقتة دليلًا على الحِلّ الذاتي، كما أن تحريم الخمر بعد إباحتها لا يُعد تناقضًا، بل هو من باب التدرج التشريعي، الذي ثبت بالكتاب والسنة، وأقر به العقل والنقل.
ويهدف هذا المقال إلى بيان هذه القاعدة الشرعية، ونسف الشبهة من جذورها، وبيان أن الاحتجاج بإباحة المتعة في وقتٍ معين لا يصلح دليلًا على مشروعيتها بعد التحريم، تمامًا كما لا يصح الاحتجاج بإباحة الخمر قبل نزول تحريمها.
لقد بينا أن المتعة قد احلت في عام اوطاس للضرورة في مدة قصيرة، فسمعت بعض الرافضة يقول كيف تكون المتعة شيئا محرما ويبيحه الله.
اقول لقد شرع الله تعالى اكل الميتة للمضطر، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أهل بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ أن اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173): البقرة ﴾ فما اباحه الله تعالى من المحرم للضرورة لا يتنافى مع خبثه تأصيلا، وبما أن الله تعالى قد جعل حكم اكل المحرمات المذكورة في الاية على الدوام، فاننا نقول به، وبما أن الله تعالى قد حرم المتعة إلى يوم القيامة ولم يجعل اباحتها للضرورة إلا في وقت معين، فاننا نمتثل للشرع الالهي، وتحريم الخمر في الإسلام بعد أن كانت مباحة من هذا الباب، فقد كانت الخمرة مباحة، ولا اثم على شاربها حتى حدث التدرج في تحريمها، قال تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَإذا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219): البقرة ﴾، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ (43): النساء ﴾، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90): المائدة ﴾.
قال الطوسي:
" عَنْهُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَرِيزٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أبي عَبْدِ اللَّهِ ع وصَفْوَانَ وفَضَالَةَ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أبي جَعْفَرٍ ع فِي رَجُلٍ تَرَكَ غُلَاماً لَهُ فِي كَرْمٍ لَهُ يَبِيعُهُ عِنَباً أَوْ عَصِيراً فَانْطَلَقَ الْغُلَامُ فَعَصَرَهُ خَمْراً ثُمَّ بَاعَهُ قَالَ لَا يَصْلُحُ ثَمَنُهُ ثُمَّ قَالَ أن رَجُلًا مِنْ ثَقِيفٍ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ص رَاوِيَتَيْنِ مِنْ خَمْرٍ بَعْدَ مَا حُرِّمَتْ فَأمر بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ص فَأُهَرِيقَتَا وقَالَ أن الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا قَدْ حَرَّمَ ثَمَنَهَا ثُمَّ قَالَ أبو عَبْدِ اللَّهِ ع أن أَفْضَلَ خِصَالِ هَذِهِ الَّتِي بَاعَهَا الْغُلَامُ أن يُتَصَدَّقَ بِثَمَنِهَا "
تهذيب الأحكام - الطوسي- ج 7 ص 136 - ص 137
وقال حسين المنتظري:
" ما في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " أن رجلا من ثقيف أهدى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) راويتين من خمر فأمر بهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأهريقتا وقال: أن الذي حرم شربها حرم ثمنها. " وفي رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن ثمن الخمر، قال: أهدي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) راوية خمر بعد ما حرمت الخمر فأمر بها أن تباع، فلما أن مر بها الذي يبيعها ناداه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من خلفه: يا صاحب الراوية، أن الذي حرم شربها فقد حرم ثمنها، فأمر بها فصبت في الصعيد... " يستشعر من الروايتين وجود الملازمة بين حرمة شرب الشيء وفساد بيعه ولا يمكن الالتزام بذلك. والجواب أن الخمر كانت مما يعتاد شربها وكان بيعها في تلك الأعصار لذلك لا محالة فتصح الملازمة "
دراسات في المكاسب المحرمة – حسين المنتظري – جزء 1 ص 201 – 202
فمن المعلوم أن الشيء قبل نزول تحريمه لا تترتب عليه اي عقوبة، او نهي، وان العبد مخير بين فعله وتركه، وهذا هو عين المباح.