موقف أهل السنة والجماعة من مقتل الحسين رضي الله عنه

يُعدّ مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما من أعظم المصائب التي ابتُليت بها الأمة الإسلامية، وقد شكّل هذا الحدث الجلل موضعَ التباسٍ عند كثير من الناس بسبب ما أُثير حوله من رواياتٍ محرّفة، ومواقف متطرفة، وغلوٍّ عقدي تبنّته فرقة ضالّة نسبت نفسها زورًا إلى آل البيت، فخالفَت بذلك منهج الإسلام الحق.

ويأتي هذا المقال لبيان الموقف الشرعي الصحيح لأهل السنة والجماعة من مقتل الحسين رضي الله عنه، موقفٍ قائمٍ على النصوص، والعدل، ومحبة آل بيت النبي ﷺ دون غلوّ أو جفاء، مع البراءة من قاتليه، ومن كل من رضي بقتله أو اتخذ مصيبته وسيلة للطعن في الصحابة أو تشريع البدع والمآتم والشركيات.
إن فهم هذا الحدث وفق منهج أهل السنة يحفظ للدين صفاءه، ويضع الأمور في نصابها، ويمنع استغلال المآسي التاريخية لهدم العقيدة أو تشويه السلف الصالح.

إن الحسين رضي الله عنه هو سيد من سادات أهل السنة والجماعة واعتقادهم فيه بأنه قد مات شهيداً سعيداً وقد أكرمه الله بالشهادة وأهان قاتليه وأن قتله يعتبر بمثابة المصيبة العظمى حيث يسترجع عندها بقول الله عز وجل: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ (156) أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ

لا شك أن لأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم منزلة ً رفيعة ً ودرجة ً عالية من الاحترام والتقدير عند أهل السنة والجماعة حيث يرعون حقوق آل البيت التي شرعها الله لهم فيحبونهم ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي قالها يوم غدير خم (أذكركم الله في أهل بيتي) فهم أسعد الناس بالأخذ بهذه الوصية وتطبيقها فيتبرؤون من طريقة الشيعة الذين غلوا في بعض أهل البيت غلواً مفرطاً فأهل السنة متفقون على وجوب محبة أهل البيت وتحريم إيذائهم أو الإساءة إليهم بقول أو فعل وأن كتب أهل السنة ولله الحمد والمنة هي مليئة وزاخرة بذكر مناقب أهل البيت مثل كتب الحديث والتراجم وغيرها.

موقف أهل السنة من مقتل الحسين:

إن موقف أهل السنة من مقتل الحسين رضي الله عنه يلخصه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: وقد أكرمه الله بالشهادة وأهان بذلك من قتله أو أعان على قتله أو رضي بقتله وله أسوة حسنة بمن سبقه من الشهداء فإنه وأخوة سيدا شباب الجنة وقد كانا قد تربيا في عز الإسلام لم ينالا من الهجرة والجهاد والصبر والأذى في الله ما ناله أهل بيته فأكرمهما الله بالشهادة تكميلا ً لكرامتهما ورفعاً لدرجاتهما وقتله مصيبة عظيمة والله سبحانه وتعالى قد شرع الاسترجاع عند المصيبة بقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ(156) أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ

إن استشهاد الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما لجديرة بالبسط والتأسي دون أن نسمح لألسنتنا بالخوض في أقدار الصحابة والتابعين الذين حضروا تلك الفتن العظيمة وكانت لهم مواقفهم والظروف التي أحاطت بهم التي لا ندري معها لو كنا معهم ماذا كنا سنصنع؟ وإن دماء سلم الله أيدينا منها نريد أن تسلم ألسنتنا منها ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم بأن ابنه وحبيبه سوف يقتل على يد مسلمين، فقد روى أبو أمامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنسائه: " لا تُبَكُّوا هذا " يعني حسيناً، فكان يوم أم سلمة، فنزل جبريل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة: لا تدعي أحداً يدخل، فجاء حسين فبكى، فخلته يدخل، فدخل حتى جلس في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال جبريل: إن أمتك ستقتله، قال يقتلونه وهم مؤمنون؟ قال: نعم، وأراه تربته. إسناده حسن كما قال الإمام الذهبي.

وقد بقي هذا اليوم دامياً في قلوب أصحـاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم ينسوه لأهل العراق الذين حضروا مصرع الحسين دون أن يدافعوا عنه، ففي البخاري عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ قَالَ كُنْتُ شَاهِدًا لِابْنِ عُمَرَ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ فَقَالَ مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالَ انْظُرُوا إِلَى هَذَا يَسْأَلُنِي عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا

اللهم إنا أحببنا الحسن والحسين وأمّهما وأباهما وعِترتهما الصالحة لحبّنا لنبيك صلى الله عليه وسلم فاجعلنا يوم القيامة مع من أحببْنا

الحسين بن علي بن أبي أطالب ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم

إن حبّه دين وعبادة يُرجى بها رضا الله تعالى وثوابه.