تُعَدّ مسألة البيعة ليزيد بن معاوية من أكثر القضايا التاريخية التي تعرضت للتحريف والتهويل، خاصةً من قِبل الفرقة الشيعية الضالّة التي اتخذت من هذه المرحلة ذريعة للطعن في الصحابة الكرام، وبناء سرديةٍ تقوم على ادعاء الوصية الإلهية والإمامة الحصرية في عليٍّ وأبنائه.

ويهدف هذا المقال إلى عرض القضية من منظور أهل السنة والجماعة عرضًا علميًا منضبطًا، يوازن بين إثبات صحة البيعة من حيث وقوعها الشرعي، وبين بيان ما أُخذ عليها من مخالفات للمنهج الأكمل الذي استقرت عليه الخلافة الراشدة.
كما يفرّق المقال بين نقد المبدأ والحكم على الأشخاص، ويوضح أن أهل السنة لا يغلون في يزيد فيرفعونه فوق منزلته، ولا يسبّونه ولا يكفّرونه، بل يقفون موقف العدل والإنصاف، امتثالًا للمنهج الشرعي في الحكم على الوقائع التاريخية.
ويكشف المقال كذلك التناقض الجوهري في موقف الشيعة، إذ لا ينبع اعتراضهم على بيعة يزيد من مبدأ الشورى أو العدالة، وإنما من اعتقادهم الباطل بحصر الإمامة في سلالةٍ معيّنة، وهو ما يجعل اعتراضهم قائمًا على أصلٍ فاسد لا على نقدٍ علمي صحيح.

الْبَيْعَةُ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ:

في سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ أَمَرَ مُعَاوِيَةُ رضي الله عنه النَّاسَ أَنْ يُبَايِعُوا لِابْنِهِ يَزِيدَ بَعْدَهُ، وَهُنَا عَدَلَ مُعَاوِيَةُ رضي الله عنه عَنْ طَرِيقَةِ مَنْ سَبَقَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَرَكَ الْأَمْرَ أَوْ نَصَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَنَصَّ عَلَى عُمَرَ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَنَصَّ عَلَى سِتَّةٍ وَأَخْرَجَ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ ابْنَ عَمِّهِ، وَابْنَهُ عَبْدَ اللهِ، ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى أَحَدٍ، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ وَلَم يَنُصَّ عَلَى أَحَدٍ، وَتَنَازَلَ الْحَسَنُ لِـمُعَاوِيَةَ رضي الله عنهما

فَقِيلَ لِـمُعَاوِيَةَ رضي الله عنه: إِمَّا أَنْ تَتْرُكَهَا كَمَا كَانَتْ عَلَى زَمَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَوْ مَا كَانَ عَلَيْه أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَاعْهَدْ بالخِلَافَةِ لِرَجُلٍ لَيْسَ مِنْكَ أَوْ مَا كَانَ عَلَيْهِ عُمَرُ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا فِي سِتَّةٍ لَيْسُوا منْ أَهْلِ بَيْتِهِ أَوْ أَنْ تَتْرُكَ الْأَمْرَ وَالْـمُسْلِمُونَ يَخْتَارُونَ، وَلَكِنَّ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه أَبَى إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْخَلِيفَةُ بَعْدَهُ "يَزِيدَ" ولَعَلَّهُ عَدَلَ عَنِ الْوَجْهِ الْأَفْضَلِ لِـمَا كَانَ يَتَوجَّسُ مِنَ الْفِتْنَةِ وَالشَّرِّ إِذَا جَعَلَهَا شُورَى، وَقَدْ رَأَى الطَّاعَةَ وَالْأَمْنَ وَالِاسْتِقْرَارَ فِي الْجَانِبِ الَّذِي فِيهِ ابْنُهُ يَزِيدُ وَهَذَا إِنْ كَانَ فَلَيْسَ بِصَوَابٍ بَلِ الصَّوَابُ فِي الشُّورَى.

مَوْقِف أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْـجَمَاعَةِ مِنْ بَيْعَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ:

أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يَقُولُونَ: إِنَّ الْبَيْعَةَ صَحِيحَةٌ ولَكِنَّهُم عَابُوا هَذِهِ الْبَيْعَةَ لِأَمْرَينِ اثْنَينِ:

الْأَوَّلُ: إِنَّ هَذِهِ بِدْعَةٌ جَدِيدَةٌ وَهِيَ أَنَّهُ جَعَلَ الْخِلَافَةَ فِي وَلَدِهِ فَكَأَنَّهَا صَارَتْ وِرَاثةً بَعْدَ أَنْ كَانَتْ شُورَى وَتَنْصِيصًا عَلَى غَيْرِ

الْقَرِيبِ، فَكَيْفَ قَرِيْبٌ وَابْنٌ مُبَاشِرٌ، فَمِنْ هَذَا الْـمُنْطَلَقِ رُفِضَ الْـمَبْدَأُ بِغَضِّ النَّظرِ عَنِ الشَّخْصِ، فَهُم رَفَضَوا مَبْدَأَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ وِرَاثةً.

الثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ مَنْ هُم أَوْلَى مِن "يَزِيدَ" بِالْخِلَافَةِ كَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحُسَيْنِ، وَغَيْرُهُمْ كَثِيرٌ

أَمَّا مِن وَجْهَةِ نَظَرِ الشِّيعَةِ فَإِنَّهُم يَرَوْنَ الْإِمَامَة وَالخِلَافَةَ فِي عَلِيٍّ وَأَبْنَائِه فَقَطْ، فَهُمْ لَا يَعِيبُونَ بَيْعَةَ " يَزِيدَ" بِذَاتِهَا وَإِنَّما يَعِيبُونَ كُلَّ بَيْعَةٍ لَا تَكُونُ لِعَلِيٍّ وَأَوْلَادِهِ، وَعَلَى هَذَا الْأَسَاسِ فَهُمْ يَعِيبُونَ بَيْعَةَ

أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَمُعَاوِيَةَ رضي الله عنهما كُلَّهَا بِغضِّ النَّظَرِ عَنِ الْـمُبَايَعِ لَهُ، لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهَا نَصٌّ لِعَلِيٍّ وَأَبْنَائِهِ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ

هَلْ كَانَ يَزِيدُ أَهْلًا لِلْخِلَافَةِ أَوْ لَا؟

ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ قِصَّةَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُطِيعٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَنَّهُم مَشَوا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ ابْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخُو الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ رضي الله عنهما مِنْ أَبِيْهِمَا فَأَرَادُوهُ عَلَى خَلْعِ يَزِيدَ فَأَبَى عَلَيهِمْ، قَالَ ابْنُ مُطِيعٍ: إِنَّ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَيَتْرُكُ الصَّلَاةَ

فَقَالَ مُحَمَّدُ: مَا رَأَيْتُ مِنْهُ مَا تَذْكُرُونَ، وَقَد حَضَرْتُه وَأَقَمْتُ عِنْدَهُ فَرَأَيْتُهُ مُوَاظِبًا عَلَى الصَّلَاةِ، مُتَحَرِّيًا لِلْخَيْرِ، يَسْأَلُ عَنِ الْفِقْهِ، مُلَازِمًا لِلسُّنَّةِ.

قَالُوا: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ تَصنُّعًا لَكَ.

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ: مَا الَّذِي خَافَهُ مِنَّي أَوْ رَجَاهُ؟ أَفَأَطْلَعَكُم عَلَى مَا تَذْكُرُونَ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرَ؟ فَلَئِنْ كَانَ أَطْلَعَكُمْ عَلَى ذَلِكَ إِنَّكُمْ لَشُركَاؤُهُ، وَإِنْ لَمْ يُطْلِعْكُمْ فَمَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَشْهَدُوا بِمَا لَمْ تَعْلَمُوا قَالُوا: إِنَّهُ عِنْدَنَا لَحَقٌّ، وَإِنْ لَم نَكُنْ رَأَيْنَاهُ.

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ: أَبَى اللهُ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الشَّهَادةِ ثُمَّ

قَرَأَ عَلَيْهِمْ قَوْلَ الْحَقِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ فَالْفِسْقُ الَّذِي نُسِبَ إِلَى يَزِيدَ فِي شَخْصِهِ كَشُرْبِ خَمْرٍ، أَوْ مُلَاعَبَةِ قِرَدَةٍ أَوْ فُحْشٍ أَوْ مَا شَابَهَ ذَلِكَ لَم يَثْبُتْ عَنْهُ بِسَندٍ صَحِيحٍ فَهَذَا لَا نُصَدِّقُهُ، وَالْأَصْلُ السَّلَامَةُ وَنَقُولُ عِلْمُهُ عِنْدَ رَبِّي سُبْحَانَه وَتَعَالَى وَلَكِنَّ ظَاهِرَ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لَم يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَالْعِلْمُ عِنْدِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي حَالِ يَزِيدَ، وَهَذَا لَا يَهُمُّنا فَهُوَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى

فَخُلَاصَةُ الْقَوْلِ:

 أَنَّ أَمْرَهُ إِلَى اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَهُوَ كَمَا قَالَ الذَّهَبِيُّ: " لَا نَسُبُّه وَلَا نُحِبُّهُ" بل إن الحسين رضي الله عنه اشترك في الجيش الذي بعثه معاوية رضي الله عنه لغزو القسطنطينية بقيادة ابنه "يزيد" في سنة 49هـ

ومن يقرأ تاريخ يزيد بعين الإنصاف فسيجد انه رجل لا مطعن فيه لا في دينه ولا في أخلاقه ولا في رجاحة عقله ففي البخاري أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال " أول جيش من أمتي يغزون مدينة القيصر مغفور له" وفي البخاري أيضا ومما أصبح متواتراً أن يزيد كان على رأس هذا الجيش.