حديث الضعفاء في الصحيحين: توضيح حكم رواة الحديث وفضح دعاوى الشيعة

يُعد صحيح البخاري وصحيح مسلم من أعمدة السنة النبوية، وقد بذل أئمتها جهودًا عظيمة في جمع الأحاديث وتحقيقها وفق أعلى معايير الجرح والتعديل، لضمان صحة الأسانيد ودقة النقل.

ومع ذلك، نجد فرقًا ضالة، وعلى رأسها الشيعة الرافضة، تروج للشبهات وتزعم وجود أحاديث ضعيفة في الصحيحين، بهدف تشويه السنة والطعن في مصداقية أئمة الأمة.

ويهدف هذا المقال إلى توضيح حقيقة رواة الحديث في الصحيحين، ومبررات وجود بعض الضعفاء في المتابعات والشواهد، وفهم مذهب كبار العلماء مثل ابن الصلاح، والحافظ الذهبي، وابن حجر، وابن القيم في هذا الباب، وكشف بطلان مزاعم الشيعة التي لا تستند إلى معرفة علمية دقيقة، وإنما إلى هوى ومذهبية ضالة.

يقول ابن الصلاح ضمن كلامه:

 عن سبب وجود رواة ضعفاء في صحيح مسلم، ومثله يقاس الكلام على البخاري: « عاب عائبون مسلما بروايته في صحيحه عن جماعة من الضعفاء أو المتوسطين الواقعين في الطبقة الثانية الذين ليسوا من شرط الصحيح أيضًا. والجواب أن ذلك لأحد أسباب لا معاب عليه معها:

 أحدها: أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده.

الثاني: أن يكون ذلك واقعا في الشواهد والمتابعات لا في الأصول، وذلك بأن يذكر الحديث أولا بإسناد نظيف رجاله ثقات ويجعله أصلا، ثم يتبع ذلك بإسناد آخر أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد بالمتابعة أو لزيادة فيه.

الثالث: أن يكون ضعف الضعيف الذي احتج به طرأ بعد أخذه عنه باختلاط حدث عليه غير قادح فيما رواه من قبل في زمان سداده واستقامته»

(صيانة صحيح مسلم ص96).

ويقول الحافظ الحازمي:

 « وقد قسم الرواة إلى خمس طبقات وجعل الطبقة الأولى مقصد البخاري، ويخرج أحياناً من أعيان الطبقة الثانية. فإن قيل: إذا كان الأمر على ما مهدت وأن الشيخين لم يودعا كتابيهما إلا ما صح، فما بالهما خرجا حديث جماعة تُكُلِمَ فيهم نحو فليح بن سليمان وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار وإسماعيل بن أبي أويس عند البخاري ومحمد بن إسحاق وذويه عند مسلم؟ قلت: أما إيداع البخاري ومسلم كتابيهما حديث نفر نسبوا إلى نوع من الضعف فظاهر، غير إنه لم يبلغ ضعفهم حداً يُرَدُّ به حديثهم»

(شروط الأئمة الخمسة ص69).

ويقول الحافظ الذهبي:

 « فما في الكتابين – يعني الصحيحين - بحمد الله رجل احتج به البخاري أو مسلم في الأصول ورواياته ضعيفة، بل حسنة أو صحيحة. ومن خرج له البخاري أو مسلم في الشواهد والمتابعات ففيهم مَن في حفظه شيء وفي توثيقه تردد»

(الموقظة79).

وقال ابن القيم وهو يرد على من عاب على مسلم إخراج أحاديث الضعفاء سيئي الحفظ كمطر الوراق وغيره، ومثله يقاس الكلام على البخاري: « ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه لإنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يعلم إنه حفظه، كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم إنه غلط فيه، فغلط في هذا المقام من استدرك عليه إخراج جميع أحاديث الثقة، ومن ضعف جميع أحاديث سيئي الحفظ»

 (زاد المعاد1/364).

وقال الحافظ ابن حجر: « وأما الغلط فتارة يكثر في الراوي وتارة يقل، فحيث يوصف بكونه كثير الغلط ينظر فيما أخرج له، أن وجد مروياً عنده أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف بالغلط علم أن المعتمد أصل الحديث لا خصوص هذه الطريق، وإن لم يوجد إلا من طريقه فهذا قادح يوجب التوقف فيما هذا سبيله، وليس في الصحيح بحمد الله من ذلك شيء، وحيث يوصف بقلة الغلط كما يقال: سيء الحفظ، أو له أوهام، أو له مناكير، وغير ذلك من العبارات: فالحكم فيه كالحكم في الذي قبله، إلا أن الرواية عن هؤلاء في المتابعات أكثر منها عند المصنف من الرواية عن أولئك»

 (هدي الساري ص381).

ولهذا يرى الحافظ ابن حجر أن يكون تعريف الحديث الصحيح على هذا النحو: « هو الحديث الذي يتصل إسناده بنقل العدل التام الضبط أو القاصر عنه إذا اعتضد عن مثله إلى منتهاه ولا يكون شإذا ولا معللاً. وإنما قلت ذلك لأنني اعتبرت كثيراً من أحاديث الصحيحين فوجدتها لا يتم عليها الحكم بالصحة إلا بذلك - يعني بتعدد الطرق »

 (النكت على ابن الصلاح1/86).

الشبهة:

يزعم بعض الشيعة أن وجود رواة ضعفاء في صحيح البخاري وصحيح مسلم يضعف صحة الأحاديث، ويكشف عن عدم التثبت والجهل لدى البخاري ومسلم، وإنهما اعتمدا على روايات غير موثوقة، ما يُفقد كتابيهما القيمة العلمية والشرعية.

الرد على الشبهة

هذه الشبهة باطلة علميًا وتاريخيًا، ويكذبها ما يلي:

أولًا: تفسير ابن الصلاح

قال ابن الصلاح:

«عاب عائبون مسلمًا بروايته في صحيحه عن جماعة من الضعفاء أو المتوسطين الواقعين في الطبقة الثانية… والجواب أن ذلك لأحد أسباب لا معاب عليه معها: إما أن يكون ضعيف عند غيره ثقة عنده، أو في المتابعات والشواهد لا في الأصول، أو أن ضعف الرواة طرأ بعد أخذ الحديث»

(صيانة صحيح مسلم ص96)

وهذا يبين أن وجود ضعفاء في المتابعات لا يضر أصل الحديث، وإنما لتقوية الدليل أو التتبع، وهو أمر طبيعي في علم الحديث.

ثانيًا: شهادة الحافظ الحازمي

قال الحازمي:

«أما إيداع البخاري ومسلم كتابيهما حديث نفر نسبوا إلى نوع من الضعف، فظاهر، غير إنه لم يبلغ ضعفهم حداً يرد به حديثهم»

(شروط الأئمة الخمسة ص69)

أي أن الإمامان لم يخرجوا إلا أحاديث قابلة للقبول، حتى لو احتوت على ضعفاء في المتابعات.

ثالثًا: بيان الحافظ الذهبي

قال الذهبي:

«فما في الكتابين بحمد الله رجل احتج به البخاري أو مسلم في الأصول ورواياته ضعيفة، بل حسنة أو صحيحة»

(الموقظة ص79)

وهذا يوضح أن أي ضعفاء في الشواهد لا يضرون أصل الحديث.

رابعًا: تأييد ابن القيم

قال ابن القيم:

«ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه لإنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يعلم إنه حفظه…»

(زاد المعاد 1/364)

أي أن عملية الانتقاء العلمية تضمن صحة الحديث، حتى إذا ورد فيه راوٍ ضعيف في بعض الطرق.

خامسًا: شهادة ابن حجر

قال ابن حجر:

«أما الغلط فتارة يكثر في الراوي وتارة يقل… وليس في الصحيح بحمد الله من ذلك شيء… وإنما قلت أن كثير الأحاديث يحتاج تعدد الطرق»

(هدي الساري ص381، النكت على ابن الصلاح 1/86)

ويؤكد أن تعريف الحديث الصحيح يشمل اتصال الإسناد بالعدل والضبط، حتى مع اختلاف طرق الرواة، وهذا يكشف خطأ مزاعم الشيعة بأن الضعفاء يضعفون الصحيح.