سؤال وجواب حول عقيدة التعطيل والقول بخلق القرآن رؤية الله عند الشيعة
تُعدّ قضايا الأسماء والصفات، والكلام الإلهي، ورؤية الله يوم القيامة من أعظم أبواب الاعتقاد وأدقها أثرًا في منهج التوحيد. وقد نشأ في التاريخ الإسلامي جدل واسع بين المدارس الكلامية حول كيفية إثبات الصفات الإلهية، وهل يُصار إلى ظاهر النصوص أم إلى تأويلها؟ وهل القرآن كلام الله غير مخلوق أم مخلوق؟ وهل يرى المؤمنون ربهم يوم القيامة رؤية حقيقية؟
وكان للمدرسة الشيعية الإمامية حضور في هذا الجدل، خاصة بعد تأثر بعض علمائها بعلم الكلام المعتزلي في القرون المتقدمة. ويهدف هذا المقال إلى عرض هذه القضايا الثلاث في صيغة سؤال وجواب، مع بيان ما نُسب إلى بعض علماء الشيعة، وما استقر عليه المذهب في مراحله المتأخرة، ومقارنة ذلك بطريقة أهل السنة في الإثبات والتنزيه.
|
السؤال: |
|
س61: ما عقيدة شيوخ الشيعة في التعطيل؟ |
|
الجواب: |
|
بعد أن غلا شيوخ الشيعة في إثباتهم لصفات الله تعالى، حتّى قال بعضهم بالقول بوحدة الوجود!. بدأ التغيُّر في المذهب الشيعي في أواخر المائة الثالثة، حيث تأثر شيوخهم بأئمة المعتزلة القائلين: بتعطيل الله تعالى من صفاته الثابتة له في الكتاب والسنة، وقد صرّح علاّمتهم ابن المطهر بذلك فقال: (بأنّ مذهبنا الشيعي في الأسماء والصفات كمذهب المعتزلة)[1]. |
التعليق:
الله سبحانه بعث رسله عليهم السلام في صفاته بإثبات مُفَصَّل، ونفي مُجمل، ولهذا يأتي الإثبات للصفات في كتاب الله تعالى مفصلاً، والنفي مجملاً، قال الله تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:11] فالنفي جاء مجملاً، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
وهذه طريقة القرآن الكريم في النفي غالباً، وأما في الإثبات فيأتي التفصيل: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وكآخر سورة الحشر، وشواهد كثيرة.. الخ.
♦♦♦♦♦
|
السؤال: |
|
س62: ما عقيدة شيوخ الشيعة في القول بخلق القرآن؟ |
|
الجواب: |
|
لقد حذا شيوخ الشيعة حذو الجهمية[2]، والمعتزلة[3] في القول بخلق القرآن، وقد عقد شيخ الشيعة في زمإنه المجلسي[4] في كتاب القرآن: (باب أن القرآن مخلوق). ويؤكد آية الشيعة محسن الأمين بقوله: (قالت الشيعة والمعتزلة: القرآن مخلوق)[5]. وهذا بناءاً على إنكار شيوخ الشيعة لصفة الكلام لله تعالى -تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً-. القاصمة: سُئل إمامهم الرضا عن القرآن فقال: (إنه كلام الله غير مخلوق)[6]. |
♦♦♦♦♦
|
السؤال: |
|
س63: ما عقيدة شيوخ الشيعة في رؤية المؤمنين لربهم سبحانه يوم القيامة، وبماذا حكموا على من قال برؤية المؤمنين لربهم سبحانه يوم القيامة؟ |
|
الجواب: |
|
روى شيوخهم أن أبا عبد الله جعفر الصادق سُئل: هل يُرى الله تبارك وتعالى في المعاد؟ فقال: (سبحان الله وتعالى عن ذلك علواً كبيراً،.. أن الأبصار لا تدرك إلا ماله لونّ وكيفيةٌ، والله خالقُ الألوان والكيفية)[7]. وجعل شيخهم الحر العاملي نفي الرؤية من أصول أئمتهم[8]. وحكم شيخهم: جعفر النجفي بارتداد من نسب إلى الله بعض الصفات، كالرؤية وغيرها[9]. |
التعليق:
هذه الرواية تتضمن نفي الوجود الحق؛ لأنّ ما لا كيفية له مطلقاً لا وجود له. وهذا يُناقض أيضاً ما رواه شيخهم الكليني عن أبي عبد الله رضي الله عنه إنه قال: (ولكن لا بدّ من إثبات أن له كيفية، لا يستحقها غيرُه، ولا يشارك فيها، ولا يُحاطُ بها، ولا يعلمها غيره)[10].
قاصمة ظهور شيوخ الشيعة: قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:22-23] وقال تعالى في الكفار ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:15]. وعن أبي بصير قال: قلت: لأبي عبد الله عليه السلام: (أخبرني عن الله عزَّ وجلَّ، هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟ قال: نعم)[11].
♦♦♦♦♦
[1] تهج المسترشدين، (ص:32)، للحسن بن يوسف بن المطهر الحلي، المتوفى سنة (726)، وانظر: عقائد الإمامية الاثني عشرية لآية الله إبراهيم الموسوي الزنجاني، (ص:28)، وقد وصفه شيخهم الخوئي في تقريظه للكتاب بأنه: (ركن الإسلام عماد العلماء)
[2] الجهمية: أتباع الجهم بن صفوان، من ضلالته: القول بنفي الصفات وبدع أخرى، كقول بالإرجاء، والجبر، وفناء الجنة والنار.. انظر: التنبيه والرد للملطي، (ص:218..).
[3] قال عبد الجبار المعتزلي في شرح الأصول الخمسة: (وأما مذهبنا في ذلك (أي في القرآن) فهو: أن القرآن كلام الله تعالى ووحيه، وهو مخلوق محدث، شرح الأصول الخمسة، (ص:528).
[4] بحار الأنوار (92/117-121).
[5] أعيان الشيعة (1/461).
[6] تفسير العياشي (1/8).
[7] بحار الأنوار (4/31).
[8] الفصول المهمة في أصول الأئمة للحر العاملي، (ص:12).
[9] كشف الغطا، (ص:417)، وانظر: أعيان الشيعة لمحسن الأمين (1/463)، وعقائد الإمامية للمظفر، (ص:59).
[10] أصول الكافي (1/85).
[11] التوحيد لابن بابويه القمي، (ص:117)، بحار الأنوار (4/44).