الزعم أن الإمام مسلما كان يروي عن الضعفاء والمتروكين[1]
دعوى رواية الإمام مسلم عن الضعفاء والمتروكين والرد عليها في ميزان الجرح والتعديل
تُعدُّ السنة النبوية المصدرَ الثاني للتشريع الإسلامي، وقد تكفّل الله تعالى بحفظها كما حفظ كتابه، وكان من أعظم مظاهر هذا الحفظ ما أقامه أهل الحديث من مناهج دقيقة في نقد الروايات وتمييز صحيحها من سقيمها. وعلى رأس هذه الجهود يأتي صحيحا البخاري ومسلم، اللذان تلقتهما الأمة بالقبول، وأجمع أهل العلم على أنهما أصح الكتب بعد كتاب الله عز وجل.
غير أن الفرق الضالة وأهل الأهواء لم يكفّوا يومًا عن محاولة الطعن في السنة النبوية، وكان من جملة شبهاتهم الزعمُ بأن الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله لم يتحرَّ الدقة في انتقاء رجاله، وأنه روى عن الضعفاء والمتروكين، مستدلين ببعض الأسماء التي تكلّم فيها بعض النقاد، وعلى رأسها سعد بن سعيد الأنصاري.
وهذه الدعوى في حقيقتها ليست إلا محاولة للطعن في أحد أعمدة الإسلام الحديثية، وتشكيكًا متعمدًا في أصح كتاب بعد كتاب الله، تمهيدًا لهدم السنة من أصلها. وهي دعوى قائمة على الجهل بمناهج المحدثين، أو على التدليس المتعمد في عرض أقوال الأئمة، وخلطٍ بين مراتب الجرح، وعدم التفريق بين الضعف المطلق، والضعف النسبي، وبين الرواية في الأصول والرواية في الشواهد والمتابعات.
ويهدف هذا المقال إلى تفنيد هذه الشبهة تفنيدًا علميًا دقيقًا، ببيان منهج الإمام مسلم في التخريج، وكلام الأئمة في ذلك، وتحرير حال سعد بن سعيد الأنصاري تحريرًا نقديًا، مع إظهار أن الإمام مسلم بريء من الرواية عن الضعفاء والمتروكين، وأن ما أُثير حول صحيحه إنما هو تلبيس مفضوح صادر عن فرق ضالة وأهل أهواء لا وزن لكلامهم في ميزان العلم.
مضمون الشبهة:
يطعن بعض المغالطين في الإمام مسلم، زاعمين أنه لم يتحر الدقة في اختيار من روى عنهم.
ويستدلون على ذلك بروايته عن سعد بن سعيد الأنصاري وهو ضعيف، فقد ضعفه الإمام أحمد والنسائي والترمذي، وذكره العقيلي في الضعفاء.
ويرمون من وراء ذلك إلى الطعن في أحد أصح كتابين بعد كتاب الله – سبحانه وتعالى – والتشكيك فيما جاء فيهما من سنة صحيحة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وجها إبطال الشبهة:
1) لم يرو مسلم عن المتروكين – كما يدعي هؤلاء – وإنما روى عن المتوسطين الواقعين في الطبقة الثانية، ولا عيب عليه في ذلك؛ إذ قد يكون الراوي ضعيفا عند غيره ثقة عنده، أو أنه قد روى عنه في الشواهد والمتابعات، دون الأصل، أو يكون ضعف الضعيف قد طرأ عليه بعد أخذ مسلم عنه؛ إذ إن رواية مسلم عن راو توثيق له.
2) جمهور أئمة الجرح والتعديل على توثيق سعد بن سعيد الأنصاري، وأما تضعيف من ضعفه فيحمل على أنه ضعف نسبي ينزل به رتبة عن الثقة، بيد أنه لا يقل عن رتبة حسن الحديث إن لم يكن أحسن حالا من ذلك، أو أنه ضعف لخطئه في بعض الروايات، وليس من شروط الثقة ألا يغلط ولا يخطئ ولا يسهو.
التفصيل:
أولا. لا تثريب على الإمام مسلم في روايته عن المتوسطين الواقعين في الطبقة الثانية:
يجدر بنا أولا أن نشير إلى أن الإمام النووي – رحمه الله – قد رد على هذه الشبهة في مقدمته لشرح صحيح مسلم؛ إذ يقول: “عاب عائبون مسلما بروايته في ” صحيحه ” عن جماعة من الضعفاء والمتوسطين الواقعين في الطبقة الثانية، الذين ليسوا من شرط الصحيح، ولا عيب عليه في ذلك؛ بل جوابه من أوجه:
أحدها: أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده، ولا يقال: الجرح مقدم على التعديل؛ لأن ذلك فيما إذا كان الجرح ثابتا مفسر السبب، وإلا فلا يقبل الجرح إذا لم يكن كذا، وقد قال الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي وغيره: ما احتج البخاري ومسلم وأبو داود به من جماعة علم الطعن فيهم من غيرهم، محمول على أنه لم يثبت الطعن المؤثر مفسرالسبب.
ثانيها: أن يكون ذلك واقعا في المتابعات والشواهد لا في الأصول، وذلك بأن يذكر الحديث أولا بإسناد نظيف رجاله ثقات، ويجعله أصلا، ثم يتبعه بإسناد آخر، أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد بالمتابعة، أو لزيادة فيها تنبيه على فائدة فيما قدمه، وقد اعتذر الحاكم أبو عبد الله بالمتابعة والاستشهاد في إخراجه عن جماعة ليسوا من شرط الصحيح منهم: مطر الوراق، وبقية بن الوليد، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وعبد الله بن عمر العمري، والنعمان بن راشد، وأخرج مسلم عنهم في الشواهد في أشباه لهم كثيرين.
ثالثها: أن يكون ضعف الضعيف الذي احتج به طرأ بعد أخذه عنه باختلاط حدث عليه، فهو غير قادح فيما رواه من قبل في زمن استقامته، كما في أحمد بن عبد الرحمن بن وهب بن أخي عبد الله بن وهب، فذكر الحاكم أبو عبد الله أنه اختلط بعد الخمسين ومائتين بعد خروج مسلم من “مصر” فهو في ذلك كسعيد بن أبي عروبة، وعبد الرزاق، وغيرهما ممن اختلط آخرا، ولم يمنع ذلك من صحة الاحتجاج في الصحيحين بما أخذ عنهم قبل ذلك.
رابعها: أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده، وهو عنده من رواية الثقات نازل، فيقتصر على العالي، ولا يطول بإضافة النازل إليه مكتفيا بمعرفة أهل الشأن في ذلك، وهذا العذر قد رويناه عنه تنصيصا، وهو خلاف حاله فيما رواه عنه الثقات أولا، ثم أتبعه بمن دونهم متابعة، وكأن ذلك وقع منه على حسب حضور باعث النشاط وغيبته. روينا عن سعيد بن عمرو البرذعي أنه حضر أبا زرعة الرازي، وذكر “صحيح مسلم”، وإنكار أبي زرعة عليه روايته فيه عن أسباط بن نصر، وقطن بن نسير، وأحمد بن عيسى المصري، وأنه قال أيضا: يطرق لأهل البدع علينا، فيجدون السبيل بأن يقولوا إذا احتج عليهم بحديث: ليس هذا في الصحيح.
قال سعيد بن عمرو: فلما رجعت إلى “نيسابور” ذكرت لمسلم إنكار أبي زرعة فقال لي مسلم: إنما قلت: صحيح، وإنما أدخلت من حديث أسباط وقطن وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم إلا أنه ربما وقع إلي عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية أوثق منهم بنزول، فأقتصر على ذلك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات.
قال سعيد: وقدم مسلم بعد ذلك “الري”، فبلغني أنه خرج إلى أبي عبد الله محمد بن مسلم بن وادة، فجفاه وعاتبه على هذا الكتاب، وقال له نحوا مما قاله لي أبو زرعة: إن هذا يطرق لأهل البدع، فاعتذر مسلم وقال: إنما أخرجت هذا الكتاب، وقلت: هو صحاح، ولم أقل: إن ما لم أخرجه من الحديث في هذا الكتاب ضعيف، وإنما أخرجت هذا الحديث من الصحيح ليكون مجموعا عندي، وعند من يكتبه عني، ولا يرتاب في صحته، فقبل عذره وحمده.
قال الشيخ: وقد قدمنا عن مسلم أنه قال: عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي، فكل ما أشار أن له علة تركته، وكل ما قال: إنه صحيح، وليست له علة، فهو هذا الذي أخرجته.
قال الشيخ: فهذا مقام وعر، وقد مهدته بواضح من القول لم أره مجتمعا في مؤلف، ولله الحمد.
وفيما ذكرته دليل على من حكم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه في صحيحه بأنه من شرط الصحيح عند مسلم، فقد غفل وأخطأ، بل يتوقف ذلك على النظر في أنه كيف روى عنه على ما بيناه من انقسام ذلك، والله أعلم”[1].
يقول ابن رجب – رحمه الله -: “وأما مسلم فلا يخرج إلا حديث الثقة الضابط، ومن في حفظه بعض شيء، وتكلم فيه لحفظه لكنه يتحرى في التخريج عنه، ولا يخرج عنه إلا ما لا يقال: إنه مما وهم فيه”[2].
ومن خلال ما ذكرناه يتأكد أن مسلما لم يرو عن المتروكين كما ادعى هؤلاء، وإن كان قد روى عن المتوسطين الواقعين في الدرجة الثانية فإنه لا عيب عليه في ذلك؛ لأنه كان يتحرى في التخريج عنهم.
ثانيا. توثيق أئمة الجرح والتعديل لسعد بن سعيد بن قيس، وتوجيه كلام من ضعفه:
ليس خافيا على ذي عينين ما لصحيح البخاري ومسلم من مكانة ومنزلة عظيمة عند أهل السنة والحديث، فقد تلقتهما الأمة بالقبول، وحصل لهما من الإجماع ما لم يحصل لغيرهما من كتب الحديث.
وقد أطبق المتقدمون والمتأخرون على أن للإمامين الجليلين، البخاري ومسلم، دراية واسعة في ميدان نقد الروايات والأحاديث، ومعرفة تامة بعلل الحديث وأحوال الرجال، وأنهما قد وضعا في صحيحهما شروطا خاصة وعالية في ضبط المتون وانتقاء رجال الأسانيد.
وأما ما قيل عن الإمام مسلم أنه روى عن الضعفاء والمتوسطين الواقعين في الطبقة الثانية الذين ليسوا من شرط الصحيح، فجوابه أنه لا عيب عليه في ذلك لما مر آنفا من وجوه ردت على ذلك.
إذا استوعبنا ما مضى علمنا لماذا ضعف سعد بن سعيد الأنصاري؛ إذ لم يعتمد من ضعفه على سبب يفسر هذا الضعف، لاسيما وهو ثقة عند كثير من الأئمة؛ فضلا عن أنه ثقة عند الإمام مسلم، وناهيك به دقة وتحريا لمن يروي عنهم، على عكس ما ادعاه هؤلاء.
__________________________
[1] شرح صحيح مسلم، النووي، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط2، 1422هـ/ 2001م، (1/131).
[2] شرح علل الترمذي، ابن رجب، تحقيق: د. نور الدين عتر، دار الرشد، الرياض، ط4، 1426هـ/ 2005م، (2/613).
[1] مكانة الصحيحين والدفاع عن صحيح مسلم، د. أبو عمر عبد العزيز العتيبي الأثري، شركة غراس، الكويت، ط1، 1427هـ/2007م.