شبهة الرواية بالمعنى عند أهل السنة والرد عليها في ضوء أقوال الأئمة وإلزام الرافضة بها
يثير بعض الرافضة شبهة قديمة متجددة، يطعنون بها في منهج أهل السنة والجماعة في نقل الحديث النبوي، زاعمين أن إجازة الرواية بالمعنى تفتح باب التحريف والتبديل في كلام النبي ﷺ. ويُصوَّر هذا الاعتراض على أنه نقص في ضبط السنة، أو تساهل في حفظ ألفاظها، تمهيدًا للتشكيك في حجيتها، ثم الطعن في مجمل التراث الحديثي عند أهل السنة.
غير أن هذا الاعتراض مبني على جهلٍ ظاهر بمناهج المحدثين، أو تعمّدٍ في تجاهل الضوابط المحكمة التي قررها أئمة الحديث والأصول، والتي تجعل الرواية بالمعنى مقيدة بقيود دقيقة، تمنع الإخلال بالمعنى الشرعي، أو تحريف مراد النبي ﷺ. بل إن العمل بالرواية بالمعنى قد ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم، وأُقرَّ من كبار أئمة السلف والخلف، مع اتفاقهم على منعها عمّن لا يملك أدواتها.
والأعجب من ذلك أن هذا الاعتراض يصدر عن فرقة ضالة تجيز الرواية بالمعنى في مصادرها المعتمدة، بل تنص على ذلك صراحة في كتبها الحديثية والأصولية، مما يجعل اعتراضهم على أهل السنة اعتراضًا باطلًا متناقضًا، يرد عليهم من كتبهم قبل كتب غيرهم.
ويهدف هذا المقال إلى بيان حكم الرواية بالمعنى عند أهل السنة، وضوابطها الشرعية، ونقل أقوال الأئمة فيها، ثم إلزام الرافضة بما في كتبهم، وبيان أن هذه الشبهة لا تصلح للطعن في السنة، بل تنقلب حجة على مثيريها.
◘ الشبهة:
يدّعي الرافضة أن أهل السنة يجيزون الرواية بالمعنى، وأن ذلك يؤدي إلى تغيير كلام النبي ﷺ وتحريف السنة.
يعترض بعض الرافضة على أهل السنة لأنهم يجيزون رواية الحديث النبوي الشريف بالمعنى.
أقول:
إن هذا الاعتراض باطل، وضعيف، ولا يصح، وذلك لان رواية الحديث بالمعنى تحت ضوابط، وقواعد تجعل الراوي لا يغير معنى كلام النبي صلى الله عليه واله وسلم لا حرج فيه، وقد ورد هذا على لسان ائمة أهل السنة.
قال الإمام الخطيب:
" أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدَّلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أحمد بْنِ الْحَسَنِ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحمد بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، ح وَأَخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ النَّاقِدُ، أنا أحمد بْنُ جَعْفَرٍ، ثنا جَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ، ثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثنا مَعْنٌ، ح وَأَخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ، أنا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثنا أبو خَيْثَمَةَ، ثنا مَعَنُ بْنُ عِيسَى، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، قَالَ: " إذا حَدَّثْنَاكُمْ - وَقَالَ قُتَيْبَةُ: إذا جِئْنَاكُمْ - بِالْحَدِيثِ عَلَى مَعْنَاهُ فَحَسْبُكُمْ.............. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَرْبِيُّ، ثنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْأَشْعَثِ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، ثنا كَثِيرُ بْنُ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، ثنا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أبي نَضْرَةَ، عَنْ أبي سَعِيدٍ، قَالَ: «كُنَّا نَجْلِسُ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَسَى أن نَكُونَ عَشْرَةَ نَفَرٍ نَسْمَعُ الْحَدِيثَ، فَمَا مِنَّا اثْنَانِ يُؤَدِّيَإنه عَلَى حَرْفٍ، غَيْرَ أن الْمَعْنَى وَأحد»
أَخْبَرَنَا أبو الْقَاسِمِ الْأَزْهَرِيُّ، ثنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، ثنا أحمد بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمٍ، ثنا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ جَدِّهِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: يَا بُنَيَّ: «إنه يَبْلُغُنِي أَنَّكَ تَكْتُبُ عَنِّي الْحَدِيثَ ثُمَّ تَعُودُ فَتَكْتُبُهُ» فَقُلْتُ لَهَا: أَسْمَعُهُ مِنْكِ عَلَى شَيْءٍ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَسْمَعُهُ عَلَى غَيْرِهِ، فَقَالَتْ: هَلْ تَسْمَعُ فِي الْمَعْنَى خِلَافًا؟ قُلْتُ: لَا، قَالَتْ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ " الكفاية في علم الرواية - بَابُ ذِكْرِ مَنْ كان يَذْهَبُ إلى إِجَازَةِ الرِّوَايَةِ عَلَى الْمَعْنَى مِنَ السَّلَفِ، وَسِيَاقِ بَعْضِ أَخْبَارِهِمْ فِي ذَلِكَ – ص 204 - 205
والاثار في اجازة الحديث بالمعنى كثيرة جدا، فأكتفي بهذا القدر، ومن شاء فليرجع إلى كتاب الكفاية لابي بكر الخطيب، وغيره من كتب علم الحديث.
ولقد ذكر العلماء ضوابط الحديث بالمعنى، قال الإمام النووي:
" فصل إذا أراد رواية الحديث بالمعنى فان لم يكن خبيرا بالألفاظ ومقاصدها عالما بما يحيل معانيها لم يجز له الرواية بالمعنى بلا خلاف بين أهل العلم بل يتعين اللفظ وان كان عالما بذلك فقالت طائفة من أصحاب الحديث والفقه والأصول لا يجوز مطلقا وجوزه بعضهم في غير حديث النبى صلى الله عليه وسلم ولم يجوزه فيه وقال جمهور السلف والخلف من الطوائف المذكورة يجوز في الجميع إذا جزم بإنه أدى المعنى وهذا هو الصواب الذي تقتضيه أحوال الصحابة فمن بعدهم رضى الله عنهم في روايتهم القضية الواحدة بألفاظ مختلفة ثم هذا في الذي يسمعه في غير المصنفات أما المصنفات فلا يجوز تغييرها بالمعنى إذا وقع في الرواية "
شرح صحيح مسلم – يحيى بن شرف النووي - ج 1 ص 36
وقال الإمام ابن قدامة:
" فصل: [في حكم رواية الحديث بالمعنى]
وتجوز رواية الحديث بالمعنى للعالم المفرق بين المحتمل وغير المحتمل والظاهر والأظهر، والعام والأعم عند الجمهور.
فيبدل لفظًا مكان لفظ فيما لا يختلف الناس فيه: كالألفاظ المترادفة.
مثل: القعود والجلوس، والصب والإراقة، والحظر والتحريم، والمعرفة والعلم، وسائر ما لا يشك فيه، ولا يتطرق إليه الاستنباط والفهم.
ولا يجوز إلا فيما فهمه قطعًا، دون ما فهمه بنوع استنباط، واستدلال يُختلف فيه.
ولا يجوز -أيضًا- للجاهل بمواقع الخطاب، ودقائق الألفاظ " روضة الناظر وجنة المناظر - أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي – ج 1 ص 360 – 361
ولقد ورد في كتب الرافضة جواز رواية الحديث بالمعنى، قال الكليني: " مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنِ ابْنِ أبي عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) أَسْمَعُ الْحَدِيثَ مِنْكَ فَأَزِيدُ وأَنْقُصُ قَالَ أن كُنْتَ تُرِيدُ مَعَانِيَهُ فَلَا بَأْسَ "
الكافي – الكليني - ج 1 ص 51، وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – صحيح – ج 1 ص 174
وقال أحد علماء الرافضة وهو جمال الدين بن الشهيد الثاني:
" أصل يجوز نقل الحديث بالمعنى بشرط أن يكون الناقل عارفا بمواقع الألفاظ وعدم قصور الترجمة عن الأصل في إفادة المعنى ومساواتها له في الجلاء والخفاء. ولم نقف على مخالف في ذلك من الأصحاب. نعم لبعض أهل الخلاف فيه خلاف وليس له دليل يعتد به.
وحجتنا على الجواز وجوه:
منها: ما رواه الكليني في الصحيح عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد الله، عليه السلام: أسمع الحديث منك، فأزيد وأنقص.
قال: أن كنت تريد معانيه فلا بأس.
ومنها: أن الله سبحانه قص القصة الوأحدة بألفاظ مختلفة.
ومن المعلوم: أن تلك القصة وقعت إما بغير العربية، أو بعبارة وأحدة.
منها. وذلك دليل على جواز نسبة المعنى إلى القائل وإن تغاير اللفظ "
معالم الدين وملاذ المجتهدين – جمال الدين الحسن ابن الشهيد الثاني - ص 212 – 213