فهم كلام ابن حجر في النصب والرفض ومنهج المحدثين في الصدق والكذب والديانة
يُعدّ كلام أئمة الحديث من أدقّ العلوم الشرعية، وأبعدها عن الإطلاقات العاطفية أو الأحكام العامة، إذ يقوم على التمييز بين المعتقد، والسلوك، والضبط، والصدق في الرواية. غير أن هذا المنهج الدقيق كثيرًا ما يتعرض للتحريف والاقتطاع، خاصة عند من يوظّف نصوص الأئمة لخدمة أهواء مذهبية أو للطعن في أهل السنة ومنهجهم في الجرح والتعديل.
ومن أبرز هذه النصوص ما قاله الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في تهذيب التهذيب عند حديثه عن النصب والرفض، حيث قرر أن أكثر من وُصف بالنصب كان مشهورًا بصدق اللهجة والتمسك بأمور الديانة، بخلاف من وُصف بالرفض، فإن غالبهم لا يتورع في الإخبار. وقد استُغِل هذا الكلام إما لبتره عن سياقه، أو لفهمه فهمًا مغلوطًا يوهم التعارض مع الأحاديث الواردة في فضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
والحقيقة أن كلام ابن حجر رحمه الله لا يتضمن مدحًا للنصب من حيث هو انحراف عقدي، ولا انتقاصًا من علي رضي الله عنه، وإنما هو تقرير لواقع تاريخي وسلوكي مرتبط بمنهج الرواية والصدق، مع بيان الأسباب التي دفعت بعض الفرق إلى الصدق أو الكذب في النقل، دون إقرار لعقائدهم أو تبرير لانحرافهم.
ويهدف هذا المقال إلى بيان كلام ابن حجر كاملًا غير مبتور، وشرح مقصوده شرحًا علميًا، وبيان الفرق بين النواصب من الخوارج وبين الروافض، مع كشف الإلزام العقدي الذي يترتب على أصول كل فرقة، وبيان عدل أهل السنة في الحكم على المخالفين دون هوى أو تعصب.
فأكثر من يوصف بالنصب يكون مشهورا بصدق اللهجة والتمسك بأمور الديانة
قال ابن حجر رحمه الله:
فأكثر من يوصف بالنصب يكون مشهورا بصدق اللهجة والتمسك بأمور الديانة.
تهذيب التهذيب
الجواب:
كلام الإمام ابن حجر رحمه الله كامل:
وقد كنت استشكل توثيقهم الناصبي غاليا وتوهينهم الشيعة مطلقا ولا سيما أن عليا ورد في حقه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلى منافق ثم ظهر لي في الجواب عن ذلك أن البغض ها هنا مقيد بسبب وهو كونه نصر النبي صلى الله عليه وسلم لأن من الطبع البشري بغض من وقعت منه إساءة في حق المبغض والحب بعكسه وذلك ما يرجع إلى أمور الدنيا غالبا والخبر في حب علي وبغضه ليس على العموم فقد أحبه من أفرط فيه حتى ادعى إنه نبي أو إنه إله تعالى الله عن إفكهم والذي ورد في حق علي من ذلك قد ورد مثله في حق الأنصار وأجاب عنه العلماء أن بغضهم لأجل النصر كان ذلك علامة نفاقه وبالعكس فكذا يقال في حق علي وأيضًا فأكثر من يوصف بالنصب يكون مشهورا بصدق اللهجة والتمسك بأمور الديانة بخلاف من يوصف بالرفض فإن غالبهم كاذب ولا يتورع في الإخبار والأصل فيه أن الناصبة اعتقدوا أن عليا رضي الله عنه قتل عثمان أو كان أعان عليه فكان بغضهم له ديانة بزعمهم ثم انضاف إلى ذلك أن منهم من قتلت أقاربه في حروب علي
تهذيب التهذيب ج 8 ص 458
وقوله أكثر من يوصف بالنصب يكون مشهورا بصدق اللهجة والتمسك بأمور الديانة.
هذا محمول على الخوارج النواصب الذين قاتلو الإمام علي في النهروان، فانهم حقّ كانوا اصدق لهجه، والسبب في ذلك: لأنهم كانوا يرون أن الكذب مخرج من الملة فكانوا يتورعون في الكذب وفي باقي الذنوب، يرون أن من يذنب فإنه خارج من الدين ويوم القيامة كافر مخلد في نار جهنم إلى ابد الابدين، بعكس الروافض الذين من اصول دينهم الكذب.
الشبهة:
يستدل بعض الروافض أو المتعاطفين معهم بكلام ابن حجر رحمه الله: «فأكثر من يوصف بالنصب يكون مشهورًا بصدق اللهجة والتمسك بأمور الديانة» للطعن في أهل السنة، بزعم أنهم يفضلون النواصب على محبي علي رضي الله عنه، أو أنهم يناقضون حديث: «لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق».
الجواب والإلزام:
هذا الاستدلال باطل من وجوه:
1- أن ابن حجر رحمه الله نقل الكلام في سياقه الكامل، وبيّن أن البغض المذكور في الحديث مقيد ببغض علي رضي الله عنه لأجل نصرته للدين، لا لأسباب دنيوية أو اجتهادية.
2- أن النصب الذي وُصف بالصدق هنا هو في الغالب نصب الخوارج، الذين كانوا يرون الكذب كفرًا مخرجًا من الملة، فاشتهروا بالصدق والتورع، مع ضلالهم في الاعتقاد.
3- أن وصف الصدق لا يعني صحة المعتقد، كما أن الحكم بالكذب على الروافض لم يكن تشهيًا، بل لكون الكذب أصلًا مقررًا في مذهبهم، حيث جوّزوا الكذب نصرةً للدين بزعمهم.
4- الإلزام الواقع على الروافض أن أصولهم العقدية تبيح الكذب، فيسقط الاحتجاج برواياتهم ابتداءً، بخلاف الخوارج الذين كان الكذب عندهم من أعظم الذنوب.
وبذلك يتبين أن كلام ابن حجر حجة على الروافض لا لهم، وأنه تقرير علمي لا مدح فيه لانحراف ولا طعن في صاحب فضل.