لا يزال أتباع الفرقة الرافضية يثيرون الشبهات حول السنّة النبوية الصحيحة، محاولين التشكيك في ثبوتها أو إظهارها بمظهر التناقض، اعتمادًا على روايات موضوعة أو فهمٍ سقيمٍ للنصوص التاريخية والشرعية. ومن جملة هذه الشبهات دعواهم وجود إشكال في حديث صيام عاشوراء، بزعم أن النبي ﷺ قدم المدينة في شهر ربيع الأول، بينما عاشوراء يكون في شهر المحرم، فكيف يقال إنه وجد اليهود يصومون عاشوراء عند قدومه؟

وهذه الشبهة في حقيقتها ليست إلا تكرارًا لأسلوب الرافضة المعروف في بتر النصوص، وإهمال أقوال أهل العلم، ومخالفة قواعد اللغة والتاريخ، فضلًا عن تجاهلهم لكلام كبار أئمة الإسلام الذين أجابوا عن هذا الإشكال منذ قرون، جوابًا علميًا رصينًا لا يدع مجالًا للشك أو الريب.

وفي هذا المقال نبيّن بوضوح بطلان هذه الشبهة، من خلال نقل كلام الأئمة المحققين كابن القيم وابن حجر رحمهما الله، مع توضيح الوجهين الصحيحين للجمع بين النصوص، مما يفضح زيف دعاوى الرافضة، ويؤكد أن شبهاتهم إنما تقوم على الجهل أو التدليس المتعمد، لا على البحث العلمي ولا على منهج أهل السنة والجماعة.

شبهة:

 أتى النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة في شهر ربيع الاول، وعاشوراء في محرم، فكيف يقال إنه قدم المدينة فوجد اليهود يصومون عاشوراء؟

الجواب من وجهين:

الاول: أن يكون المقصود بإنه اول ما أتى المدينة يعني في السنين الاولى، ففي السنة الثانية من مجيئة رآهم .

الثاني: أن يكون حساب اليهود على الاشهر الشمسية لا الهلاليه، بالاشهر الشمسية يوم عاشوراء يكون غير ثابت احياناً يقع في ربيع الاول .

قال ابن القيم رحمه الله:

وَقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ النَّاسِ هَذَا وَقَالَ: إِنَّمَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَكَيْفَ يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنه قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ؟

أَمَّا الْإِشْكَالُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ إنه لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَجَدَهُمْ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَلَيْسَ فِيهِ أن يَوْمَ قُدُومِهِ وَجَدَهُمْ يَصُومُونَهُ، فَإنه إِنَّمَا قَدِمَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ ثَانِي عَشْرَةَ، وَلَكِنَّ أَوَّلَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ بِوُقُوعِ الْقِصَّةِ فِي الْعَامِ الثَّانِي الَّذِي كان بَعْدَ قُدُومِهِ الْمُدِينَةَ، وَلَمْ يَكُنْ وَهُوَ بِمَكَّةَ هَذَا، أن كان حِسَابُ أهل الْكِتَابِ فِي صَوْمِهِ بِالْأَشْهُرِ الْهِلَالِيَّةِ، وَإِنْ كان بِالشَّمْسِيَّةِ زَالَ الْإِشْكَالُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَيَكُونُ الْيَوْمُ الَّذِي نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى هُوَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ مِنْ أَوَّلِ الْمُحَرَّمِ، فَضَبَطَهُ أهل الْكِتَابِ بِالشُّهُورِ الشَّمْسِيَّةِ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَقْدَمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَصَوْمُ أهل الْكِتَابِ إِنَّمَا هُوَ بِحِسَابِ سَيْرِ الشّمْسِ، وَصَوْمُ الْمُسْلِمِينَ إِنَّمَا هُوَ بِالشَّهْرِ الْهِلَالِيِّ، وَكَذَلِكَ حَجُّهُمْ، وَجَمِيعُ مَا تُعْتَبَرُ لَهُ الْأَشْهُرُ مِنْ وَاجِبٍ أَوْ مُسْتَحَبٍّ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ») .

فَظَهَرَ حُكْمُ هَذِهِ الْأَوْلَوِيَّةِ فِي تَعْظِيمِ هَذَا الْيَوْمِ وَفِي تَعْيِينِهِ، وَهُمْ أَخْطَئُوا تَعْيِينَهُ لِدَوَرَإنه فِي السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، كَمَا أَخْطَأَ النَّصَارَى فِي تَعْيِينِ صَوْمِهِمْ بِأَنْ جَعَلُوهُ فِي فَصْلٍ مِنَ السَّنَةِ تَخْتَلِفُ فِيهِ الْأَشْهُرُ.

زاد المعاد ج 2 ص 60

قال ابن حجر رحمه الله:

وَقَدِ اسْتُشْكِلَ ظَاهر الْخَبَر لَا قتضائه إنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ وَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَإِنَّمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أن الْمُرَادَ أن أَوَّلَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ وَسُؤَالِهِ عَنْهُ كان بَعْدَ أن قَدِمَ الْمَدِينَةَ لَا إنه قَبْلَ أن يَقْدَمَهَا عَلِمَ ذَلِكَ وَغَايَتُهُ أن فِي الْكَلَامِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَأَقَامَ إلى يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ فِيهِ صِيَامًا وَيَحْتَمِلُ أن يَكُونَ أُولَئِكَ الْيَهُودُ كانوا يَحْسِبُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ بِحِسَابِ السِّنِينَ الشَّمْسِيَّةِ فَصَادَفَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ بِحِسَابِهِمُ الْيَوْمَ الَّذِي قَدِمَ فِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَهَذَا التَّأْوِيلُ مِمَّا يَتَرَجَّحُ بِهِ أَوْلَوِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَأَحَقِّيَّتُهُمْ بِمُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِإِضْلَالِهِمُ الْيَوْمَ الْمَذْكُورَ وَهِدَايَةِ اللَّهِ لِلْمُسْلِمِينَ لَهُ

فتح الباري ج 4 ص 247