يستغل بعض الفرق الضالة كالرافضة الأحاديث الضعيفة أو المنقطعة لتضليل المسلمين وإثبات بدعٍ لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أو صحابته الكرام، ومن أبرز هذه الشبه حديث "سبق الكتاب الخفين" المنسوب لعلي رضي الله عنه. وقد تبين لعلماء أهل السنة أن هذا الحديث منقطع ولا يصح نسبته لعلي رضي الله عنه، كما أن آيات القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تدل بوضوح على وجوب غسل الرجلين أو المسح على الخفين وفق أحكام محددة للوضوء.

ويهدف هذا المقال إلى توضيح: حقيقة المسح على الخفين، رفع الشبهة حول "سبق الكتاب الخفين"، وتوضيح الأحكام الصحيحة المستفادة من السنة النبوية الثابتة مع الاعتماد على الأحاديث الصحيحة من أبو داود، البخاري، مسلم، ومسند الإمام أحمد، وبيان مخالفة الروايات الضعيفة لها.

شبهة سَبَقَ الْكِتَابُ الْخُفَّيْنِ

قال الإمام ابن أبي شيبة:

 " حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: سَبَقَ الْكِتَابُ الْخُفَّيْنِ "

المصنف – ابن أبي شيبة – ج 1 ص 169

ان هذا الأثر لا يصح عن علي رضي الله عنه فهو منقطع.

قال الإمام ابن حجر:

" وَأَمَّا مَا أخرجهُ ابْنُ أبي شَيْبَةَ عَنْ حَاتِمِ بْنِ إسْمَاعِيلَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ: "سَبَقَ الْكِتَابُ الْخُفَّيْنِ" فَهُوَ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُدْرِكْ عَلِيًّا "

التلخيص الحبير - أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - ج 1 ص 416

وقال الإمام الصنعاني:

" وَرُوِيَ عَنْ الْهَادَوِيَّةِ وَالْإماميَّةِ وَالْخَوَارِجِ الْقَوْلُ بِعَدَمِ جَوَازِهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إلى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: 6] قَالُوا: فَعَيَّنَتْ الْآيَةُ مُبَاشَرَةَ الرِّجْلَيْنِ بِالْمَاءِ، وَاسْتَدَلُّوا أيضًا بِمَا سَلَفَ فِي بَابِ الْوُضُوءِ مِنْ أحاديث التَّعْلِيمِ، وَكُلُّهَا عَيَّنَتْ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ، قَالُوا: وَالْأحاديث الَّتِي ذَكَرْتُمْ فِي الْمَسْحِ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْمَائِدَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى النَّسْخِ قَوْلُ " عَلِيٍّ " - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: سَبَقَ الْكِتَابُ الْخُفَّيْنِ.

وَقَوْلُ " ابْنِ عَبَّاسٍ ":

 مَا مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الْمَائِدَةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ آيَةَ الْوُضُوءِ نَزَلَتْ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ، وَمَسَحَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ كَمَا عَرَفْت، فَكَيْفَ يَنْسَخُ الْمُتَقَدِّمُ الْمُتَأَخِّرَ. بِإنه لَوْ سَلَّمَ تَأَخُّرَ آيَةِ الْمَائِدَةِ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْمَسْحِ وَالْآيَةِ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ [المائدة: 6] مُطْلَقٌ، وَقَيَّدَتْهُ أحاديث الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ، أَوْ عَامٌّ وَخَصَّصَتْهُ تِلْكَ الْأحاديث.

وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ " عَلِيٍّ " - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَهُوَ حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ، وَكَذَا مَا رُوِيَ عَنْ " ابْنِ عَبَّاسٍ "، مَعَ إنه يُخَالِفُ مَا ثَبَتَ عَنْهُمَا مِنْ الْقَوْلِ بِالْمَسْحِ، وَقَدْ عَارَضَ حَدِيثُهُمَا مَا هُوَ أَصَحُّ مِنْهُمَا، وَهُوَ حَدِيثُ " جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ "، فَإنه لَمَّا رَوَى إنه رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ قِيلَ لَهُ: هَلْ كان ذَلِكَ قَبْلَ الْمَائِدَةِ أَوْ بَعْدَهَا؟ قَالَ: وَهَلْ أَسْلَمْت إلا بَعْدَ الْمَائِدَةِ؟ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ " سبل السلام – محمد بن اسماعيل الصنعاني – ج 1 ص 82

ولقد بينا في الروايات الواردة في المسح على الخفين نقل علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه واله وسلم وقت في المسح على الخفين ثلاثة ايام بلياليهن للمسافر ويوم وليلة للمقيم.

قال الإمام أبو داود:

" حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ حَدَّثَنَا حَفْصٌ - يَعْنِى ابْنَ غِيَاثٍ - عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ عَلِىٍّ - رضى الله عنه - قَالَ لَوْ كان الدِّينُ بِالرَّأْىِ لَكان أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلاَهُ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ.

تحقيق الألباني:

 صحيح " صحيح وضعيف سنن أبي داود – محمد ناصر الدين الألباني – ج 1 ص 240