كشف ضعف الرواية وبطلان الاستدلال بها
تعد الشبهة المتعلقة برواية قول عائشة رضي الله عنها: «لأَنْ أَقْطَعَ رجلي أحب إلي من أن أمسح على الخفين» من أبرز الروايات التي يستشهد بها بعض الرافضة وغيرهم ممن يريدون الطعن في شرعية المسح على الخفين، أو التشكيك في أحكام الوضوء.
وقد اتضح من خلال التحقيق العلمي النقدي الذي أجراه كبار المحدثين، أمثال الإمام ابن حجر العسقلاني والإمام ابن الجوزي والإمام البيهقي، أن هذه الرواية موضوعة أو منقطعة السند، ولا تصح نسبتها إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، بل أوردها بعض الرواة المشكوك في صدقهم كـ محمد بن مهاجر، وأظهر التحقيق أن الوسائط بين الراوي والمحدث ناقصة أو مشكوك فيها.
ويكشف هذا المقال كيف يقوم أصحاب الأهواء بالاستدلال على البدع والأقوال الضعيفة، مستغلين ضعف معرفة العامة في العلوم الحديثية، وكيف أن الاستناد إلى روايات واهية يؤدي إلى إدخال ما ليس من السنة في أحكام المسلمين، مخالفة للمنهج السليم الذي اعتمده الصحابة والسلف الصالح في الوضوء والمسح على الخفين.
الشبهة:
لأن اقطع رجلي أحب الي من أن امسح على الخفين...
وقال الإمام ابن حجر:
" وَأَمَّا مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أبي أُوَيْسٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ إسْمَاعِيلَ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَأَنْ أَقْطَعَ رِجْلِي أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أن أَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَهُوَ بَاطِلٌ عَنْهَا قَالَ ابْنُ حِبَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ كان يَضَعُ الْحَدِيثَ "
التلخيص الحبير - أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - ج 1 ص 416
وقال الإمام ابن الجوزي:" ومن الموضوع على عَائِشَة
1579-رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ الْبَغْدَادِيُّ قال نا إسماعيل بن أُخْتِ مَالِكٍ قَالَ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ دَاؤُدَ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أم الْمُؤْمِنِينَ إنها قَالَتْ لأَنْ أَقْطَعَ رِجْلَيَّ بِالْمُوسَى أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أن أَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ
قال المؤلف:
"هَذَا حديث موضوع وضعه مُحَمَّد بْن مهاجر وقد ذكرنا آنفًا إنه كان يضع الحديث "
العلل المتناهية – أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي – ج 2 ص 464
واما الأثر الذي ذكره الإمام عبد الرزاق في مصنفه:
" 860 - عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أبو بَكْرِ بْنُ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ، إنها قَالَتْ: «لَأَنْ يُقْطَعُ قَدَمِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أن أَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ» "
المصنف - عبد الرزاق بن همام الصنعاني - ج 1 ص 221
فهو منقطع، فلا يصح، والانقطاع بين أبي بكر بن حفص بن عمر، وام المؤمنين عائشة رضي الله عنها،
قال الإمام ابن أبي حاتم: " 477 - أبو بَكْرِ بْنُ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ
956 - سَمِعْتُ أبي يَقُولُ أبو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أبي هُرَيْرَةَ وَلَا مِنْ عَائِشَةَ "
المراسيل – عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي – ج 1 ص 257
واما الأثر الذي اورده البيهقي:
" 2029 - قَالَ الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا بَعْضُ، أَصْحَابِنَا، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، إنها قَالَتْ: «لَأَنْ يُقْطَعَا - تَعْنِي رِجْلَيْهَا - أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أن أَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ» "
معرفة السنن والاثار – أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي – ج 2 ص 116
فهذا الأثر لا يصح، وسبب ذلك ابهام الواسطة بين الإمامين الشافعي وشعبة.