كشف التدليس في دعوى المسح على القدمين

يعتمد رموز الفرقة الرافضية في كثير من أطروحاتهم الفقهية على تحريف دلالات الأحاديث الصحيحة، وبناء استنتاجات بعيدة عن ظاهر النصوص وإجماع الأمة، مع إقحام دعاوى لا دليل عليها، كل ذلك في سبيل تمرير مذهبٍ مخالفٍ لما استقر عليه العمل عند الصحابة والتابعين. ومن أوضح أمثلة هذا المسلك ما فعله جعفر السبحاني في استشهاده بحديث: «ويلٌ للأعقاب من النار»، حيث حاول قلب دلالته الواضحة على وجوب غسل الرجلين إلى دليلٍ مزعومٍ على المسح.

وقد بلغ التدليس في هذا الاستدلال حدًّا عجيبًا؛ إذ زعم أن النبي ﷺ لم يُنكر المسح، وإنما أنكر نجاسة الأعقاب، وافترض وجود أعرابٍ «بوّالين على أعقابهم» بلا نص ولا قرينة، مع أن ألفاظ الحديث الصحيحة في مسلم وغيرها تنص صراحةً على أن الماء لم يصب الأعقاب، وأن النبي ﷺ أمر بإسباغ الوضوء، وهو أمر لا يكون إلا مع الغسل.

وفي هذا المقال نعرض النصوص الصحيحة بتمامها، ونكشف تحريف السبحاني لدلالتها، ونبيّن كيف خالف ظاهر الحديث، وشرح الأئمة، وإجماع السلف، ليتضح للقارئ المنصف أن هذا الاستدلال إنما هو مثال صارخ على الانتقائية والهوى لا على البحث العلمي.

شبهة الاستشهاد بحديث ((ويل للاعقاب من النار )):

لقد استشهد الرافضي جعفر السبحاني بحديث ((ويل للاعقاب من النار )) على المسح، حيث قال: " ما روى عن عبد اللّه بن عمرو في الصحيحين، قال: تخلّف عنّا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: "ويل للاَعقاب من النار" مرتين أو ثلاثاً.

والعجب أن القائلين بالغسل يستدلّون بهذه الرواية عليه، مع انّها على تعيّـن المسح أولى بالدلالة، فإنّها صريحة في أن الصحابة يومذاك كانوا يمسحون، ومن المستحيل جداً أن يخفى عليهم حكم الاَرجل، مع أن الوضوء كان مسألة ابتلائية لهم كل يوم، فهل يصح أن يجهلوا حكم مثل هذا؟!

وأمّا إنكار النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فهو لم ينكر المسح، بل أقرّهم عليه، وإِنّما أنكر عليهم قذارة أعقابهم، ولا غرو فإنّ فيهم أَعراباً حفاة جهلة بوّالين على أعقابهم، ولا سيما في السفر فتوعّدهم بالنار لئلاّ يَدْخُلُوا في الصلاة بتلك الاَعقاب المتنجسة "

الوضوء على ضوء الكتاب والسنة – جعفر السبحاني – ص 27

إن ما قاله هذا الرافضي ليدعو للعجب، فمن أين علم أن استنكار النبي صلى الله عليه واله وسلم كان من أجل وجود نجاسة في اعقاب جميع الموجودين؟، وكيف علم أن فيهم أعرابا بوالين على اعقابهم ؟! .

لقد جاء في لفظ الإمام مسلم:

 " 26 - (241) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، عَنْ أبي يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ إلى الْمَدِينَةِ حَتَّى إذا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ تَعَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْرِ، فَتَوَضَّئُوا وَهُمْ عِجَالٌ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ» "

صحيح مسلم - بَابُ وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ بِكَمَالِهِمَا – ج 1 ص 214

قال العلامة السندي:

 " قَوْله (وَأَعْقَابهمْ تَلُوح)

الْأَعْقَاب جَمْع عَقِب بِفَتْحٍ فَكَسْر هُوَ مُؤَخِّر الْقَدَم وَمَعْنَى تَلُوح إنه يَظْهَر لِلنَّاظِرِ فِيهَا بَيَاض لَمْ يُصِبْهُ الْمَاء مَعَ إِصَابَته سَائِر الْقَدَم "

حاشية السندي على سنن ابن ماجة – محمد بن عبد الهادي السندي – ج 1 ص 400

فهذا الأثر واضح المعنى أن الماء لم يصل لأعقاب الذين مسحوا على ارجلهم، ولهذا السبب قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال ((وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ)) فأمرهم بإسباغ الوضوء، ولقد وردت رواية اخرى عند الإمام ابن خزيمة تبين الحث على غسل بطون الاقدام.

 قال الإمام ابن خزيمة:

" 163 - أَخْبَرَنَا أبو طَاهِرٍ، نَا أبو بَكْرٍ، نَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، نَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ حَيْوَةَ -وَهُوَ ابْنُ شُرَيْحٍ-، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيِّ؛ إنه سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ، وَبُطُونِ الْأَقْدَامِ مِنَ النَّارِ[1]".

 

[1] إسناده صحيح. حم 4: 191 " صحيح ابن خزيمة – تحقيق : د محمد مصطفى الأعظمي – ج 1 ص 121