نشأة التشيع وبداية ظهوره:
تعد هذه الحلقة من برنامج "عقائد الإثنى عشرية عرض ونقد" ركيزة أساسية وفاتحة علمية بالغة الأهمية لمن يريد فهم الجذور التاريخية الحقيقية والمحطات التشريعية والسياسية التي مر بها الفكر الشيعي عبر التاريخ. يستضيف البرنامج الدكتور محمد البراك ليفكك بأسلوبه العلمي والأكاديمي الهادئ الخيوط التشابكية التي أدت إلى ولادة هذا المذهب، مفرقاً بدقة بين مفهومين يخلط بينهما الكثير من الباحثين والعامة، وهما "التشيع السياسي" القائم على نصرة سياسية بحتة لآل البيت، و"التشيع العقدي" الذي استحدث عقائد لم تكن معروفة في صدر الإسلام. وتبحث الحلقة في الظروف المحيطة بفتنة مقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكيف استغلت أطراف خارجية هذه الحادثة لشق صف المسلمين. كما تسلط الضوء بشكل موسع على الدور المحوري الذي لعبته شخصية "عبد الله بن سبأ" اليهودي في وضع اللبنات الأولى للفكر السبئي الغالي، ونقل الولاء لآل البيت من دائرة الحب والنصرة إلى دائرة الغلو والوصية والرجعة، مما يجعل الحلقة مرجعاً تاريخياً مكثفاً يربط النقد العقدي بالتوثيق التاريخي المعمق.
تفريغ الحلقة:
(يبدأ المقطع بـ تتر البرنامج والتعريف بالضيف الدكتور محمد البراك وعنوان الحلقة)
المذيع: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين. مرحباً بكم مشاهدينا الكرام في حلقة جديدة من برنامجكم "عقائد الإثنى عشرية عرض ونقد".
نرحب في مطلع هذه الحلقة بضيفنا الدائم فضيلة الدكتور محمد البراك، عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى. حياكم الله يا دكتور.
د. محمد البراك: حياكم الله وبارك فيكم وفي المشاهدين الكرام.
المذيع: دكتور، في الحلقة الماضية تحدثنا كتمهيد عام، واليوم ندخل في صلب الموضوع ومحور مهم جداً يبحث عنه كل مهتم، وهو "نشأة التشيع وبداية ظهوره". كيف بدأ هذا الأمر؟ وما هي الجذور التاريخية التي نبتت منها هذه الطائفة؟
د. محمد البراك: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. في الحقيقة، الحديث عن نشأة التشيع يحتاج إلى دقة علمية وتفريق حاسم بين مرحلتين. المرحلة الأولى هي ما نسميه "التشيع السياسي"، والمرحلة الثانية هي "التشيع العقدي".
إذا عدنا إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكن هناك شيء اسمه شيعة وسنة، كان المسلمون أمة واحدة، وكتابهم واحد، ونبيهم واحد. حتى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في عهد أبي بكر وعمر، استمرت الأمة على هذا الصفاء.
لكن، بدأت البواكير الأولى في أواخر عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه. حيث ظهرت بوادر الفتنة والخروج على الخليفة. بعد استشهاد عثمان رضي الله عنه المظلوم، وانتقال الخلافة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقع الخلاف السياسي المعروف بينه وبين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه حول آلية القصاص من قتلة عثمان. هنا ظهر مصطلح "شيعة علي" ومصطلح "شيعة معاوية"، وكان المقصود بكلمة "شيعة" في لغة ذلك العصر وفي الاستعمال السياسي هو: الأنصار والأعوان والحزب السياسي.
المذيع: يعني يا دكتور، التشيع في ذلك الوقت لم يكن يحمل أي طابع لعقائد معينة كالعصمة أو الإمامة؟
د. محمد البراك: أحسنت، هذا هو السر المكتوم الذي يجب أن يعلمه الجميع. علي بن أبي طالب رضي الله عنه نفسه، لم يكن يرى لنفسه عصمة، ولا أنه منصوص عليه من السماء بإمامة إلهية، وكان يرى أن أبا بكر وعمر وعثمان هم خلفاء راشدون مهديون. والصحابة الذين كانوا مع علي في جيشه كـ عمار بن ياسر، وسهل بن حنيف، وابن عباس، وغيرهم، كانوا يناصرونه باعتباره الخليفة الشرعي الواجب الطاعة، وليس لأنه إمام معصوم يوحى إليه أو يملك ذرات الكون! هذا هو التشيع السياسي، وهو نصرة سياسية لا تخرج صاحبها عن معتقد أهل السنة والجماعة، بل إن شيعة علي في ذلك الوقت هم عينهم أهل السنة.
ثم نأتي للمرحلة الخطيرة، وهي "التشيع العقدي". هذا التشيع لم ينشأ من داخل البيئة الإسلامية الصافية، بل دخلت عليه مؤثرات أجنبية وخارجية. المحرك الأساسي والأول لهذه المرحلة هو شخصية "عبد الله بن سبأ"، وهو رجل يهودي من صنعاء أظهر الإسلام أواخر عهد عثمان بن عفان، وطاف بالبلاد الإسلامية (مصر، البصرة، الكوفة) ينشر أفكاراً غريبة ومسمومة.
ابن سبأ هذا هو أول من أظهر القول بأن علياً رضي الله عنه هو "الوصي"، مستدلاً بفكره اليهودي ومقايسته بأن لكل نبي وصي، وأن علياً هو وصي محمد. وهو أول من أطلق القول بـ "الرجعة" (أن النبي سيرجع أو أن علياً سيرجع)، وهو أول من أظهر الطعن والسب في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم.
وعندما علم علي بن أبي طالب بأمر هذا الرجل وبما يشيعه من غلو فيه (وصل ببعض أتباع ابن سبأ إلى تأليه علي)، غضب علي غضباً شديداً، وأمر بإحراق الغلاة في الأخاديد المعروفة، ونفى عبد الله بن سبأ إلى المدائن. من هنا تحول التشيع من نصرة سياسية لآل البيت إلى عقيدة سرية باطنية تتطور وتتلاقح مع الأفكار الفارسية واليهودية القديمة عبر الزمن، حتى استقرت على ما نراه اليوم عند الإثنى عشرية من القول بالولاية التكوينية، وعصمة الأئمة، وتحريف القرآن، وتكفير الصحابة. آل البيت بريئون تماماً من هذا الغلو، وعلي بن أبي طالب وأبناؤه الحسن والحسين كانوا أئمة هدى على عقيدة النبي وصحابته.