هل كان النبي ﷺ يجمع الصلوات كما تزعم الشيعة الإمامية؟
فرض الله تعالى الصلاة على عباده وجعل لها مواقيت محددة لا يجوز تجاوزها إلا لعذر شرعي، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.
ولهذا أجمع المسلمون عبر القرون على أن الصلوات الخمس تؤدى في أوقاتها المعلومة: الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء. غير أن الشيعة الإمامية يوسعون مسألة الجمع بين الصلاتين توسعاً كبيراً، حتى أصبح من المعتاد عندهم جمع الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء في غالب الأحوال دون عذر.
ويستدل علماء الشيعة على ذلك بعدد من الروايات الواردة في كتبهم، والتي يُفهم منها أن النبي ﷺ جمع بين الصلاتين أحياناً.
وهذا يدل على أن الاستدلال بها على جعل الجمع أصلاً دائماً في الصلاة أمر غير صحيح، بل يخالف النصوص الكثيرة التي تثبت أن الأصل هو إقامة كل صلاة في وقتها.
وفيما يلي عرض لأهم الروايات التي يستشهد بها الشيعة.....
أولاً: رواية تأخير العشاء إلى نصف الليل
جاء في كتاب تهذيب الأحكام للطوسي:
عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
"لولا أني أخاف أن أشق على أمتي لأخرت العتمة إلى ثلث الليل…".
هذه الرواية تتحدث عن تأخير صلاة العشاء إلى وقت متأخر من الليل، وليس فيها أي ذكر للجمع بين الصلوات. بل تدل على أن لكل صلاة وقتاً مستقلاً.
فلو كان النبي ﷺ معتاداً على الجمع بين المغرب والعشاء دائماً لما كان لتأخير العشاء معنى أصلاً، لأن الجمع يجعل الصلاتين تؤديان معاً في وقت واحد.
ثانياً: قصة زرارة وتأخير صلاة العصر
ورد في رجال الكشي:
· أن زرارة كان يؤخر صلاة العصر حتى تغيب الشمس، فأمره الإمام أن يصلي في مواقيت أصحابه.
· وهذه الرواية مهمة جداً؛ لأنها تدل على أن تأخير الصلاة عن وقتها أمر منكر حتى عند أئمة الشيعة أنفسهم.
· فلو كان الجمع بين الصلاتين أمراً معتاداً لما اعترض الإمام على زرارة، ولما أمره بالصلاة في مواقيت الناس.
ثالثاً: الجمع في الليلة المطيرة
جاء في قرب الإسناد للحميري:
"رأيت أبي وجدي القاسم بن محمد يجمعان مع الأئمة المغرب والعشاء في الليلة المطيرة".
وفي رواية أخرى:
· "كان رسول الله صلى الله عليه وآله يجمع بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة".
· وهذا النص واضح في أن سبب الجمع هو المطر، وهو أمر معروف عند فقهاء أهل السنة أيضاً، حيث أجازوا الجمع بين المغرب والعشاء في المطر رفعاً للمشقة.
· وبالتالي فهذه الرواية لا تدل على أن الجمع عادة يومية، بل هي رخصة مرتبطة بعذر.
رابعاً: رواية تأخير المغرب
ورد في قرب الإسناد:
· قال أبو عبد الله:"إذا غاب القرص فصل المغرب".
· وهذا النص صريح في أن المغرب تؤدى عند غروب الشمس، وهو وقتها الشرعي المعروف.
· فلو كان الجمع بين المغرب والعشاء هو الأصل، لما أكد الإمام على أداء المغرب عند غروب الشمس.
خامساً: الجمع توسعة على الأمة
ورد في علل الشرائع للصدوق:
أن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى الظهر والعصر في مكان واحد من غير علة، وقال: "أردت أن أوسع على أمتي".
وهذه الرواية هي أقوى ما يستدل به الشيعة، لكنها في الحقيقة تنقض دعواهم لسببين:
1) أن الجمع هنا رخصة
النبي ﷺ صرح بأنه فعل ذلك للتوسعة، أي أنه أمر غير معتاد.
2) اعتراض عمر رضي الله عنه
سأل عمر رضي الله عنه:"أحدث في الصلاة شيء؟"
وهذا يدل على أن الجمع لم يكن أمراً معتاداً، وإلا لما استغربه الصحابة.
سادساً: خمس صلوات في خمسة أوقات
ذكر الصدوق في علل الشرائع باباً بعنوان:
· "العلة التي من أجلها فرض الله خمس صلوات في خمس مواقيت".
وهذا النص مهم جداً؛ لأنه يقرر بوضوح أن الأصل هو خمسة أوقات للصلاة.
وبالتالي فالجمع ليس قاعدة، بل استثناء.
الخلاصة
بعد جمع الروايات الشيعية نفسها يتبين ما يلي:
¨ الأصل هو أداء الصلوات في أوقاتها الخمسة.
¨ الجمع ورد في حالات خاصة مثل المطر أو المشقة.
¨ بعض الروايات تصرح أن الجمع رخصة للتوسعة وليس عادة.
¨ استغراب الصحابة من الجمع يدل على أنه لم يكن أمراً دائماً.
ولهذا فإن جعل الجمع بين الصلاتين نظاماً يومياً دائماً كما تفعل بعض الفرق الشيعية، يخالف ظاهر هذه الروايات نفسها، فضلاً عن مخالفته لما هو معروف من هدي النبي ﷺ في المحافظة على الصلاة في أوقاتها.
وقد بقي المسلمون عبر القرون يقيمون الصلوات الخمس في أوقاتها، اتباعاً لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.
المصادر
¨ تهذيب الأحكام – الطوسي
¨ علل الشرائع – الصدوق
¨ قرب الإسناد – الحميري
¨ رجال الكشي – الطوسي