موقف الإمامية الاثني عشرية من قتال علي بن أبي طالب رضي الله عنه
تُعدّ الفتن التي وقعت في صدر الإسلام من أكثر القضايا حساسية في التاريخ العقدي والفكري للأمة، لما ترتب عليها من خلافات سياسية ثم مذهبية، أثّرت في قراءة الأحداث وتفسيرها عبر العصور. وقد احتلّ قتال علي بن أبي طالب رضي الله عنه موقعًا مركزيًا في الخطاب الإمامي، إذ رُبط هذا الحدث بقضية الإمامة والولاية، وجُعل معيارًا للحكم على الأطراف المتقابلة في تلك المرحلة.
وتشير نصوص في التراث الإمامي إلى تقرير حكم قاسٍ على من قاتل عليًا، حيث نُقل عن بعض علمائهم التصريح بكفرهم وردتهم، واعتبارهم خارجين عن دائرة الإيمان بسبب حربهم له. ويُعرض هذا الموقف في كتبهم على أنه محل اتفاق بين الإمامية، مرتبط باعتقادهم في عصمة الإمام ووجوب طاعته.
غير أن هذا التصور يصطدم بما ورد في روايات منسوبة إلى علي بن أبي طالب نفسه، حيث نُقل عنه أنه لم يكن ينسب خصومه في القتال إلى الشرك أو النفاق، بل وصفهم بأنهم «إخوان بغوا علينا»، وأقرّ باشتراك الفريقين في أصل الإيمان بالله ورسوله، وأن سبب الخلاف كان سياسيًا واجتهاديًا لا عقديًا.
ويهدف هذا المقال إلى عرض الموقفين: موقف بعض علماء الإمامية في الحكم على من قاتل علي رضي الله عنه، وموقف علي نفسه كما ورد في المصادر، ثم تحليل هذا التباين، وبيان أثر القراءة المذهبية اللاحقة في إعادة تفسير أحداث الفتنة الكبرى، وتحويل الخلاف السياسي إلى حكم عقدي بالإيمان والكفر.
ولا يرمي هذا البحث إلى الخوض في أعراض الصحابة أو إثارة النزاع، وإنما إلى إبراز الفارق بين النصوص التاريخية المنسوبة لعلي رضي الله عنه، وبين الأحكام العقدية التي تشكلت لاحقًا في بعض المدارس الكلامية.
كل من قاتلوا علياً عندهم كفار مرتدون
كذلك اعتبروا كل من حارب عليا كفارا وذلك بالإجماع.
قال المفيد «واتفقت على القول بكفر من حارب أمير المؤمنين عليًا وأنهم كفار ضلال ملعونون بحربهم أمير المؤمنين وأنهم بذلك في النار مخلدون»
(أوائل المقالات ص10).
قلت: هذا الذي زعم المفيد اتفاق الشيعة عليه يخالفكم فيه علي رضي الله عنه.
«فعن هارون بن مسلم عن مسعدة بن زياد عن جعفر عن أبيه عليهم السلام أن عليا عليه السلام لم يكن ينسب أحدا من أهل البغي إلى الشرك ولا إلى النفاق، ولكن كان يقول: إخواننا بغوا علينا»
(وسائل الشيعة51/83 للحر العاملي مستدرك الوسائل11/68 للنوري الطبرسي جواهر الكلام للجواهري12/338 فقه الصادق31/118 محمد صادق الروحاني قرب الإسناد ص94 للحميري القمي).
وفي رواية «عن جعفر عن أبيه أن عليا عليه السلام لم يكن ينسب أحدا من أهل حربه إلى الشرك ولا إلى النفاق، ولكنه كان يقول: هم إخواننا بغوا علينا»
(بحار الأنوار23/324 وسائل الشيعة51/83).
وروى الشيعة عن علي أنه قال «وكان بدء أمرنا أنّا تلاقينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد وديننا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا شيئاً إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان»
(نهج البلاغة3/114).